جريدة الاسبوع الادبي العدد 1011 تاريخ 17/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

سر الحفرة ـــ عدنان زيدان المرزوقي

أطل رجب برأسه من النافذة الخشبية لغرفته وحدق نحو الدرب المفضي إلى طرف القرية الشرقي. لم يبد على امتداده حركة لعابر في هذا الهزيع المتأخر من الليل الذي طال كل شيء في القرية بسكون لم يكن يعكره إلا نباح الكلاب الشاردة في أزقة القرية وهي تلاحق بعضها بعضاً بين الفينة والفينة.‏

تخطى بحذر فراش زوجته وأولاده الخمسة الذين جمعهم لحاف قطني أغبر ومشى إلى صندوق خشبي مركون في زاوية من زوايا غرفته الطينية. رفع غطاءه بهدوء حتى لا يوقظ صرير مفاصله الصدئة أسرته النائمة وأخرج كيساً من الخيش المهلهل بداخله محفار ومعزقة وسراج زيتي.‏

وضع عليه عباءة صوفية لونها بلون التراب وأحكم فوق رأسه كوفية رمادية منسلة الخيطان. بحث عن علبة السجائر وأشعل واحدة منها وملأ رئتيه من سموم دخانها الرديء الذي انبعث رائحته في جو الغرفة مهيجةً لدى أولاده النائمين حالة من السعال. أطلق رجب من صدره تنهيدة عميقة وهو يحملق في أسرته النائمة, هز رأسه وتمتم بصوت خافت:‏

"الليلة سيتحقق الحلم.. الليلة سأنتصر على الحفرة".‏

قبيل الفجر خرج رجب من بيته حذراً. جال ببصره ذات اليمين وذات الشمال, واستعرض في مخيلته دروب القرية التي عهد مفارقها وخفاياها منذ زمن طويل؛ وسلك درباً متعرجة من جهة القرية الشرقية قلما طرقته الأقدام.‏

أدار رجب ظهره للقرية, وبدأت بيوتها الطينية التي تناثرت هنا وهناك تبتعد عن ناظريه. حث خطاه متوارياً بالظلام حتى لا يراه عابر مفاجئ فيهتك بفضوله ستر بغيته التي خرج من أجلها.‏

لقد صحب الليل طويلاً وأنس به, فوجد فيه نعم الصاحب ونعم السمير. استكتمه سره فكتمه وأسدل عليه ستائر الدجى, ونثر بين نجومه المضيئة شجونه وأحلامه فأغمض عليها الليل بأجفانه وحنى عليها حنو الشفيق.‏

الدرب لا يكاد ينتهي أمامه, والجو من حوله يعبق برائحة اختمار الأرض العطشى ببشائر الخريف من أمطار تجمعت على طول الدرب في برك صغيرة موحلة.‏

سار رجب شارداً غافلاً عن الأشواك التي أدمت ساقيه وعن الندوب التي أثخنت قدميه مستغرقاً في هاجس قديم لا يريد مفارقته. حدث نفسه مثل مهووس لا يكاد يشعر بشيء من حوله, وعاد ذلك السؤال يلح على ذهنه ويطرقه طرق النجاد للصوف: هل سيكلل اليوم سنين كثيرة من البحث والحفر بالنجاح أخيراً؟‏

أطلق رجب زفرة حارة وهمس في نفسه مطمئناً:‏

"آه.. سيتحقق, سيتحقق".‏

أخرج رجب من الكيس سراجاً زيتياً فأشعله ورفع ذبالته. جال ببصره أرجاء المكان من حوله بحثاً عن مكان الحفر. كان مضطرباً اضطراب العاشق في لقائه الأول وهو يقترب بخطوات بطيئة من المكان الذي شيد عليه صرح مستقبله؛ ومن الحلم الذي تعشق في كل خلية من خلايا عقله, ولم يفارقه منذ سنين مريرة. حلم العثور على الكنز المدفون.‏

تفل رجب على راحه اليمنى وفرك بها راحه اليسرى وشد بقبضتيه على عصا المحفار الخشبي وبدأ الحفر كآلة يدفعها محرك من لحم ودم, كان يصيخ بكل حواسه إلى كل ضربة من ضربات المحفار الذي بدا مطواعاً بين قبضتيه الخشنتين وهو يهوي به على الأرض.‏

خواطر كثيرة كانت تدور برأسه, بينما كانت عيناه تدوران لاهثتين بحثاً عن الدليل داخل الحفرة التي كانت تتسع شيئاً فشيئاً.‏

تملكه الخوف من خيبة الأمل التي تجرع من كأسها في الماضي مع كل حفرة فتحها وصفعته بخوائها من تلك الصورة التي أفرد لها إطاراً مميزاً على جدار مخيلته. صورة التراب وهو ينفرج عن صندوق متخم ببريق القطع الذهبية.‏

حياة رجب حُفَر. الحفر غارقة في كل تفاصيل حياته, وفي كل لقمة خبز التقمها وكل جرعة ماء احتساها وكل نظرة إلى زوجته وأولاده. الناس يعدون أعمارهم بالسنين ورجب حسب عمره بعدد الحفر التي حفرها. إن حجم ما حفره خلال السنين الماضية يعدل حجم وادي القرية الصغير.‏

مشاعر سوداء بدأت تنبثق من بين التراب الكثيف الذي أخرجه بمعوله من الحفرة, ومعها بدأت تنداح عن مخيلته الأطياف الجميلة التي رسمها لأيامه القادمة؛ وأحس بالوهن يتغلغل داخل أطرافه رويداً رويداً, للحظة راودته فكرة التراجع عن الحفر وشعر أن ضربة محفار واحد فقط تفصله عن استحواذ اليأس التام على تفكيره, قال رجب لنفسه محاولاً طرد الهواجس التي غزت ذهنه فجأة:‏

"لن أستسلم لليأس ولن تثنيني الأوهام. سأتابع الحفر غير آبه لتجارب الماضي الفاشلة".‏

لعق رجب شفتيه اليابستين بلسانه وتفل خليطاً من اللعاب المر والغبار ثم نظر إلى الحفرة بتحد وتمتم دون أن يشعر:‏

"سأهزمك مهما استعصيت, أجل سأهزمك في النهاية".‏

واصل رجب الحفر محاولاً الحجر على أفكاره من الاسترسال في حالة القنوط التي انتابته, نسي نفسه تماماً ولم يعد يفكر في هذه اللحظات إلا في شيء واحد. الحفر. لم تسفر كومة التراب التي أخرجها رجب من الحفرة عن شيءْ. كان يمعن النظر في كل حجر من أحجار الحفرة بحثاً عن دليل الكنز قبل أن يرواغه بالمحفار ليقتلعه من مكانه.‏

فجأة خفق قلب رجب خفقات مثل حصان جموح وهو يحدق شاخصاً إلى قطع من الشِّيد الأبيض المفتت بين تراب الحفرة, تنبهت لمنظرها كل حواسه كأنما غرس بغتة في كل جذر من جذورها دبوس معدني.‏

انفرجت أسارير وجهه وضحك بصوت مسموع وهو يلمس قطعة من الشِّيد الأبيض ببنان الإبهام والسبابة:‏

"آه.. أخيراً, بضع ضربات بمحفاري وينطلق الكنز من عقاله, بضع ضربات ويسعى نحوي طائعاً بعد طول تمنع وعصيان".‏

قال ذلك رجب بصوت عال ليزيد في اطمئنانه, وهو يشعر أنه يقترب من النهاية السعيدة لقصة عمرها من عمر بؤسه وشقائه. نعم, طوال السنين الماضية كان يتصور أنه يوماً ما سيكسب الرهان وأن السحر سينفك عن الحفرة المغلقة وتسفر له كارهة عن كامل بريق زينتها.‏

كانت عضلات جسده النحيل تختلج بشدة وهو يهوي بمحفاره الذي بدأ ينزلق ويهوي داخل الحفرة. ألقى المحفار جانباً وجثا على ركبتيه داخل الحفرة ثم شرع يزيح التراب براحة كفيه بحركة أسرع من نبض قلبه المتوثب الذي أحس به كأنه يقفز متمرداً خارج حاجز ضلوعه. استنفر كل حواسه وهو يلمس بباطن أصابعه الجزء اليسير الظاهر من جسم مجهول خارج التراب؛ وصاح بفرح طفولي عندما لمس ببنان أصابعه جسماً دائرياً أملساً:‏

"الدليل.. أقسم أنه دليل الكنز, لابد أنه الحجر الدائري المنحوت بشكل أملس ووسطه رسم طائر صغير يمسك بمنقاره سنبلة من القمح".‏

نبش رجب التراب بأظافره من جميع جوانب الجسم المجهول, وبرزت معالمه من خلال التراب شيئاً فشيئاً. حاول الإمساك به بكفيه وإخراجه ليتبين معالمه, وبغتة ندت عن رجب صرخة ذعر خافتة وأبعد يديه هلعاً. فعل ذلك بشكل تلقائي وكأنهما لامستا رأس شعبان قاتل ودبت الرعدة في بدنه كله من قدميه حتى أصول شعر رأسه. حاول الخروج من الحفرة لكن قدميه تسمرتا في الأرض ولم يستطع الحراك كأنه أصيب بالشلل.‏

صمتت أغاريد الأمل في رأسه وطويت مثل ثوب سمل وتردد رجع نعيب الخيبة بين جنبات الحفرة. خمدت جذوة أحلامه وهوى نجمها, ورجب أشبه بأم ثكلى رمست وحيدها مكفناً بكفن لونه من لون تراب الحفرة.‏

مرت لحظات بطيئة مثل كابوس ثقيل ورجب ذاهل لا يريم مكانه كأنه تمثال من شمع.‏

فتح عينيه على وسعهما وحدق في الجمجمة البشرية الماثلة أمام ناظريه. تحولت الحفرة إلى دوار رهيب أفقده القدرة على إدراك كنه هذا الخوف الغريب الذي أطل من داخله ولم يعهده من قبل في نفسه؛ وتساءل في سره عن سبب, أكان مبعثه منظر الجمجمة التي دحرجتها قبالته فرقاً أصابع كفيه المرتعشة؟ أم كان من هول المفاجأة المذهلة التي لم تكن في حسبانه؟‏

لقد هصرته المفاجأة وشعر بنصلها الحاد ينبثق من بين الرميم وينغرس في مقتل الحلم الجميل الذي تشبث بأذياله؛ ولاحق خطاه مثل طفل سار في إثر أمه بلا تفكير.‏

سكنت مخاوف رجب شيئاً ما ووجد في نفسه الجرأة ثانية فالتقط الجمجمة من فوق التراب. قلبها بين كفيه متوجساً ونظر إليها بعينين كأنهما استعادتا الرؤية فجأة بعد عمى طويل. لم تكن هذه المرة الوحيدة التي يصافح فيها بصره منظر جمجمة بشرية؛ غير أنها المرة الأولى التي تشرب عقله برؤيتها سر من أسرار الحياة خفي على بصيرته في المرات السابقة.‏

" لا يملأ عيني ابن أدم إلا التراب".‏

حقيقة من حقائق الحياة والموت همهم بها رجب بصوت شبه مسموع؛ وفدت إلى ذهنه وهو ينكش بإصبعه التراب الذي ملأ تجويف محجريي جمجمة إنسان مجهول؛ طالما تناهت إلى سمعه في مجالس القرية من الكبار الذي خبروا الحياة, ولم يتسن وقتها لعقله الغارق في متاهات الأحلام إدراك مؤداها.‏

وخزات الندم لا تكف عن مهاجمة تلافيف عقل رجب, وخزاً مئتداً تعيد إليها الإحساس الذي خدرته الأوهام التي نصبت في خياله منارة خلبية وأذكت له وميض سراجها فقصد بريقها على غير هدى؛ فإذا سكنت وخمد لهيبها لم يبصر سواها وتخبط في دربه تخبط الأعشى في الليلة الظلماء. الأوهام التي جعلته يعتقد أن حظه من الدنيا يغفو داخل الأرض في صندوق سحري ينتظر ضربة من محفاره العتيد.‏

كان الإجهاد واضحاً على وجه رجب, واختلطت الأمور في رأسه وهو يعيد الجمجمة مرة أخرى إلى التراب؛ الجمجمة المجهولة التي أبانت له بصمتها عن سر خطير من أسرار الحياة, أبانت له عن سر الكنز الحقيقي الذي دفنه عن غير قصد منه في بطن حفرة بحث في جوفها طويلاً عن كنز وهمي وراهن عليها بجزء ثمين من عمره؛ وكلما خسر الرهان مع نفسه قامر على أخرى ـ وهكذا دواليك ـ حتى غدت حياته أشبه بحياة خلد ليلي يندفع دونما اتجاه وهو يحفر تحت الأرض بغير كلل جحوراً متشعبة لا نهاية لها.‏

لم يخطر ببال رجب وهو يقبع وحيداً داخل قبر مفتوح إلى جوار رميم عظم بشري؛ وفي لحظة حصار اليأس التام لكل مسارب الأمل داخل نفسه أن إنساناً آخر انبثق من داخله لا علاقة بينه وبين رجب الإنسان الذي غلف حياته طوال السنين الماضية بنوع من الترقب الخادع.‏

لم يدرك رجب أن السنين تفلتت من عمره رخيصة كما تتدافع حبات اللؤلؤ من قلادة انحل سمطها إلا حين انبثق رجب الآخر.‏

أعاد رجب الجمجمة إلى التراب ثانية, التراب الذي منه خلقت وتساءل في سره وهو يهيل التراب فوقها:‏

"من يدري؟ الله وحده أعلم! ربما كان أميراً حاز الدنيا طوع يمينه. أو لعله كان فقيراً لم يملك شروى نقير. لا فرق.. تراب, تراب. لا شيء سوى التراب!‏

قرر رجب في قرارة نفسه الكف عن الحفر, لم يكن قراره بالتوقف عن الحفر القرار البكر في حياته, ولكنها كانت المرة الوحيدة التي عقد العزم على الكف عن الحفر بغير عودة.‏

خرج رجب من الحفرة, وتحت وقع الرذاذ الخفيف الذي بدأ يتساقط عليه هال بكفيه العاريتين التراب داخل الحفرة بعد أن وارى بين ثراها جمجمة إنسان مجهول وكيساً من الخيش المهلهل بداخله محفاراً ومعزقة وسراجاً زيتياً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244