|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ما تبقّى لي من كافكا ـــ نبيل سليمان كانت رواية (أمريكا) أول ما قرأت لكافكا, في بداية مقامي في حلب مطلع عام 1972. كانت الرواية بترجمة الدسوقي فهمي, وقد اقتنيتها من مكتبة متواضعة يمكن لك أن تعثر فيها على ما فاتك من سلسلة روايات الهلال. وكانت الرواية قد صدرت في هذه السلسلة قبل سنتين, وقد دفعني إعجابي بالرواية إلى أن أحدث عنها الكاتب المرحوم جورج سالم, فإذا به يغرقني بحديث كافكا كلما التقينا, ولأمد طويل. لا أظن أن لكافكا تأثيراً جوهرياً في كاتب عربي مثل تأثيره في جورج سالم, حتى بتنا نتهامس كلما صادفناه أو ذكرناه: جاء كافكا راح كافكا, قال كافكا كتب كافكا.. كما يتهامس منذ سنين رهط من أصدقاء حسن صقر في اللاذقية ـ وأنا بينهم ـ بمثل تلك العبارات. فتأثير كافكا في كتابة حسن صقر باد أيضاً, لكن الأمر مع جورج سالم يختلف, حتى بالمقارنة مع الريادة الكافكاوية ليوسف الشاروني الذي قرأت له متأخراً قصة (دفاع منتصف الليل), فلم أنس من بعد وسواس بطله ـ غير المسمّى ـ بالملاحقة والاغتسال. كما لن أنسى أبطال قصص جورج سالم الذين يتسمّون بحرف بدلاً من اسم, تيمناً بكافكا, وكما سيفعل آخرون في تقفٍّ سطحي, ليس له حَصْرُ أو عطب أو عصابية أو هروبية أو وسوسة أغلب أبطال قصص جورج سالم. ما دمت في هذا الصدد, فلابد من التنويه برواية (زهور كافكا) لنيروز مالك ـ الحلبي أيضاً ـ والتي يبدو بطلها مسكوناً بكافكا في علاقته بأبيه بخاصة, وفي علاقاته بمن حوله في حلب أو باريس بعامة. بل إن نيروز مالك يمضي في روايته أبعد, سواء باستحضار كافكا نفسه إلى عالم الرواية أم بالتناص مع نصوص حرفية لمبدع المسخ. بالنسبة لي, أعدت الشتاء الماضي قراءة رواية (أمريكا) في سياق إعدادي لرواية أكتبها. كان دافعي هو أن أتقرى كيف يكتب الكاتب عن بلد لم يعرفه. وأثناء القراءة بات لي أكثر من دافع, كأن أتقرى سحر البساطة التي كُتبت بها (أمريكا). وكأن أجد جواباً على السؤال عن قراءة رواية لم ينجزها صاحبها, سواء أترك فصلاً ناقصاً, أم ترك فصولاً بلا عنوانات أو بلا ترتيب.. بالأحرى: ما الذي يمكن للقراءة أن تفعله إزاء ذلك؟ وإذا كان كافكا قد مات قبل أن يكمل فصل (مسرح أو كلاهوما) مثلاً في رواية (أمريكا), فماذا لو أن الكاتب قد لعب مثل هذه اللعبة عامداً؟ وقد استطرد بي السؤال إلى ما يتبدى في بعض الرواية العربية من محاولة الإجابة, ومنها رواية (الأشجار الصغيرة) لمحمد كامل الخطيب. في سبعينيات القرن الماضي قرأت لكافكا أيضاً (القضية) بترجمة مصطفى ماهر, كما قرأت بعض القصص المبكرة لمبدع المحاكمة ـ أذكر منها قصة (العابرون) ـ وبعض القصص التالية التي أذكر منها بخاصة (في مستعمرة العقوبات). ومما كنت أعرف عن كافكا, شغلتني حيناً وصيته بإعدام كتبه, وشكوك النقاد في طبعات كتبه بعد وفاته, وماكس برود, والتطويب اليهودي لكافكا, ولغط القومجيين العرب بذلك. لكن ما شغلني أكثر فيما بعد هو علاقة كافكا بأبويه وبفيليتسه باور وبصديقتها جريته بلوخ: أن يعشق رجل مثل كافكا امرأة ويخطبها مرتين ولا يتزوجان, ثم يميل عنها إلى صديقتها, ومن بعد, ميله إلى مطلقة (ميلينا يزينسكا) والسل الذي حال بينهما كما سيحول بينه وبين دوراً ديامنت: أن تتعلق دورا برجل مسلول حتى يقضي! وإزاء ذلك كله, وكما سأقرأ متأخراً في يوميات كافكا, علاقته بمن عرف من العاهرات. من رسائل كافكا إلى فيليتسه باور, وإلى يومياته, سيشغلني السؤال طويلاً عن علاقته بالمرأة وعن نساء روايته: لازالت في الذاكرة من (القضية) شخصية جروباخ وشخصية مونتاج, ومن (أمريكا) لازالت كلارا وجريتا.. وأعترف الآن أنني نسيت كل ذلك, نسيت كافكا نفسه على الرغم من الصخب الذي أخذ يتعالى حول حداثته في سياق صخب حداثتنا الورائية. وربما طال النسيان أو قصر حتى أخذ يتوالى في الرواية العربية تشغيل ما دعوته باستراتيجية اللاتعيين, من (متاهات الأعراب في ناطحات السراب) لمؤنس الرزاز إلى (العصفورية) لغازي القصيبي إلى (آخر الرعية) لأبو بكر العيادي إلى.. مرة في الزمان ومرة في المكان ومراراً في الزمان والمكان: أين هي إذن استراتيجية اللاتعيين في ذلك الكابوس الروائي كما وصف مصطفى ماهر رواية (القضية)؟ بل أين هو هذا الكابوس في رواية علي عبد الله سعيد (اختبار الحواس) التي فازت بجائزة مجلة الناقد المحتجبة عام 1990, وفي رواية (دياز يبام) للعُماني حسين العبري؟ على أن كل ذلك يبقى هيناً إزاء رواية صنع الله إبراهيم (اللجنة): أليست المحكمة عينها والقضاة والمحققون والتحقيق والمتهم عينه, وقد جرت (تبيئتهم) جميعاً؟ وإذا كان يحق لصنع الله إبراهيم أو سواه أن (يبيّئ) كافكا فهل يحق للنقاد أن يهللوا لهذا الصنيع كأنه بدعة صاحبه؟ لأول مرة أجرؤ على أن أجهر بهذه الهواجس. ولأول مرة أجرؤ على أن أجهر بأن أثر كافكا فيّ كان ـ ولمرة واحدة عساها لا تتثنّى ـ أثراً نفسياً, بينما لم يكن له أثر البتة فيما كتبت, والله أعلم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |