|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
اليوم الأخير ـــ أدهم سراي الدين ... هكذا كان ذلك الصباح, خليطاً من البرد والندى, وانتحار أوراق الخريف, القرباني, بعد أن بدّد الضوء الطافح من الشرق ضباب الليل؛ فالتمع العشب المخضّب, على جانبي الطريق... ثم هبت ريح, وراحت تكنّس المكان, بينما كنت استقل سيارة تكسي. ـ إلى أين؟/ قال السائق: ... وبقيتُ برهة صامتاً ـ لم يكن في خلدي مكان محدّد أهب إليه ـ نظرت أمامي, فتلاقت عيوننا على مرآة سيارته. ـ إلى أين, يا سيد؟/ كرر السائق سؤاله. ـ أريد أن أتجوّل في المدينة./ نبستُ بعد تردّد. ابتسم السائق, بدا سعيداً بالفكرة, ربما شعر أنه سيكون القائد الحقيقي لسيارته هذه المرة, وبنفسه سيختار محطات رحلته القادمة... ـ حسناً... وانطلقت السيارة مخترقة الحافلات, تتهاوى وراءها ـ على جانبي الشارع العريض ـ شوامخ العمارات, والأشجار, و.... ****** "كيف مرّ الزمن بطيئاً"؟/ فكرت, وأنا جالس في مقعدي الخلفي, أرصد المكان الهارب من أمامي. "غداً ستتلاشى صوره, من ذاكرتي, وستغدو حلماً, أو سراباً, كما يذوب الملح, تحت وطأة سقوط الماء"/ وراحت تجرجرني الذاكرة إلى يوم قدومي الأول إلى هذه المدينة الثلجية. كنت مدفوعاً بأوهامي وآمالي, وشغفي بالبعيد المجهول. بداية ظننتُ, أن المدينة المشلوحة, في حضن الغابة الخضراء, ستكون الجنة, لكنني عدلت, بعد أن قضيت في ربوعها سنوات معدودة, عرفت أن لكل مكان, مهما كان جميلاً, منغصاته, لكل زمان نوّاسه وثقالته. ****** وعندما تجاوزت السيارة عربة (ترامواي) صفراء, تسير بطيئة كسلحفاة هرمة, على سكتها الحديدية القديمة, التمعت على يميني بحيرة فضّيه كالمرآة, رحت أتأملها. كان صيادو السمك جالسين على أطرافها يتفكرون ينتظرون, بعد أن أرخوا صناراتهم في الماء, وإلى جانبهم جماعة من البط, شقت صفحة الماء متجهة نحو عجوز, ترمي لها قطعاً من الخبز, بينما الغربان تتسكع على أغصان الأشجار المحاذية مطلقة نعيقها في الفضاء, احتجاجاً على الإهمال! ومع انبثاق الموسيقى من مسجلة السيارة, اختبأت البحيرة خلفي, وتلاشى المنظر الجميل وهرب, كانت أغنية عميقة, بصوت رجولي شجي, تتحدث عن سائق تكسي تائه في طرقات المدينة, وسط عباب المطر والضباب, ينقل الركاب من محطة إلى أخرى. بينما يبقى هو دون محطة: "ـ طويلة هي الدروب والطرقات... / ويسقط المطر. ـ كثيرة هي الأمكنة.... / ويسقط المطر. ـ والرحلة انطلقت... ـ وغداً سنختفي في وسط الضباب. ولكن الرحلة انطلقت وما عادت تصلح للعودة. ويسقط المطر دموعاً ممجّدة, بائسة, ولا نهاية". ـ نعم ما عادت تصلح للعودة/ رددتُ كلمات الأغنية, وفكرت كيف أصبحت مسحوراً, ممعناً في الرحيل, بعد أن فضضت بكارة السفر. وسكنني قلق المكان, كسائق الأغنية المفجوع بالمتاهة الممجّدة واللانهائية... ******* وبقيت السيارة تجري, والطبيعة هادئة وادعة, ملفّعة بشال الصباح الشفيف, فيتسلل إلى الروح البهجة تجاه كل شيء في الحياة, وبقيت السيارة تجري, وهي تنتقل بين أماكن مختلفة مهمة أحياناً, كالساحة الحمراء, ومسرح البلشوي, إلى جامعة موسكو القديمة, والكرملين, وساحة بوشكين, وحديقة غوركي, إلى أماكن مهملة كتلك الغابة, والبحيرة, والنهر الجاري منذ غابر الأزمان, وذلك الدير الرابض على الرابية الخضراء, ملفوفاً بالهدوء والقدسية, مرسلاً صوت أجراسه في الفضاء... ربما ظنني السائق سائحاً فأراد أن يريني كل موسكو وجمالها/ فكرت وعندما وصلنا إلى نقطة البداية, وانتهت رحلتي معه. نقدته الأجرة وهممت بالخروج. فقال: ـ أنت سائح, وهذا يومك الأول, صح. ـ لا... كنت في موسكو طالباً, وتخرجت, وهذا هو يومي الأخير. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |