جريدة الاسبوع الادبي العدد 1011 تاريخ 17/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أدب الأطفال ووسائطه الثقافية ـــ د.عبد الله أبو هيف

صدرت مجموعة أبحاث عربية عن أدب الطفل العربي ووسائطه الثقافية ضمن مجلة "الكاتب العربي" (2005) بمشاركة عدد من الأدباء والباحثين, وأناقش في هذه المقالة واقع أدب الطفل العربي وآفاقه المستقبلية.‏

كان بحث عبد التواب يوسف (مصر) وعنوانه "ماذا؟ ولماذا وكيف نكتب للأطفال؟" بمثابة إطار شامل لأسئلة الندوة, إذ وجد أن الورقة الموجهة إلى الباحثين تفيد الجهل بواقع الطفل العربي, وذكر بعض تفصيلات ذلك بالقول:‏

1 ـ نحن نجهل الواقع المحسوس والمتحرك والمتشابك.‏

2 ـ نحن نجهل تفاصيل واقع تعليمه وتربيته وصحته وتنشئته وتنميته.‏

3 ـ نحن نجهل طبيعة المؤثرات التضامنية والاجتماعية والسياسية والدينية التي تفعل فعلها في تشكيل شخصيته تفكيراً وسلوكاً.‏

4 ـ نحن نجهل حقيقة الأرض التي يقف عليها.‏

5 ـ نحن نجهل معرفة شمولية بنسيج حياته.‏

6ـ نحن نجهل المشكل الحضاري الذي يعانيه الطفل العربي.‏

7 ـ نحن نجهل واقع مفردات الطفل العربي.‏

ورأى عبد التواب يوسف في ذلك تحريضاً على الإبداع لدى أدباء الأطفال, على الرغم من أن أدب الأطفال لا يحتاج إلى الدفاع عنه, وأعاد آراءه حول حرية الإبداع الذي يجاوز تأطير الأبحاث والدراسات وتقيدها بالاعتبارات التربوية والتعليمية إلى وجوب تصحيح مثل هذه النظرات, فمن الواضح أن هناك خلطاً بين ثقافة الأطفال وأدبهم الإبداعي الذي يتمثل في الشعر, والقصة, والرواية, والتمثيلية, والمسرحية, والسيناريو, والحكاية, والمقالة, وكل أشكال أدبية, يكتبها المبدع, الذي لا يقال له: ماذا يبدع؟ ولا كيف يبدع؟... ويتلقاه الطفل ليتأثر به, وينفعل معه, وقد يكون للآباء والمعلمين وأمناء المكتبات دور في توضيح جماليات هذه الأعمال, وربما سلبياتها, وقلما يكون لهم دور مع المبدع, اللهم إلا إبداء الملاحظات والنقد, وقد يستجيب له المبدع أو لا يستجيب...‏

وفي مجال ثقافة الأطفال هناك مبدعون من نوع آخر... هناك من يكتبون لهم المقطوعات الموسيقية, ويلحنون من أجلهم الأغنيات والأوبريتات, وربما الأوبرا... وهناك من يرسمون لهم في المجلات الصادرة لهم, والكتب... وهناك من يخرجون المسرحيات, والتمثيليات... كما أن في الفن الشعبي من يقدمونه لهم في ثوب جديد: أدبياً في السير والحكايات, وحركياً في الرقص الإيقاعي, وتشكيلياً في الموروث الفني اليدوي, وموسيقياً في الأغنيات الشعبية, وما إلى ذلك.. المهم أن يصل كل هذا إلى عقل الطفل ووجدانه, ليعيد صقله, ويضيف إليه, ويعمق من هويته, ويضيف معارف جديدة.‏

وعاين يوسف أوضاع اللغة العربية وضرورة تعميم الكتابة فيها, وضرورة خدمتها بوضع قواميس ومعاجم, تقدم معاني الكلمات والمفردات الخاصة بأطفال ما قبل المدرسة, ثم لأطفال أعمارهم ما بين السادسة والتاسعة, ثم ما بين التاسعة والثانية عشرة.‏

وأورد يوسف الشروط الواجب توافرها في كاتب الأطفال كما صاغها رولاند داهيل, وهو واحد من ألمع كتّاب الأطفال في بريطانيا:‏

1 ـ يجب أن يتمتع بخيال حي واسع وخصب.‏

2 ـ يجب أن تحسن الكتابة, ويعنى ذلك أن تكون قادراً على أن تجعل ما تكتبه حياً في ذهن القارئ مجسداً, وليس هذا بيسير على كل الناس, إنما هي موهبة لديك أو ليست لديك.‏

3 ـ أن تكون لديك قدرة على الاحتمال, بمعنى أن تكون ملتصقاً بما تفعله متفانياً فيه, وألا تستسلم قط, وأن تعمل ساعة بعد ساعة, يوماً بعد يوم, أسبوعاً بعد أسبوع شهراً بعد شهر... الخ.‏

4 ـ يجب أن تكون ممن ينشدون الكمال ويريدون المثالية أي أنه من الضروري ألا تكون راضياً عن عملك وكتاباتك اللهم ألا بعد أن تكتبه مرة بعد مرة.. لتجعله على أعلى درجة من الكمال, وعلى أفضل مستوى ممكن.‏

5 ـ يجب أن تكون منظماً, جداً جداً... أنت تعمل لحسابك الخاص ما من أحد يملي عليك أفكاره وآراءه, ما من أحد سوف يقتلك إذا لم تواصل عملك, ولن يوبخك أحد إذا أنت تباطأت أو تكاسلت.‏

6 ـ يفيدك كثيراً أن تكون خفيف الظل ولديك حس عال بالفكاهة, وليس هذا مطلوباً حين تكتب للكبار أما بالنسبة للأطفال فهو أمر بالغ الحيوية.‏

7 ـ أن تكون على درجة كبيرة من التواضع, وإذا ما تصورت أن عملك رائع وفذ, فذلك هو السبيل الأول للمتاعب والفشل.‏

وتحدث يوسف عن الكتابة الاجتماعية والعلمية للأطفال والمجالات الأخرى مثل الكتابة عن القيم وذكريات الطفولة والشخصيات والنماذج البشرية, وأشار إلى عناصر أربعة في الكتابة للطفل العربي, وهي الوطنية المحلية والعربية القومية والإسلامية الدينية والإنسانية العالمية, وطرح يوسف سؤالاً عن السبيل إلى أدب عربي حقيقي لأطفالنا, وذكر ثلاث طرق هي الأسهل, ثم ختمها بطريقة سوية حقيقية في مواجهة موجات السهولة والاستسهال, وختم بحثه بأن الكتابة للأطفال على مشارف القرن الحادي والعشرين تحتاج منا إلى رؤيا مستقبلية, لن نستطيعها إلا إذا عرفنا ما يجري على الساحة العالمية, دراسة, وقراءة, وترجمة, لنلحق بمن سبقونا على الطريق... ولا عيب في أنهم سبقونا, فقد كان لنا السبق فيما مضى وأخذوا عنا... ومن المهم أن نكتشف المبدعين في سن مبكرة, وأن نعينهم على إبداعهم, وأن نساعدهم على صقل مواهبهم, وأن نرعاهم بكل ما لدينا من طاقة.. لأنهم يصنعون مستقبل أبنائنا, الذي هو مستقبل بلادنا وأوطاننا.‏

ونشرت بحثاً بعنوان "رواية عربية للأطفال والفتيان: سورية نموذجاً" وأوضحت فيه مفهوم رواية الأطفال والفتيان وخصائصها, وألقى الضوء على عوامل نهوض رواية الأطفال والفتيان, وهي الوعي بأدب الأطفال والهوية ووسائل الاتصال بجماهير الأطفال والفتيان والترجمة...‏

وشرحت مراحل تأليف رواية الأطفال والفتيان في سورية وموضوعاتها مثل الموضوع القومي الغالب والموضوع العلمي والموضوعات الأخرى, وأوردت عدة ملاحظات منها:‏

1 ـ على الرغم من غنى تجربة أدب الأطفال العربي خلال نصف القرن الأخير وتطور القصص والحكايات والأشعار والتمثيليات, فإن الرواية أو القصة الطويلة تأخرت نسبياً في الظهور, وإذا كانت الستينيات قد شهدت نهوض هذا الفن في مصر, فإنها لم تصبح خطاباً مؤثراً في سورية إلا في الثمانينيات, حيث مرت بمرحلة اختبارية نحو التمكن من حدود هذا الفن, تربوياً وفنياً, في السبعينيات, وهذا يعني أن أفضل النماذج هي نتاج الثمانينيات.‏

2 ـ كانت الترجمة العامل الأكثر تأثيراً باتجاه إنتاج رواية الأطفال والفتيان, وإعادة إنتاجها في الوسائط الثقافية المختلفة ولاسيما الكتاب والتلفاز والإذاعة والصحافة والسينما, بل إن غالبية الروايات المترجمة أو المعدة أو المقتبسة كانت تلبية لهذه الوسائط الثقافية.‏

3 ـ أن أدب الأطفال والفتيان دخل معركة الأفكار وصراع الأيديولوجيات ومظاهر التبعية الثقافية والإعلامية, منذ مطلع الستينيات, وأن رواية الأطفال والفتيان مساحة رئيسة في هذه الجبهة الثقافية.‏

وقدم حسن بحراوي (المغرب) بحثاً موجزاً عن "مسرح الطفل بالمغرب", وأشار في قسمه الأول إلى طبيعة الكتابة المسرحية للأطفال وخصائصها, وفي قسمه الثاني إلى حالة المغرب.‏

وكان بحث فؤاد حجازي (مصر) موسعاً في معاينة موضوع "القصة والطفل" وتحليل نماذج منها, بينما اتجه بحث محمد شنوفي (الجزائر) الوجيز إلى "الخرافة في أدب الأطفال", وألمح إلى مصادر الخزانة في قصص الأطفال في الجزائر, والشخصيات الخرافية فيها وما تمثله من قيم.‏

وخصص الصيد أبو ديب (ليبيا) بحثه الموجز لتناول "الموروث الشعبي في أدب الطفل: خرافة الحيوان", وتمحيص مصطلح خرافة الحيوان وملحمته وسماته.‏

وأثار عبد السلام بشير الدويبي (ليبيا) في بحثه "ثقافة الطفل العربي: الأبعاد المأزمية والجهود العربية" الأسئلة الاجتماعية والقانونية والإنسانية لحقّ الطفل بالثقافة, فقارب مفهوم الثقافة في علاقته بالطفل, والثقافة بين يدي الطفل ومن خلفه ومأزمية ثقافة الطفل العربي في عصر العولمة وبيان القاهرة عن ثقافة الطفل وأطره المرجعية, وناقش في ختام بحثه نصوص الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل, ولاسيما الاستجابة لخصائصه الثقافية, فقد وجد في ثقافة الطفل "اهتماماً متجذراً في أعماق وجوده الوطني وانتمائه الإنساني ورغم أن موقع ثقافة الطفل من أولويات العديد من الدول وحتى الأسر والمدارس هو من المواقع التي تأتي في مؤخرة الأولويات وحتى وإن تعدتها فإنها قد لا ترقى لقمة هذه الأولويات. فإن ما يبذل من جهود وما تقتضيه معطيات العصر الذي يشهد ثورة معلوماتية في مضامينها ووسائطها بدأت تضغط وبشكل غير مسبوق إلى إعادة ترتيب الأولويات وإعطاء الثقافة عموماً وثقافة الطفل على وجه الخصوص المكان الذي تستحق أن تشغله في سلم الأولويات, مع الحذر الشديد نحو ما تفرضه هذه الوضعية من ارتماء استسلامي بين أحضان العولمة والانبهار بها".‏

وعالج الطبيب الفقيه أحمد (تونس) "أدب الطفل وتأثيره" من خلال تجربته في تونس, وانطلق من واقع الطفل العربي فيما يخص الكتابة له من جوانبه المتعددة: الكتابة للمطبوع, والكتابة للمسموع والكتابة للمرئي, ونظر في طبيعة ثقافة الطفل ووسائطها مثل الكتاب والصحافة والإذاعة والتلفزيون والمسرح والسينما والأسطوانة والأشرطة الغنائية وأجهزة الاتصال الحديثة كالفيديو والحاسوب والأنترنت, وعرّف بفنون أدب الأطفال مثل القصة والشعر والموسيقى, وفصل القول في أدب الخيال العلمي, وأورد بعض الإجراءات من أجل التصدي للوضع الراهن, واختتم بحثه بضرورة الإصلاح التربوي والتعليمي, لأن ثقافة الأطفال من ثقافة مجتمعهم, واجتذاباً لما عسى أن يتعرض إليه أطفالنا من المخاطر والمحظورات, فإنه من الأكيد انتهاج سياسة قومية واضحة في مجال التثقيف والتكوين, تلتزم بها أجهزة التعليم والإعلام والثقافة, حتى تكون هذه الثقافة الموجهة للأطفال أصيلة ومتفتحة, وعلمية بالدرجة الأولى, تواكب روح العصر, وتساير التحولات العالمية السريعة. وهذا العمل يوجب النظر بعمق إلى ثقافة الطفل وأدبه, من خلال تكامل مصادرها الأساسية للمعرفة التي يستقي منها الأطفال في البيت والمدرسة ومن وسائل الاتصال, ويفرض كذلك درس واقع هذه المصادر, وطبيعة التأثيرات النفسانية التي تتركها في أطفالنا, ومدى إيجابية هذه التأثيرات وسلبيتها, وانسجامها وتنافرها, وقدرتها مجتمعة على بناء ثقافة الطفل العربي المنشود, المنتمي لأمته, وثقافته الذاتية, الأصيلة, والمتهيء لصناعة مستقبله, ومواجهة تحديات هذا المستقبل.‏

ودعا إلى الإسراع بإصلاح النظام التربوي الذي أصبح يمر بأزمة فقدان الثقة بين التلميذ ومعلمه, وبين التلميذ وأفراد أسرته, وبين التلميذ ورفاقه, وحتى بين التلميذ ونفسه. وإعادة صياغة فحوى المناهج والتوجيهات, وتحويل القيم المراد تمريرها, من قيم التعليم التلقيني إلى قيم التعليم المجدد, ومن قيم الشكل إلى قيم المضمون, ومن قيم الإتباع إلى قيم الإبداع, ومن قيم الانغلاق إلى قيم الانفتاح.‏

وشاركت أسماء مصطفى الأسطي (ليبيا) ببحث عن توثيق الكتابة للطفل عنوانه "قراءة في ببلوغرافية كتب الأطفال في ليبيا" وقد تتبعت في بحثها الإصدارات المختلفة من كتب ودوريات وسلاسل تثقيفية, فيما بين 1951 و2001م, وأجملت ملاحظاتها على هذه القراءة فيما يلي:‏

* لم تشمل اتجاهات النشر كل فروع المعرفة, بل تركزت في القصة ثم العلوم.‏

* لم تصدر أية مطبوعات مجسمة أسوة بمنشورات الطفل في الدول العربية الأخرى.‏

* عدم صدور آية كتب مزدوجة (مسموعة ومقروءة) في القصص والقرآن الكريم والأناشيد والشعر لذوي الاحتياجات الخاصة بالدرجة الأولى.‏

وألقيت ثلاثة بحوث حول شعر الأطفال, الأول عن "قصيدة الطفل العربي: بذور الريادة وثمار الحاضر" لجليل خزعل (العراق). وتطرق البحث إلى قصيدة الطفل العربي بين ريادتين, إذ مرّ أكثر من قرن على المحاولات الأولى لكتابة قصيدة موجهة للطفل العربي من محاولات محمد عثمان جلال وأحمد شوقي وإبراهيم العرب وكمل كيلاني ومحمد الهراوي, إلى محاولات مصطفى جواد ومعروف الرصافي وأحمد حقي الحلي وعبد الستار الفرغولي.‏

ثم انتقل إلى تحليل بعض نماذج من الشعر المكتوب للأطفال خلال الفترة الأخيرة, مثل الشعر الوصفي (السردي), والشعر القصصي (ويتساءل المرء عن دقة المصطلحات المستعملة, فالسردي مثل القصصي, والوصفي يدخل في السردي, ولكنه لا يماثله), والشعر الغنائي (الوجداني) (والغنائي غير الوجداني), وشعر الألعاب والألغاز,و الشعر التعليمي.‏

وعالج قصيدة الطفل والنقد, ويلاحظ أنه أطلق أحكاماً غير دقيقة, مثل قوله إن قصيدة الطفل لم تحظ "بدراسات نقدية جادة أو بدراسات نقدية تطبيقية, فأغلب الدراسات برأيه التي تناولتها كانت تميل إلى التعميم والتنظير المستورد من تجارب المجتمعات الأخرى", ولعل الباحث لم يطلع على الكتب والأبحاث الكثيرة عن شعر الطفل, وهي كثيرة جاوزت ثمانية كتب في سورية وحدها. ثم ألمح في بحثه إلى موضوعات قصيدة الطفل.‏

وتناول محمد قرانيا (سورية) في بحثه "إيحاءات اللون في شعر الأطفال في سورية: دراسة تطبيقية", وهو بحث موسع في موضوعه المبتكر, يتقصى فيه عدداً من قصائد الأطفال ويحللها, ويمازج بين القيم الجمالية والدلالية.‏

وخصص ساسي حمام (تونس) بحثه لمناقشة "القيم في شعر الأطفال في تونس", وتوقف ملياً عند كتابة الميداني بن صالح للأطفال, ووضع جداول بمجموعات القيم وعنوان القصيدة وتوثيقها في مراجعها وأوزانها, وغلب على البحث طابع الشرح التعليمي.‏

لقد أثارت هذه البحوث قضايا ثقافة الأطفال في فنونها المختلفة ووسائطها المتعددة مقارنة بالقضايا الأخرى. وقد لوحظ التباين في معالجة الموضوعات المطروحة مثل شعر الأطفال والحكاية الخرافية والقيم الجمالية والمعرفية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244