|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
أمنيات مغضوب عليها ـــ عبد الحسيب زيني الغربان كانت تحوم فوق سماء المدينة العجوز بينما هو قابع في غرفته الصغيرة التي لم تعد تحتمل أمنياته التي تتكاثر كالطحالب وتزداد في كل ليلة تمرداً وتكبر, لقد خرجت من تحت أوراقه خلسة, وأخذت تمد أذرعها الأخطبوطية ضاربة بعنف ونزق كل شيء حوله, حتى أن الصدوع أخذت تخط طرقها الملتوية على الحيطان. "آه, غرفتي مهددة بالانهيار, عندها سأنام في الشارع ولكن على أيِّ جدار سأعلق وجعي, ثم أين أضع ساعة المنبه التي توقظني كل صباح معلنة أن ليس لدي ما أفعله سوى العودة إلى النوم". الحسرة والندم يجثمان كثدي بقرة سمينة فوق صدره العاري وبات يلتهم بشبق رضيع حليباً أسود برائحة التشرد والموت. "أعترف أني أسأت تربية أمنياتي فقد كانت صغيرة بحجم رسالة كنت أنتظرها بتوق من فتاة ما, يافعة نضرة ذات عينين واسعتين وشعر ليلي ينسدل بحرية على مشارف كتفيها وبحجم منزل صغير له شرفة تطل على المدى أرى من خلالها وجه الله". لكن الذي حدث أن أمنياته تلك قد تمردت وانسلّت من بين أصابعه ناضجةً لا تحترم وجوده. "أمنياتي الملعونة أضحتْ أكبر مني, تبا لي فلتنهدم الغرفة فوق رأسي ورأس الذين خلّفوني". لحظات عصيبة وهو مدفون في غرفته التابوت يحاور نفسه عبثاً, إلى أن تحول هذيانه صراخاً وطفق يلطم وجهه الشاحب بعنف حتى تمرغت أوراقه بالحبر والدماء, بينما التصدعات تزداد عمقاً وشراسة على الجدران. والغربان باتت أقرب إلى غرفته من سماء المدينة العجوز. كان تماماً كالنائحة إياها, التي كلما دبّ الموت في بيت أسرته المنقرضة تأتي لتهز أركانه نواحاً وعويلاً يخترق قلبه حزناً قبيحاً. عند مغيب الشمس تبدأ لحظة تأنيب الذات, لكن تلك الليلة, اللحظة أشد شراسة وقسوة. "أمنياتي حمقاء, سخيفة, فظة, لا معنى لها, وغير ديمقراطية, كما أنها دنيئة وشرهة, تأكل بنهم وحش جائع, من بقايا لحمي المتكئ على عظمي الهش, ولا تشبع".. ثم بدأ يتساءل ذات الأسئلة: "وأنا أيضاً أحمق وسخيف, ولا معنى لي, ورغم أني لست وحشاً وديمقراطياً من الدرجة الأولى, فما معنى أن أتمنى امتلاك سيارة حمراء فارهة تكون بمثابة هدية متواضعة من أبٍ لي, ورث عن جدٍ لي مزارع عنب وموز وعبيد؟! أقودها وبجانبي فتاة لا تعرف الشقاء ترمقني بإعجاب بينما تلاحقني أعين كلاب الأرصفة حسداً وغيرة!!!. وما معنى امتلاكي رصيداً فلكياً من الذهب يتضاعف وهو نائم في بنوك روما؟ وما معنى سكناي منزلاً مرصعاً بالحفلات ودعوات "البيزنس, والحلمات"؟! حوله سياج يلف حديقة خضراء يقيم فيها قط أعجمي له اسم وجنسية وجواز سفرّ!! وكلب متخم يأكل اللحمة كل يوم ويمتهن النباح في وجه الغرباء, مثلي أنا...؟ وما معنى أن يكون لي مقعد في مجلس الشعب له منبر يسمعني عبره الملايين من التماثيل وأنصاف البشر؟!! انتفض فجأة واتخذ قراراه الحاسم: "قفي عندك أيتها الأمنيات الشماء, فأنا خطك الأحمر.." كان جسده يرتعش برداً, فتقوقع على ذاته, وانزوى تحت غطاء سريره المشبع من لطخات مريرة من سائله, كان يود أن يخرج ليرى السماء, لكنه تذكر أمه منذ عشرين سنة عندما سألها طفلاً: ـ أين الله يا أمي؟ ـ إنه في السماء يا ولدي. ـ هل يرانا؟ ـ طبعاً يا حبيبي. ـ وهل يرانا ونحن جالسون في بيوتنا, وفوقنا سقف الغرفة؟ ـ إن الله يرانا ويسمعنا ويشعر بنا أينما كنّا, حتى لو رفعنا الدعاء إليه ونحن في السرير. عندها سارع إلى الدعاء مصارعاً اصطكاك أسنانه من البرد: "يا رب... أدعوك للمرة الأولى في حياتي وبقلب محروق, لم أعد أريد شيئاً من هذه المدينة سوى رغيف خبز ساخن كوجه أمي, وفرصة عمل تمنح منبه ساعتي قيمة ومبرراً لوجودها, وجزءاً من جسد أنثى لحمها طري ودافئ كي أفترش عليه جبيني المتعب كلما ضاجعني الوجع". في صبيحة ذاك اليوم كانت الشمس أكثر إشراقاً وكانت الغربان قد غادرت المدينة العجوز, والتصدعات على جدران غرفته قد زالت إلى غير رجعة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |