جريدة الاسبوع الادبي العدد 1011 تاريخ 17/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الشعرية ومستوياتها الدلالية في "النزف تحت الجلد" لعلي الجندي ـــ عصام شرتح

ارتبطت تجربة القصيدة العربيّة الحديثة في سورية بتجربة القصيدة العربيَّة الجديدة سواء أكانت في الشكل أم في المضمون أَم الأساليب التعبيريَّة والشعريَّة واللّغويَّة التي ظهرت ونضجت بنياتها الإيقاعيَّة والموسيقيّة والتركيبيَّة والتصويريَّة على أَيدي أقدر رُوَّاد الشعر الجديد في سوريّة وأخصّ بذلك جيل الخمسينات من القرن الماضي, من أَمثال: نزار قبَّاني, أُدونيس, محمد عمران, علي الجندي, شوقي بغدادي, فقد كانوا واعين لتوظيفهم المُنْتَظم لهذه البنية الشعريَّة الجديدة والأَساليب التعبيريَّة والتقنيات الفنيّة وطرائق التركيب والدلالة الفّنية والخصائص الأسلوبيَّة والبلاغيَّة الجديدة التي تميَّزت بها هذه اللّغة.‏

وبناء على ذلك اتَّخذ الخطاب الشعريّ الحداثي وضعاً جديداً ومغايراً من خلال إقامة علاقات بنائيَّة وشعريَّة وتعبيريًّة موصولة في تكوين دلالة كليَّة متماسكة تؤكِّد وتُشَخّص امتلاكها لمعالم حداثتها ورصيدها الفّنّي وذاتيتها المنفردة وثقافتها المعرفيّة الواعية بما تمتلك من أَصالة وموهبة وصدق شعريّ بوصفها حالة نموذجيَّة جديدة في البناء والتشكيل الشعريَّين اللَّذين استطاع من خلالهما الشعراء أَن يُؤَكِّدوا حضورهم الدائم والخلاَّق في ساحة الشعر العربيّ الحديث, بدءاً من منتصف الخمسينات إلى الوقت الحاضر, الذي أكسب القصيدة الجديدة لديهم دلالات جديدة ورُؤى جديدة تشمل النَّص كلَّه. وبهذا استطاع الشاعر الحداثي في سوريَّة أن يكسر العائق البنائيّ للقصيدة التقليديَّة, ويخرج عن المواصفات الوزنيَّة والعروضيَّة من خلال تفجير مختلف المستويات الأسلوبيَّة والشعريَّة في النصّ وتقوية البنية التعبيريَّة فيه على المستويات اللُّغويَّة كافّة.‏

ويُعَدُّ علي الجندي واحداً من أهمّ شعراء الحداثة في سوريَّة, وديوانه الموسوم بـ "النزف تحت الجلد" هو خلاصة تجربة شعريَّة حافلة بالعطاء, رغم أنَّ معظم قصائدها قد كُتِبَت في الفترة الواقعة ما بين عامي "1971 ـ 1976" إلاَّ أنَّها قد وصلت في النضح الفّنّي إلى ذروة فنّية عاليّة إيقاعاً ورمزاً ودلالة, لتؤكِّد أَنَّ الشاعر الحداثي كان حريصاً على تطوير تجربته وإغنائها وإكسابها أبعاداً جديدة تنبثق من داخل العمل وسياقاته المختلفة. وهنا نتذكَّر قول الناقد الفرنسي "جان كوكتو": "الشعر ضرورة" فلولا الشعر لانْطَمَسَ الحسُّ الإنساني تحت ركام المتغيِّرات الماديَّة اللاَّمتناهية ولخمدت مصابيح الوجدان, وخبا وميض التواصل البشري, إذ يغدو كلّ منا بغير الشعر خاصَّة, والفنّ عامَّة جزيرة نائية منعزلة عن الآخرين. فالشعر هو الجسر الذي تتلاقى عليه, وتتعانق أيدينا وتتجاوب أنفسنا, فيموت الجفاف والعناء والعزلة واليأس ومرارة الأيّام الجهمة, ويتخلل أنفسنا الدفء وتلمع عيوننا بفرحة الحياة وانبثاق الأمل, ونغني للحياة".‏

ويتميّز الخطاب الشعريّ ـ عند الجندي ـ بأنه "خطاب مفتوح وتعدَّدي ومُتَعد ـ على حدِّ تعبير رولان بارت في سياق حديثه عن الشعر العربيّ ـ تشتبك فيه الدلالة بالبنية والعناصر الغيابية بالعناصر الحضوريَّة, والمُعْلَن بالمغيب, والذاتي بالموضوعيّ, وهذا هو ربما ما يَجْعَله ـ إِضافَة إلى عوامل أخرى ـ قريباً من روح الحداثة الشعريَّة"(1).‏

وقراءة النصوص الشعريَّة ـ عند الجندي ـ تبيّن لنا أنَّ صوره ـ على اختلاف مصادرها وأَنواعها ـ تحاكي اللَّوحة التشكيليَّة أَو الصورة السينمائيّة (العبثيَّة) إذ تتشابك خيوطها مع البنيات التركيبيّة والأُسلوبيَّة لتبني عالماً شعريّاً جديداً, ممَّا يقوِّي رغبتنا في تبني مَقولة ريتشاردز: "المقارنة بين الفنون هي أفضل وسيلة تُمَكِّننا من الوصول إلى فهم مناهج كلّ فنّ منها ومصادره"(2) ممَّا يجعل هناك نوعاً من التوحُّد والانشغال بقوَّة الصورة التشكيليّة وتأثيرها في سياق التجربة لتعميق الرؤيّة الشعريَّة التي يكون فيها التعبير الشعريّ أقوى وأَعمق لبناء عالم شعري جديد. يقول الجندي:‏

تمرُّ الخيولُ أَمامِي‏

أَعْرَافُهَا كالبيارقِ في الريح‏

تبدُو على خطوات, وصوت حوافرها يَتَلاَشَى!‏

تدوسُ على القطن أو طَبْلَةَ السمع‏

تَهْوِي هَويّاً أَمَامي‏

تغيبُ وتَبْدُو‏

تروحُ, تجيء...‏

بَيَاضٌ يمرُّ,‏

خيوطٌ من الثلجِ والبرقِ والنار.‏

... الخيول عَوَارٍ من الناس,‏

فرسانُهَا تركوها‏

الأَعِنَّة طائرةٌ في الفضاء!‏

الخيولُ لهيبٌ وثلج‏

تمرُّ, تمرُّ, تمرّْ...‏

خُيوطاً من الثلجِ والنارِ واللّيل؛‏

لا صوت, لا شكل‏

كلّها حركات تلوحُ ولونٌ يمرّ ويمتدُّ,‏

يمتدُّ... ثمّ يغيب"(3).‏

تُبْنَى القصيدة كاملة على صورة كليَّة من نمط "الصورة ـ الحركة" التي يعرفها الفنُ السينمائيّ من خلال تمثُّل تقنيات الصورة السينمائيَّة, التي تبلغ أقصى درجات الحيويَّة والحضور, ذلك أنَّها تُبْنَى على الصورة الحركة وليس الصورة التي تُضاف إليها الحركة, يقول جيل دولوز: "Gilles Deleuze" "لا تقدّم لنا السينما صورة ستنضاف إليها الحركة, ولكنَّها تقدّم لنا مباشرة "صورة ـ حركة", تقدّم لنا بالتأكيد مقطعاً, ولكنَّه مقطع متحرِّك. وليس مقطعاً ساكناً + حركة مجرَّدة"(4) تبنى القصيدة السابقة على الحركة, وهي حركة متطوِّرة من رصد لحركة الخيول؛ تسارعها, مرورها, حركاتها, صُورها المتضاربة وومضاتها المتسارعة كالبرق, وهذا ما تَبَدَّى في الحركات التالية: "الخيولُ لهيبٌ وثلج تمرُّ, تمرُّ, تمرّ.. خيوطاً من الثلج والنارِ والليل... كلُّها حركات تلوحُ ولونٌ يمرّ ويمتدّ... يمتدّ... ثم يغيب" وهذه "الصورة ـ الحركة" التي قامت عليها القصيدة تفتح للجندي نافذة أخرى على مطالعة جماليّة اللقطة السينمائية لحركة الخيول, وفي هذه "القصيدة ـ الصورة" تلعب الصور المتضافرة دور المثيرات الحركيّة التي تميّز حركة الخيول بالديناميَّة والتعبيريَّة. وإذا كانت الصورة السينمائيَّة هي على الدوام جوهر تعبيريّ, من حيث إنَّ الشاشة بوصفها كادراً لجميع الكوادر تعطي مقياساً مشتركاً لما ليس له هذا المقياس"(5).‏

فإنَّنا نرى مثل هذه الصورة الشعريَّة في النصّ "القطة قريبة لحركة الخيول ومرورها أَمام عينيّ الشاعر, ولقطة بعيدة لمنظومة حركات الخيول وتسارعها وغيابها وهي حركة أو لقطة بعيدة, وهذا ما تمثَّل في تضافر الحركات والصور المتتابعة التالية: "تمرُّ الخيول أمامي... أَعرافها كالبيارق في الريح... تدوسُ على القطنِ أو طبلة السمع تَهْوِي هَوِيَّاً أَمامي تغيبُ وتبُدو, وتروحُ, تجيء... الأَعِنَّة طائرة في الفضاء تمرّ... تمرّ... تمرّ... ثم تغيب". وهكذا تتمثَّل الصورة الشعريَّة عند علي الجندي باللّقطات المشهديَّة المتتابعة لأَنَّها مُكَثّفة ومُكْتَظَّة بالحركات والأبعاد والأجزاء والأَوضاع, وهي قريبة من اللقطات السينمائية في اكتمالها واكتنازها وتمفصلها في حركة القصيدة الداخليَّة.‏

وتحيل قصائد الشاعر علي الجندي إلى تجربته الشعريَّة التي تعتمد على تداخل سياقات البنية الشعريَّة وتصاعد وجهتها الدلاليَّة وتفاعلها في بنية غنائيَّة وصفيّة, ولكنها تشفّ عن رؤية حداثيَّة متميّزة, وقد ارْتَكَزَت فعلاً, والتصقت بتجربة الشعر العربيّ المعاصر, وأنماطه وبنياته التعبيريَّة والأسلوبيّة والتركيبيَّة التي شكلَّت البداية الحقيقيَّة والواعية للخروج عن البيئة التقليديَّة في القصيدة الحداثيَّة, متواصلة إلى تحقيق الوحدة والانسجام والتنوع بين المضمون والشكل الشعريين, فنجد أنّ الجنديّ يبهرنا بما تتَّضح به مخيلته من رُؤى واقعيَّة غايَّة في الدقَّة والإدْهَاش, إِذْ تَتَضافر لديه غنائية الإيقاع الموسيقي الجديد مع البنية التعبيريَّة, معتمداً على تقنيات أٍسلوبيَّة وصوتيَّة متشابكة في بنية القصيدة منها استحضار الشخصيات التاريخيَّة المشرقة بغية إسقاطها على الواقع, لتحقيق نوع من المفارقة التصويريَّة بين الماضي والحاضر من خلال عنصري "المفارقة والتناقض" في صميم الفعل الشعريّ التخيُّلي لخلق الحالة الشعوريَّة والوجدانيَّة عند الشاعر ومدى توتُّرها واحتدامها كما في قوله:‏

"... يا مُوْسَى‏

ماذا تَفْعَل في هذا البلد المُوْحِش والناسُ يَمرُّون بوجهك‏

والعينين الزائغتين فما يلتفتون؟‏

إنْ عَرِفُوكَ تَغَاضُوا, أو جَهِلُوكِ امتعضوا...‏

تبدو للناسِ جنازة إنسان مرميٍّ فوق رصيف الدنيا,‏

فانْفُر يا مُوسَى!‏

ينهضُ موسى بن نصير من قعدته المُخْزِيَةْ,‏

يشدُّ بقامتهِ ما ساعده العمرُ التالف..‏

ويحدِّق قَدَمَاً في لا شيء,‏

يجتزُّ من الأَشجارِ المهزولة غُصْنَاً و.. يسيرُ,‏

يُلَوِّح بالغصنِ بهمَّةِ شابٍ يتقنُ تلويحَ السيفْ‏

........‏

ـ اقرأ يا... مُوسَى‏

ـ أَقْرَأُ... ماذا؟!‏

ـ إنّي لا أتْقُنُ إلاّ لغةَ السيفِ‏

ـ اقرأ بالسيفِ اقرأ بالسيفِ‏

اقرأْ, اقرأْ باسمِ الفقراء..‏

... وتأمَّلَ موسى بن نصير من خلل الدمعِ الساطعِ.‏

قسماتٍ تُفْصِح عن أحرق تاريخ‏

يُولد‏

هلَّل,‏

ثم تناولَ قرآن الأَوجُهِ وابتدأ تلاوة‏

آياتٍ من مصحفه الآتي"(6).‏

إنَّ إلحاح الشاعر على استحضار شخصية موسى فرض على النص دلالته التكثيفيّة والمُعَمَّقة؛ فالشاعر جعل شخصية موسى على الرغم من حنكتها العسكريَّة عاجزة عن إصلاح أو تغيير هذا الواقع. وهنا جاءت هذه الشخصية رمزاً للغربة والاستلاب والضياع والسخط ونزعة التحدِّي والغضب؛ فالشاعر ـ إذن ـ يتَّخذ من شخصية موسى مرتكزاً أو بؤرة نصيّة للكشف عن حالة الضعف العربيّ, ومنه انطلق الشاعر إلى رؤيا كاشفة تضمّ دلالاتها من خلال شحن الألفاظ والكلمات والتركيبات لعلاقات دلاليَّة كليَّة ومتماسكة, استهدفها النّص, ووظّفها الشاعر من منظور رؤيويّ محايك للتجربة الشعريَّة وامتداداتها في عمق الواقع. وهكذا خلق عنصر المفارقة والتضاد ـ من خلال استحضار هذه الشخصية توتراً بين أطراف الجملة الشعريَّة أي توتُّراً بين الحدثين الماضي والحاضر, بغية كشف الواقع وتعميق سلبياته وكشفها للمتلقِّي.‏

ويستمدّ الشاعر علي الجنديّ مستويات خطابه الشعريّ والتعبيريّ, والتركيبيّ والجماليّ من خلال التداعيّ والتكرار والتراكم والتشظي, "فَقَارِئ عليّ الجندي ـ على حدّ تعبير الدكتور وليد مُشَوِّح ـ يَشْكُو من الصعوبة لأنَّه يفقد المنافذ المؤدِّية إلى إرادة المعنى الحقيقي, فيضطر إلى التخمين, أَو يتكِئ على نظريَّات علم النفس, أو كتب تفسير الأحلام, علّه يصل إلى تجميع أشلاء الصورة الشعريَّة المبعثرة عنده, إنّه شاعر ـ على ما أَرى ـ يقف شعره بين ضِفَّتي الوعي والَّلاوعي, على ساحة الواقع والَّلاواقع, شاعر التداعي والتكرار والإبهام والتراكم" (7).‏

فالشاعر علي الجندي في ديوانه هذا يحاول أن يَقُوم باستحضار كلّ قدرات اللّغة ودلالاتها وإيحاءاتها لتحقيق التناسق والتآلف الدلاليّ الذي يُفْضِي إلى ارتفاع ملموس في البنية التخيلية والشعريَّة للقصيّدة, ويكشف في الوقت ذاته عن أَنماط متوالية من الانحرافات اللّغويَّة والتصويريَّة التي تتفجر بها البنية العميقة للقصيدة, كما في قوله:‏

عَاشِقٌ وَجْهَكِ البدويّ المدوّن/ في آخر الصفحات الجميلة من عمري‏

الغجري‏

وأَبْكِي لأَنَّي لا أَسْتَطِيع امتلاك خطوط وأَلوان تاريخه المجدليّ‏

وأمنحُ كلّ زُروعي وأَشجار كَرْمِي وأَنهار بَيْتِي... سواقي حنيني‏

وأسيجة الياسمين,‏

لأنّي‏

لأني نَسِيْتُ سَوَادَكِ, دفء تُرَابك‏

خارطة الجسد البابليّ,‏

تضاريس حبّك يوم ولدتِ ويوم تموتين.‏

أو تبعثين من الموتِ"(8).‏

ولعلَّ إشاعة مثل هذه البنية الشعريَّة والتقنيات التعبيريَّة والأُسلوبيَّة واللّغة الصوفيَّة ستؤدِّي حتماً إلى زيادة الطاقة الشعريّة في القصيدة, وتشغيل الكيفيات التعبيريَّة لتوليد المعنى من داخلها, وتنمية قدراتها الفنّية من خلالها, حيث تخلَّى الشاعر فيها عن نوازع الجسد ونداءاته ليدخل إلى عالم الروح والصفاء والحبّ والعشق والطهارة الصوفيَّة في أَلق إنسانّي في المبنى الفنَّيّ, وفي التجربة الشعريَّة ذاتها كلاً واحداً لا يتجزأ, لخلق كيان عضويّ متماسك, تَشفّ به سيمائيّة القصيدة, وشفراتها ورمزيتها التي ترتبط في القصيدة الواحدة بمدار حركيّ نام في بنية النّص الكلّيّة, لا بل بين القصائد كلّها كخيط النور الممتد بين العصور والفصول والأزمان والآماد.‏

كما تعامل على الجندي مع بنية القصيدة الجديدة ودلالاتها الإيقاعيَّة والشعريَّة والمضمونيّة, إذْ استطاع أن يخلق من هذه البنية أدوات وتشكيلات ومزايا فنيّة وجماليَّة تضفي على تجربته الشعريَّة قوَّة تعبيريَّة وأدائيَّة مغايرة لما هو سائد معروف, فأصبح النّص لديه قيثارة نفسية يبعثر عليه آلامه وأحلامه, أفراحه وأحزانه, كما في قوله:‏

أصرخُ‏

صَوْتِي يلعلع في الخَوْفِ‏

يصبح عشرين صَوْتاً وألفَ صدى!‏

و... يسود السكونُ,‏

لماذا انطفت أعْيُنَكُمْ يا أَحِبَّة قَلْبي؟!‏

.........‏

وكانت تنيرُ طَرِيْقي قليلاً‏

ولكَّنها لم تَعُد تَتَبدَّى‏

غَدَوتَ وَحيْدَاً وحيداً‏

أصرخُ, أَصرخُ, أزْعَقُ في ألمٍ,‏

تمزَّق صَوْتِي‏

تبعثرَ مليونَ صوت‏

و "رجعَ صدى!"(9).‏

فالقصيدة تنبئ عن حُزْنِ الشاعر ووحشته المؤلمة, يجمع فيها أشتاته الممزَّقة, يصرخ, يتبعثر صوته إلى صدى ليس له من مجيب لا صديق ولا حبيب, وهو بذلك يلتقي مع الشاعر الغنائيّ الرومانسيّ "شيلي" في مقولته: "إنّي مَسْكُونٌ بالشهوة إلى تغيير العالم", ولكن التغيير الذي يؤمن به الجنديّ ويقدِّمه لنا في ديوانه هذا هو تغيير ينطلق من الحقائق الموضوعيَّة لا الأوهام الذاتيَّة مثل "شيلي" وهذه الحقائق تتحوَّل في شعره إلى أَحلام قَابلة للتُّحقق والتجسد, فتغدو كلمته فِعْلاً شعريّاً من شدّة وقعها وخصب تربتها وصفاء ينابيعها, وهكذا سعى علي الجنديْ إلى الاهتمام بتنويع أنماط الدلالات والإيحاءات الشعريَّة والبُنَى التعبيريَّة في تجربته من أجل نشر شفراتها على امتداد القصيدة التي تعبِّر عن جوانب فكريَّة وانفعاليّة يتحقَّق فيها الاقتراب من القيم الأُسلوبية الحديثة التي تَتمْظَهر داخل التراكيب اللفظّية وانزياحاتها التي تحملها داخل بنية النصوص لديه, ليزيل بها رتابة القصيدة وينفض عنها نمطيتها, ذلك أنَّ "الموضوع الرئيسي للشاعريّة ـ كما يقول رومان جاكوبسون ـ هو تمايز الفن اللّغويّ واختلافه عن غيره من الفنون الأخرى, وعمّا سواه من السلوك القولي, ولا تقف عند ما هو حاضر وظاهر في هذا البناء في النصّ الأدبي, إنَّما تتجاوزه إلى ما هو خفيّ وضمني"(10).‏

وهكذا بلغت قصيدة الجندي في هذا الديوان قمّة أدائها التعبيريّ والتشكيلي واللّغوي والصوريّ على المستويات كافَّة بما تكتنزه من خصائص فنّيّة وأساليب شعرَّية تتساوق مع المضمون الرؤيوي لفضاءات قصائده الشعريَّة, ودلالاتها في كل السياقات التي ترد فيها, وهذا إن دل على شيء فإنما يدلّ على شعريّة متمرِّدة تؤكد حداثتها كلّ حين.‏

الحواشي:‏

(1) تامر, فاضل 1992 ـ الصوت الآخر, الجوهر الحواري للخطاب الأدبيّ, دار الشؤون الثقافية العامة, بغداد, ط1, ص206.‏

(2) ريتشاردز, 1963 ـ مبادئ النقد الأدبيّ, تر: لويس عوض, المؤسسة المصريَّة العامَّة للتأليف والترجمة, ص 203.‏

(3) الجندي, علي, 1978 ـ ديوان "النزف تحت الجلد", اتحاد الكتّاب العرب, دمشق, ص86.‏

(4) دولوز, جيل, 1997 ـ الصورة الحركة أو فلسفة الصورة, تر: حسن عودة, منشورات وزارة الثقافة, دمشق ص 7.‏

(5) المرجع نفسه, ص25.‏

(6) الجندي, علي ـ النزف تحت الجلد, ص(102 ـ 106).‏

(7) مشوح, وليد, 1999 ـ الموت في الشعر العربي السوري المعاصر, اتحاد الكتَّاب العرب, دمشق, ط1, ص353.‏

(8) النزف تحتد الجلد, (ص96 ـ 97).‏

(9) المصدر نفسه, ص(76 ـ 77).‏

(10) جاكوبسون, رومان, قضايا الشعرية, ص19.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244