جريدة الاسبوع الادبي العدد 1011 تاريخ 17/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ولع غربي ـــ وجدان يوسف أبو محمود

ـ لم يخطر لي أني قد ألتقيها مجدداً حين أنهت مكالمتها صحوت من المفاجأة, وبتأنٍ حاولت أن أعي ما سمعت. ستزورني, ستعجل إنجاز أعمالها في العاصمة, ثم تأتيني.‏

يبدو أن بلدي العزيز استقدمها خبيرةً أجنبية, واكتفى من خبرتها بأنها الأجنبية... وتّرتني, وأثارت أخبارها شجوني. كنت تعلمت وكلارا معاً, إذ أوفدت إلى بلادها لأدرس علم الآثار, وهناك تآلفنا تآلف النقيضين, وشكلنا صداقةً أردناها حميمة.‏

رجعت وكلي حماسة, والرغبة منَّي جامحةٌ للعمل, إكراماً لتعبي, ولأبوين أباحا لي دم القلب. انتظرت و... فقد قيل لي: "لا تقلقي... الوظيفة المحترمة ستأتي".‏

أنا لم أقلق, ولم أفتح فمي بحرف, لا بل سمعت الكلام وانتظرت, طويلاً ظللت أنتظر.‏

عندما تيقظّت لغيرتي برّدتها, فكففت عن التفكير, وتركت متسعاً في قلبي ليشبَّ الحنين فيه.‏

أخذ استيائي ينوس, وسرعان ما اعترتني لهفة الصديق للصديق, إذن الغرب سيكون قريباً في ديارنا!... هيأت نفسي لاستقبالها, ونويت أن أريها ما لا يقدر الكلام على نقله. الكلُّ في البيت اشتعلوا, جمّلوه فصار وصاروا بأبهى حالاتهم, فقد ودُّوا تبييض وجهي أمام الغريبة القادمة.‏

إن أنسى فلا أنسى صحبتنا, وليس لمنصبها الذي أجج سخطي على الحظ أن ينسينها.‏

على الرغم من كل شيء سعدت, فرحت فعلاً بقدومها, فقد جاء بوقت أنا أحوج ما أكون فيه لجديد, لطارئ يهزُّ رتابة أيامٍ معبّأة بالتفاهات. كنت مشتاقةً لمناقشةِ الحضارة مع آخر... مع مختلف, النقاش الذي يسبي الوقت, ويرفع الضغط, يفعل فعلته فينا ويغور, تاركاً الألسن تتّقد ثانيةً بالودّ, كنت أثق بأن النقاش إن كان مع مختلف صديق فهو أهم من الحضارة كلها.‏

ـ كلارا بارعة في المباغتة, لم تحدّد توقيت مجيئها, وإنما حلّت علينا كالقضاء, لنراها فجأةً أمامنا. عانقتها, عيناها الزرقاوان ما زالتا تذكران بمكر البشر, شمسنا فقط أسبغت على جلدها شيئاً من الاحمرار.‏

لم أبحث في كيفية وصولها إلينا بمفردها, ولا عاتبتها لأنها لم تبلغني, ربما... لأننا لا نملك ثمن السّجاد الأحمر وأطواق الياسمين, تفلسفت بالإنكليزية أمامها, خاصةً وأن الإفراط في الترحيب يظهر المحبة, حينما ردت عليَّ بعربيةٍ فصحى أذهلتني, وبتعبير أدق أخرستني, كانت إجادتها للغّة فظيعة لدرجة أنها لو استخدمت كلمة (مقلحم) لما فاجأتني.‏

التفت للطابور الواقف خلفي, إذ لحق الجميع بي رغبةً في استقبالها, ما إن بدأت أعرّفها بهم حتى حملني الاعتزاز عالياً, وكأنَّ الهيليوم ملأني فطيّرني..‏

أمٌّ عسلٌ مصفّى, غطاء الرأس الأبيض ينسدل نحو أسفل الظهر, يخفي بلطفٍ شجر الهمِّ المجذِّر فيها. وأبٌ كوفيةٌ وعقال, ليس أكثر من كادح لكنه من نمطٍّ مدّرع.‏

أما الأخوة فمختبئون خلف بعضهم, يتقاذفهم الخجل حيناً, والفضول أحياناً. لم تزد على حرارة تقديمي لهم بأكثر من هزّةِ رأس. هزّتها على الرغم من نعومتها أهانتهم, فتدخلت سريعاً ومددت يدي مشيرةً للباب: "تفضلي".‏

جلسنا حتى بخرت إنهاكها, وتحدثنا حتى الثمالة, ثم تركناهم يعدّون وليمةً وتسلّلنا لنتجول. مذ بدأنا المشي وأنا أشاغلها, كأنما لم أرد لها إطالة التحديق, وكأنني أشتت تركيزها... ربما خشيت أن تحسَّ بقريتي ضيقةً عليها بقدر ما أحسست بلادها فضفاضةً علي. فلا غابةٌ عندنا ولا شلال ولا عمرانٌ يفتك بالبصر حتى الفراشات لدينا تنتقل من صخرةٍ لأخرى لترشف إن تمكنت دفئاً.‏

لم تعر كلامي اهتماماً, وإنما حفّزت حواسها كيلا تفوت مشهداً. تجاهلها لي أراحني, شعرت أنها قد تفهمنا, فترى كما نرى السحاب يسير على قدمين, وتسمع كما نسمع زقزقةَ السماء. مظهرها الأجنبي استنهض النخوة, فما من أحدٍ شاهدنا إلا وأمطرنا تحياتٍ وترحيب, والـ "يا هلا" التي رفرفت حولنا رفعت رأسي, وأظهرتهم جميعاً أصحاب بيت, يتفرّجون, يتقصّون بالخفاء عمّن تكون, ثم لا يعرفون بعد ذلك إلا أن يبتسموا, وليس لبسمةٍ أن تشبه أخرى, فلكل عندنا طزاجتها.‏

صَعُبَ عليَّ أن أمرّر إحساسي في رأسها, وآلة التصوير في يدها تفاقمت شراهتها, كيف أقول لها طباع الناس جمالٌ لا يصوّر! كيف أفهمها أن العاطفة هي الإدهاش, وأن إشراقنا فينا أكثر مما هو في حجارةٍ رصفناها!.‏

كنا وصلنا ساحة القرية, المكان الذي أحب, والذي تمنيت لو يسقيها من حياتنا ومنا.‏

همست: "صوّري الآن يا كلارا... هذا المزار لنا, في الصورة لن تظهر حجارة "المقام" وإنما سترين رجلاً صالحاً. صوّري شجرة الزيتون أمامه... لا عمر لها, لا زيتون فيها, يكفيها أننا فيها, عندما تموت سنبري ساقها, ونغطّه بالحبر, فنحن قومٌ نحبّذ أن نكبّر أقلامنا". قلت ما قلت بضراوة وسكّت, قدّرت أنها لن تفهمه, لأنه الهذيان عينه, لكني مع هذا انتشيت, فقد شفيت غلّي وعرفتها بنا... حتى ولو بكلام حمقى. ظنّت أنني أداعبها فحدقت بي منتظرةً الترجمة, قبل أن أستدير وأقول لها: هذي الكنيسة لنا "قرع جرسها" غمرني بالرهبة... ولو الصوّت يصوّر لقلت لها صوّري.‏

قرأت في سريرتها تساؤلاً, أردته أن يخرج, اعتقدت أنها قد تستفسر عن المكان أو حتى عن الكلام الذي لم تفهم, فحضرّت كالأدلاّء السياحيين إجابة رقيقة.وإذ بها تفزعني, احمّر وجهي, وأشعرني سؤالها الفظُّ بالضحالة "أما من خيمة في الجوار؟". افتعلت بسمةٌ, ولم أجب, فكلما حاولت رأب الصدع في مسالك الإحساس بيني وبينها كلما شعرت باللاجدوى.‏

أنهينا جولتنا وعدنا, كانت رائحة الطعام قد شقّت إلينا طريقها, وقبل أن ندخل.. رفعت آلتها, وابتعدت عني, لم أكن أعتقد أنّ ذوقها رفيعٌ لذاك الحد, وللأمانة فإنني حافظت على هدوئي لتكون صورةً دقيقة وأنيقة, سبحان الله كيف أثارها, صحيح أنه مدلّل لكنه لا يزيد عن غيره من الحمير إلا بطوقٍ من خرزٍ أزرق, بعدما أنهت تصوير حمار الجيران أطلقت عبارات الدهشة, واقتربت, بصراحة توقعتها أعجبت بدجاجاتنا, لكنها خيّبتني حين سألت " ما هذا؟".‏

لقد لفتها "الجرن" صخرةٌ صغيرة محفورة. مملوءٌ بماءٍ ليشرب الدجاج, ومحاط بنتوءاتٍ تبدو لناظرها نقوشاً, شرعت تتحسسه بأناملها, وتتغزل ما استطاعت بجماله, حين عبّرت عن رغبتها في اقتنائه أغاظتني, خاصةً وأنَّ الجوع منعني من تقبّل المزاح, فمياهه آسنة, والدجاجات لولا اضطرارهن يأنفن الشرب منه.‏

كلارا أصرّت... كررّت طلبها ثانيةً. لا أعرف لم راودني أن في مطلبها تهكماً, فقلت مختتمةً حديثنا الهزلي: (كبّري عقلك... أنتِ كبيرة القدر, دفعتها بعد ذلك دفعاً للدخول, فقد خشيت عليها أن تعجب بشيءٍ عجيبٍ آخر).‏

ـ نهارٌ طويلٌ مضى بتبادل الأخبار, قصّت عليَّ جديدها, وأمدتني برصيدها من النجاحات الباهرة, حينما طالبتني بجديدي لم أجد نفسي إلا وقد تناولت من مكتبتي المخطوط.‏

كان مشروع كتابٍ, عملتُ على إتمامه في السنوات الماضية, قلّبت أوراقه بين يديها,ثم أسلمت لي سمعها. شرحت لها كيف تبنيت بثَّ فكرة فيه, والفكرة تقول إنه من الجميل البحث عن أثر الحضارة في الإنسان المنجز, وذلك قبل البحث عنه في الحجر المنجزَ. ولأن رأيها كان يعنيني أطلنا السهر, وظللنا نتحدث حتى أطبق النعاس أجفاننا....‏

ـ حين استيقظت ولم أجدها, خلت أن صبحنا أغراها فخرجت, ولكن كل ما كان متعلقاً بها قد اختفى معها. قلقت, وإذ بي حين نهضت أدرك الأمر, صديقتي (المخلصة) فرت, لا أدري مم, غادرت بعد أن خلّفت ورقةً كتبت فيها:‏

"آسفة لأني أخذته, لكني مولعة بأشياء أنتم لا تقدرونها". سرى بدمي غضبٌ هائل... لم أقدر على الحراك, لقد تملكتني فكرة أنها هربت بالمخطوط.‏

المخطوط الذي أكل مني زمناً, هي لم تبدِ اهتماماً فيه, أفيكون ذلك تمثيلاً بتمثيل!‏

استرجعت الأحداث, علني أصل لسببٍ يبرّر لها فعلتها, حاولت أن أستوعب لكني لم أنجح في الغفران لها تلك الأوراق ذاكرتي وأفكاري, ومهما كانت مهمة أتكون أهم مني... أنا التي أخرجتها للنور!. دقائقٌ مرت وأنا مكاني, كل انفعالاتي كانت معطلة.. مقلتاي شدتا بإسار إلى شرودي الطويل. لا أذكر كيف سحبت قدميَّ نحو المكتبة. قررت أخيراً التيقّن من ظنوني...مشيت وأنا أريد ولا أريد؛ إلى أن حصل واختلطت عليَّ الأمور. خيط جديد اشتبك بإحساسي فولَّد على شفتيَّ السعادة, لا أدري أيِّ كوكبٍ هبطتْ علي لوهةٍ نظرت إلى ما حصل بالمقلوب, تماماً كما لو أنني أقف على رأسي, شعرت وقتئذٍ أنه يفترض بين الفرح, فكلارا باختفائها المفاجئ تعلن حلَّ الرابط بيننا, وحينما يبيع صديقٌ صديقه على الثمن أن يكون غالياً, هذا يعني أن ما كتبته كان ثميناً, حسبي أنها رفعت قيمته.‏

كتابٌ كذاك أؤلف غيره, لكن هذا البرهان القوي على قيمة ما فعلت لن يعوض.‏

ارتحت, وببرودٍ شديد مددت يدي إلى الرّف.. لمست شيئاً, دهشت, أخرجته, أمعنت فيه النظر.. إنه المخطوط.‏

قبل أن أغوص في دوامةٍ جديدة، دخلت والدتي تسأل "أين هي؟". أجبتها بتردد:‏

"يبدو أنها رحلت", وكأن ما قلته كان "نكتة تاريخية"... ضحكت, وأوشكت من فرط الضحك أن تختنق, ما إن تمالكت نفسها حتى أردفت: "لو علمت أنها تريده... لما منعته عنها" سارعت بالسؤال "ما هو!". علّقت مسمعي بنطقها, انتظرت بصبرٍ أن تخبرني بالكلمة السحرية, ذلك الشيء الأثمن مني, والذي بدّلتني ضيفتي به, لم تعبأ أمي بترقّبي, راحت تعقِّب بهدوء على الموضوع: "مسكينةٌ كيف حملته, إنه ثقيلٌ للغاية". كررت سؤالي ثانيةً, وبتلهّفٍ أكبر... قالت "الجرن" وتوقفت عن الضحك.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244