|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ـ الأرض التي نسكنها.
الإنسان ـــ فايز حليم ـ ليبيا المشهد الأول: الزمان: ـ مليون سنة قبل يومنا هذا. المشهد: ـ بحر متلاطم الأمواج, ثائر أشد ما تكون ثورته, طيور النورس تغزو السماء مالئة الصورة بصخب أصوات وحفيف أجنحة... الشمس كانت هناك أيضاً غير مبالية بشيء مما حولها, تمشط خيوط شعرها المصبوغة ذهباً, ترسل من وجنتيها شيئاً من دفء ناعم يتمدد عبر الطيور الحائرة, عبر المياه المعربدة, عبر الرمال المسحوقة التي تنتحر عندها الثورة... عبر الأشجار المتغطرسة في الجهة الأخرى. بعيداً... خلف الشمس... كان القمر مرتمياً في زنزانته المعلقة في السماء... بأمر منها لا يسمح له بالخروج لحظة تواجدها.... إنها ليست سيدة الكون فقط إنها أجمل ما في الكون أيضاً... فجأة يعم السكوت... أدخل البحر مخالبه... انسحبت الرياح بصمت, صياح الطيور تحول إلى قلق أبكم... تحركت الشمس قليلاً, نظرت بطرف عينيها محاولة إظهار عدم اهتمامها, مواصلة تمشيط خيوط شعرها المصبوغة ذهباً. من رحم السكون انفجر البحر... هناك... عند منتصفه... عند منتصف الطريق إلى الأفق التائه... خرج مخلوق غريب... ارتفع قليلاً مع الانفجار... قليلاً... شبرين فقط... لامست قدماه الماء, لم تغوصا... مخلوق لم يسبق لأحد مشاهدته من قبل.. لم يسمع عنه أحد من قبل... مخلوق يغطي الشعر الأكرد رأسه... مخلوق لا يطير... مخلوق لا يزحف.... مخلوق يمشي منتصباً على قدمين فقط. وصل إلى الشاطئ, ارتسمت صورة قدميَه على الرمال المستكينة تحته, لكل قدم خمسة أصابع متساوية في الطول.... نظر حوله... نظر إلى الأعلى... الشمس كانت هناك... لا شيء مثير بالنسبة لها فقط تواصل تمشيط خيوط شعرها المصبوغة ذهباً. نظر الغريب حوله مرة أخرى.... نظر إلى السماء مرة أخرى... خلف الشمس... وراءها إلى القفص المعلق بجيد السماء. "لماذا...؟" كانت كلمته الأولى... موجهها إلى الشمس..!! سيدة الكون وحاميته. لماذا لا تسمحين للقمر بالظهور معك؟؟... نظرت إليه الشمس بعينيها الاثنتين هذه المرة... مستمرة في تمشيط خيوط شعرها المصبوغة ذهباً... "مرحباً بك..." قالت... " لا أحد يقول لي لماذا" أضافت... "لا تملكين هذا الحق... لا أحد يملك هذا الحق"... كان رداً غريباً كصاحبه, الطيور تراقب بخوف ما يحدث, الأشجار لم تعد متغطرسة, البحر حاول جاهداً كتم أنفاسه.... من هذا الذي يتحدى الآلهة؟... من هذا الذي ينظر إلى عينيها؟... من هذا الذي يتحدث عن حقوق الشمس وملكيتها؟... لا أحد يرغب في المشاركة... لا أحد يرغب في المشاهدة... لا أحد يرغب في البقاء. ارتفعت الحرارة قليلاً.... ازدادت خدود الشمس احمراراً... المشط في يدها يتحرك بارتفاع أسرع "أنا لدي كل الحق.... أنا الحق" أجابت بحده... "لا أحد يملك كل الحق... حتى أنتِ.... يستطيع القمر الخروج متى شاء هو وليس كما تشائين أنتِ"... رمت الشمس مشطها بغضب... سقط على سطح البحر... اختفى نصفه ضباباً في السماء... نظر المخلوق الغريب إلى الجبل القريب... الجبل الذي ظهر خلف الأشجار الراكعة... ركض إليه... تسلقه... مد يده ... محاولاً الوصول إلى باب الزنزانة... إلى الباب الذي سيخرج منه القمر... لم يستطع... استدار... التقط حجراً.. رفعه فوق رأسه... صوب الشمس... توسل إليه الجبل, بكى تحته... استعطفه أن ينزل. لم ير أحد الشمس غاضبة كهذا اليوم... لم تعد خدودها فقط حمراء, عينيها أيضاً.. اقتربت من قمة الجبل.... رماها المخلوق الغريب بالحجر... ذاب قبل أن يصل إليها... اقتربت الشمس أكثر, بدأ الجبل يهبط... ذلك المخلوق لازال واقفاً... ازدادت الشمس اقتراباً.. انتهى الجبل, انتهى كل شيء... كل شيء. المشهد الثاني: الزمان: ـ خمسمائة ألف سنة قبل يومنا هذا. المشهد: ـ غابة متلاصقة الأشجار... أصابع الليل تلتف حول الصورة... لا شيء عدا أغاني الرياح المسترخية. فجأة ظهر شق في الأرض الرطبة... خرج مخلوق غريب... قد يشبه قليلاً أسطورة قديمة... احتضن الوحل قدميه... رسم صورتهما على وجهه... قدمان.. لكل قدم خمسة أصابع... خمسة أصابع غير متساوية الطول... تراقصت أوراق الأشجار... صافح بعضها الوجه الغريب... امتدت يده... قبضت عليها.. انتزعتها بعنف... هناك فم مفتوح داخله لابد من قفله. تسلل الغريب نحو إحدى الأشجار... وقف تحتها... حاول جاهداً أن يرى ما يوجد في قمتها... لم يكن بالإمكان ذلك.. أرهف سمعه... كان هناك أصوات ضعيفة لطيور وليده تأتي من أعلى الشجرة... بتر أحد أذرع الشجرة الممتدة إليه... ركع على ركبتيه... ضرب حجرين ببعضهما... اندفعت شرارة نحو الذراع المبتور... تحولت إلى لهب.... ضوء خجول تسلل عبر الأصابع المظلمة... تسلق الغريب الشجرة متجهاً إلى قمتها... إلى العش.... إلى الطيور الوليدة. استدراك 1: لم يتم اكتشاف النار صدفة... أتى مخلوق من الشمس حاملاً سرها. استدراك 2: من صلب هذا المخلوق انحدر حكام هذه الأرض. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |