جريدة الاسبوع الادبي العدد 1011 تاريخ 17/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

المدافن والمعابد في بلاد الرافدين ـــ سلام مراد

اتخذت المدافن والمعابد أشكالاً متنوعة ومتعددة عبر التاريخ الإنساني؛ وذلك بسبب تنوع الاعتقادات الدينية عند الشعوب.‏

في الهند يقوم الهندوس بحرق الجثة بدل دفنها في التراب, وفي بلاد الرافدين يقومون بدفن الجثة في التراب, كما أن هناك أشكالاً أخرى لدفن الموتى كالتحنيط مثلاً.‏

لكن تبقى عادة الدفن في التراب بأشكاله وطرقه المختلفة أكثر شيوعاً بين البشر؛ وهي الطريقة الأكثر اتباعاً في بلاد الرافدين؛ وذلك من خلال التنقيبات الأثرية التي جرت في مواقع القبور في بلاد الرافدين.‏

لكل ما ذكر أصبحت هناك أهمية عالية للقبور في بلاد الرافدين, وذلك من خلال الأبعاد التي تأخذها عملية الدفن وطريقة الدفن, فمن خلال القبور يمكن التوصل لاستنتاجات معينة عن عادات وتقاليد الشعوب.‏

لقد دفن الأموات في بلاد الرافدين القديمة في أربعة مواضع, أي أربع طرق بحسب ما ذكر الدكتور نائل حنون في كتابه المدافن والمعابد في حضارة بلاد الرافدين القديمة:‏

1 ـ تحت أرضيات المساكن.‏

إن الدفن تحت أرضيات المساكن هو من أقدم الطرق في بلاد الرافدين؛ فقد كشفت التنقيبات الأثرية في كهف شانيدار في شمالي العراق عن تسعة هياكل عظمية لسبعة من البالغين وطفلين من نوع إنسان الياندرتال, وذلك في الطبقة (د) من الكهف التي تعود إلى العصر الحجري القديم الأوسط, قبل حوالي ستين ألف سنة, اعتقد المنقب الذي اكتشفها وهو رالف سولكي, في بادئ الأمر أن أولئك النياندر تال ماتوا نتيجة لانهيار الصخور من سقف الكهف.‏

ولكن سولكي وجد نفسه لاحقاً أمام اكتشاف آخر مهم لأكداس من الحجارة مرتبة فوق بعض الهياكل التي عثر بقربها على بعض الأدوات والعظام الحيوانية, وكذلك بعض الفحم الحاصل من حرق الخشب, وكان أحد الهياكل (الرقم 4) بوضعية التكوير داخل دائرة من الأحجار, وكان من المدهش اكتشاف أن صاحب هذا الهيكل قد دُفنت معه الورود, وهو ما أُثبت بتحليل العينات المأخوذة من تراب القبر.‏

2 ـ الدفن في القصور الملكية:‏

كان الدفن في القصور الملكية امتيازاً خاصاً بالموتى من الملوك أو أعضاء الأسر المالكة, أو الأتباع المقربين الذين يُتقرر لهم, بعد موتهم الدفن في القصور الملكية تكريماً لهم وتثميناً لجهودهم في خدمة الملوك, ولأن الدفن في القصور الملكية كان امتيازاً خاصاً بالملوك فإن الحكام الذين كانوا قد استولوا على العرش عن طريق الاغتصاب بالقوة ولم يُعترف بشرعية ملوكيتهم يحرمون من هذا الامتياز الخاص بالملوك الشرعيين فقط, وقد ورد الدليل على ذلك في نصوص الوقائع البابلية.‏

3 ـ الدفن في أضرحة مستقلة:‏

كشفت التنقيبات الأثرية في موقع مدينة أور القديمة (تلول المقبر حالياً في جنوب العراق) عن أضرحة مستقلة كانت قد شيدت لدفن ملوك سلالة أور الثالثة (2112 ـ 2004ق.م).‏

بلغ عدد الأضرحة المكتشفة ثلاثة, ولكنها وجدت فارغة بسبب تعرضها للنهب في العصور القديمة.‏

شيدت هذه الأضرحة متلاصقة البنيان تحت الأرض في الجهة الجنوبية ـ الشرقية من منطقة المعابد والزقورة, وسقفت بعقود مثلثة المقطع من الآجر, وبنيت فوق الأضرحة ثلاثة مزارات يتألف كل منها من عدد من الغرف المرتبة بمخطط أقرب إلى مخطط البيت منه إلى مخطط المعبد.‏

4 ـ الدفن في المقابر:‏

مارس سكان بلاد الرافدين القدماء الدفن في مقابر مخصصة لهذا الغرض, وكانت هذه المقابر إما في مساحات محددة في داخل المدن, أو في خارجها, ولعل أقدم استعمال للمقابر في خارج مناطق السكن في بلاد الرافدين يعود تاريخه إلى ما قبل العصر الحجري الحديث حيث كان سكان قرية زاوي جمي, على الزاب الأعلى في شمال العراق, يدفنون موتاهم في كهف شانيدار القريب منهم في الطبقة (ب1), وفي عصر حلف (الألف الخامس قبل الميلاد), مورست عملية دفن الأموات في بعض المساحات الموجودة بين البيوت.‏

أسماء المعابد في بلاد الرافدين:‏

بيّن الدكتور نائل حنون في الجزء الثاني من كتابه المدافن والمعابد في بلاد الرافدين, أن سكان بلاد الرافدين عبر العصور المختلفة أطلقوا الأسماء على المنشآت والأبنية الدينية بجميع أنواعها.‏

ولهذه الأسماء معان قد لا تتضمن بالضرورة دلالة على استعمال تلك المنشأة أو البناية, لكن لها معانٍ ذات مغزى تعبدي ـ عقائدي بأبعاد كونية, ولعل الفكرة وراء تقنين تلك الأسماء وصياغتها تكمن في الاعتقاد أن الأبنية الدينية, مهما كانت وظيفتها وطبيعة تركيبها, تمثل جزءاً من الكون متصل بالأجزاء الكبرى وبالقوى الإلهية المجسدة لها.‏

ويتساءل د. حنون لماذا أطلقت أسماء سومرية على المعابد من الألف الثالث وحتى الألف الأول قبل الميلاد, باستثناء بضع حالات أطلقت فيها أسماء أكدية على بعض المعابد أو الأبنية الدينية, لماذا لم تستعمل اللغة الأكادية لهذا الغرض على الرغم من أنها كانت اللغة السائدة في البلاد تكلماً وكتابة؟!.‏

يفسر د. حنون هذه الظاهرة الغريبة, بأنه لم يكن هناك قوم باسم السومريين, إنما ابتكرت السومرية لتكون لغة تدوين, وليس لغة تخاطب, وذلك في المرحلة الأولى من اختراع الكتابة, ويصل المؤلف إلى نتيجة أن السبب وراء ابتكار لغة خاصة بالكتابة الأولى يكمن في صعوبة تدوين اللغة التي كانت سائدة آنذاك, وهي الآكادية على الأرجح.‏

إن هذا الاستنتاج العلمي مهم جداً ويبقى السؤال مطروحاً ومثاراً للبحث والدراسة, إلى أن يتم تثبيته أو نفيه وذلك عبر الدراسات والتنقيبات الآثارية في بلاد الرافدين؛ ويبقى هذا الاستنتاج مثيراً للاهتمام والإعجاب؛ ويفتح أفقاً واسعة للبحث والدراسات والتنقيب عن الآثار القديمة في بلاد الرافدين.‏

الكتاب: المدافن والمعابد ـ في حضارة بلاد الرافدين‏

الكاتب: د. نائل حنون.‏

الناشر: دار الخريف ـ دمشق 2006م.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244