جريدة الاسبوع الادبي العدد 1011 تاريخ 17/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الطفل في الرواية الجزائرية ـــ محمد قرانيا

من الكتب النقدية الهامة, كتاب "الطفل في الرواية الجزائرية" للباحث "الحبيب المصباحي" الصادر عن اتحاد الكتاب العرب عام 2004 ولعل أهميته تنبع من أنه يقدّم بحثا ًجديداً ضرورياً للمكتبة العربية من جهة, ولكونه بحثاً أكاديمياً من جهة ثانية, يمتلك مؤلفه أدوات الباحث الجاد ورصانتَه, تجلّى ذلك في المقدمة الضافية التي عرض فيها هدفَ الدراسة, والغرضَ من الكتاب, ثم في الفصول الأربعة التي خرج منها بنتائج بحثه الموضوعية, حيث أثار عدداً من المسائل الهامة, لعلها تكون باعثاً له ولغيره من الكتاب على متابعتها.‏

تعدّ رواية "أوليفر تويست" لـ "تشارلز ديكنز" أول عمل روائي أسند دور البطولة إلى طفل, أعقبتها أعمال روائية عالمية من أشهرها رواية "البؤساء" لـ "فيكتور هيجو" تجسّدت فيها الطفولة الإنسانية البائسة في شخصية الطفلة "كوزيت" مع عملاق الرواية "جان فالجان" وهذا ما أفرز اهتماماً كبيراً لدى المبدعين في الاستجابة لفضاء الطفولة في الرواية, حتى وصل إلى الرواية العربية في وقت مبكر, مع "زينب" محمد حسين هيكل, "ثم" ثلاثية نجيب محفوظ "و" سرابه "ثم عَبَرَ إلى الساحات الأخرى, حتى كان للطفولة وجودُها في الفضاء الروائي العربي.‏

بعد فصلٍ تنظيري, وقفت الدراسة عند (الرواية والشخصية) حيث تبعث الشخصيةُ الطفلية الحركةَ في الحدث, وتمنحه الحياة, فتدحض بذلك النظرية التي ترى "أن الأدب العربي أدب كبار, ليس للصغار فيه نصيب يذكر" ولكن الملاحظ أن الأعمال الروائيةَ العربية الموظفة للطفل, والمتحدثةَ عن الطفولة ينقص أبطالَها شرطٌ هام هو عامل (الهوية) لأن الأطفال ليس لهم هوية في الغالب, ومع ذلك فإن الرواية الجزائرية أفسحت في جنباتها مجالاً رحباً للطفولة, بوصفها ذاتَ فاعلية في مسار العمل الروائي, نجد ذلك لدى "زهور ونيسي" في روايتها "من يوميات مدرسة حرة" حيث منحت شخصياتها الطفلية بعداً واقعياً استلهمت منه أحداثها, وأسقطت فيها الذاتي على الموضوعي, بغية الدخولِ في موضوع الثورة الجزائرية, وإظهارِ مدى انعكاسات الوضع العام على الصغار, وطبيعةِ الشعور الوطني والثوري الذي كان يراود الصغار, وهذا ما ظهر جلياً لدى الروائي "بوجادي علاوة" في رواية "قبل الزلزال" فالطفل "مصطفى" بطلُ الرواية, انعكست عليه أبعاد الوضع العام بما يتناسب مع عمره, على الرغم من تداعي الوعي لديه, ومثل ذلك نجده لدى "عبد الحميد بن هدوقة" في رواية "نهاية الأمس" حيث يثير الطفلُ الراعي الشعورَ بالشفقة لشدة حرمانه, واستسلامه لما كتبه عليه القدر. وتظهر الطفولة المعذبة لدى "جيلالي خلاص" في رواية "جمائم الشفق" في ملامح الراعية الصغيرة ذات السنوات الخمس, وقد رأى النقد في عملها استغلالاً أُسرياً, على الرغم من قيامها بعمل يدرّ دخلاً تحتاج إليه الأسرة.‏

أما الروائي "مرزاق بقطاش" في رواية "طيور الظهيرة" فيجعل الطفولة أكثر حضوراً وفاعلية, إذ لم يعد الصغير وقفاً على تلبية رغبات الكبار, وإنما غدا إنساناً يتمتع بحقوقه, ويتطلّع إلى مستقبله, فيتعرف إلى ما يدور حوله, مشاركاً الآخرين في القرار, وبذلك بدت صورته كبيرة, لاحتكاكه بغيره, فنياً واجتماعياً, وحتى سياسياً, إذ استطاع الروائي بخبرته الواسعة أن يكشف عن تلك التناقضات الداخلية, ويعريَ القيادة الهشة, محاولاً بذلك رسم صورة واقعية لمعاناة الطبقة المغلوبة على أمرها.‏

وفي رواية "اللاز" لـ "الطاهر وطار" مثّلت شخصية الطفل الذي حملت الروايةُ اسمهَ صورةً واقعية اتسمت بأبعاد فنية, وثورية اجتماعية, وسياسية, فكان الطفل في ترميزاته, هو الشعب والابن والثورة, فرض وجوده, عبر علاقاته وتهوراته ومغامراته. وارتبط الطفل "محمد لكحل" في رواية "رائحة الكلب" لـ "خلاص" بالحدث المشكّلِ لمسار الرواية الرئيسي, فرُسمت ملامحُه برهافة متناهية, وقد سكنته مشاعر البطولة, ورافقته في تدرّج مراحل عمره.‏

وفي رواية "الطموح" وظف "عرعار محمد العالي" عدداً من الأطفال بصورة عكست تصوره لبراءة العالم, عبر تكنيك فني اصطلح عليه (أسلوب الارتداد) لذلك اتسم النص بالغرابة, حين تتبّع مسار الطفل "خليفة" البائس, الذي كره أباه بسبب إهماله له من جهة, ولإهانته أمه من جهة ثانية, مما أثّر على نفسية الطفل, فغدا عصبي المزاج, على الرغم من حرصه على التعليم والمواظبة على المدرسة. لكن ما أخذه الباحث على الكاتب, هو عدم استغلاله هذه الناحية فنياً بالقدر الذي يحوّل الحوار إلى دلالات نفسية واجتماعية لتكون بمثابة معادل موضوعي لشخصية الصغير.‏

وظهرت روايات عدة في مرحلة السبعينيات ـ موضوع الدراسة ـ أعطت الصغار أدواراً نضالية في الثورة الجزائرية, إضافة إلى الأدوار الاجتماعية, التي تتجاوز في كثير من الحالات العمرَ الزمني للأطفال, الذين رسم لهم الكتّاب صوراً متنوعة اعتمدوا فيها على السرد التقريري المباشر ذي النبرة الخطابية, مع الاستعانة بالحوار الساذج, لذلك لم يظهر بين الروائيين سوى قلةٍ وقفت عند براءة الطفولة وفهم نفسياتها, والحديث بمفرداتها وأساليبها.‏

ثم يقدّم الباحث إحصاءً للروايات التي تعاملت مع الطفولة, يخلص فيها إلى أن الطفل كان صورة عن مجتمعه وجيله وتطلعات شعبه, كما كان صورةً لجيل الضياع في مجتمع الأمس.‏

لقد عهدت عدة روايات ببطولاتها إلى الأطفال, ليُسقط الكتاب عليها رؤاهم الفكرية, فشخصية الطفل "مراد" في رواية "طيور الظهيرة" اجتمعت حولها التناقضات التي جعلت منها شخصية تبحث عن الثورة عبر الزمان والمكان, امتزجت فيها الدلالاتُ الاجتماعية الطبقية, لتجسّد مسارها التنموي عبر تطور الحدث الروائي, وقد استمدّت هذه الشخصية تشكلّها من ذلك (الديالكتيك) الذي يربطها بما حولها من بيئة يجب حمايتها, وأطفال لا تجوز الغفلة عنهم, وقد وسّعت روحُ المغامرة لديها آفاقَ الوعي, فوظف الكاتب أتراب الطفل لخدمة الثورة, ومناهضة الاحتلال, فكان هذا الرصيد من التجارب الحية بمنزلة الدروس التي لا تُنسى, مكّنت الطفل من الوعي في تصنيف أعدائه وأصدقائه ضمن خانات لا يمكن الخلط والتداخل بينها. إضافة إلى تشبّعه بالفكر الإسلامي الذي عمّق من وطنيته, وقاده إلى التمييز بين أولئك الجنود السنغاليين المسلمين والمسيحيين, وقد كشف التغلغل إلى أعماق هذه الشخصية عن جملة معتبرة من الدلالات التي أحالت إليها لوحات النص عبر التطور المرحلي لأحداث الرواية من جهةٍ, ونمو وعي الصغير من جهة أخرى.‏

وتستكمل شخصية اللاز /الطفل أبعادها السلوكية بتركيز مبدعها على عدد من الصفات السوية والشاذة, المتمثّلة في عراكه مع الأطفال والشذوذ الجنسي, إلى جانب السرقة واستخدام العنف, وسوى ذلك من الجوانب السلبية التي تقف في مواجهة الجوانب الإيجابية, الإنسانية والوطنية.‏

وتحرص رواية "نهاية الأمس" لـ "ابن هدوقة" على إخراج الأطفال من أوضاعهم المتدنية, وذلك بردّ الاعتبار لهم بتعليمهم رغم الأوضاع المأساوية المثبّطة للهمم, وقد عمد الكاتب إلى التدقيق في ملامح الطفل الخارجية, لتحقيق دلالات عالية تُظهر مدى احتمال الصغير للمكاره, مما يشي بأن تفكير الكبار يتجذّر في ملامح الصغار, ولا يخفف من حدة الشقاء سوى العلم, حيث يحرص الصغار على الالتفاف حول معلمهم في المسجد.‏

ويقف الباحث عند معالجة الرواية لمسألة عمل الطفولة, فلا يجد فيه مجالاً للتهميش والاستغلال, لأن قراءة هذا الوضع تشير إلى ذلك الشعور المسؤول من قبل الصغار, مساهمةً منهم في التخفيف من أعباء أسرهم, كما يوحي بقناعة أخرى تدخل في إطار الإعداد المسبق للطفل بغية التغلّب على مشاق الحياة, وتأهيله لغد أفضل.‏

وفي منظور آخر, تتجسّد في رواية "رائحة الكلب" أبعاد أخرى للطفولة, من بينها حكاية ما قبل النوم, حيث تحكي الأم لصغيرها حكايات من الموروث الشعبي, مما يبعث الدفء في نفسه, ويصله بالزمان والمكان, ويجعل العلاقة بينه وبين الأشياء من حوله حميمة, فيلمس عطف الثورة على أبنائها, وتبرز علاقة ذات البطل بالمرأة, فيمتزج الذاتي بالموضوعي عبر الحيّز المكاني خاصة, ليصبح المكان دالاً على العلاقة الاجتماعية كقيمة جديدة تحلّ محل الشعور في مركزية الذات.‏

وتبعاً لذلك, فإن توظيف الطفل في الرواية, سواء أكان بطولةً رئيسية أم ثانوية, فإن الشخصيات تلتقي في جملة من السمات والسلوكات, وبخاصة عندما تتعرض في مجتمعها للقهر والظلم, وقد ساهمت هذه الشخصيات في عملية التغيير, تاركةً آثارها في جميع مناحي الحياة, سواء الشخصيات الورقية منها, والحية.‏

ثم يدرس الباحث في الفصل الأخير (لغة الطفل ضمن المعمار الروائي, والحدثية وتشاكلها مع النمو) فيجد أن الثورة الجزائرية ولّدت انفجاراً لغوياً لدى الطفل كشف عن السلوك الثوري الانتقامي, على الرغم من أن صعوبة هذه المهمة تطرح صعوبة لغوية على المتحدث, لأنها تؤول إلى اقتباس من القرآن الكريم, ولا يسلّم الباحث بقاموسية الطفل اللغوية القرآنية, كما يأخذ على الكتّاب خلو الحوار من بعض النماذج الروائية, وحضور السرد, في حين يظل البناء الفني جميلاً في كثير من الفضاءات الروائية, كما لاحظ سيطرة التقريرية, وفرض الوضعية التلقينية لدى بعض الكتاب, بتعابير مثقلة بالتقعر اللغوي, والمصادفات العجيبة, واللافن, إلى جانب النصائح المعبأة بالأيديولوجيا الفجة, ضمن تداعيات امتزج فيها الذاتي بالموضوعي, لكنها تبقى ـ رغم ذلك ـ نماذج حية لزمنها ولأطفالها, مع أن هناك من أثبت في نصه جملةً من الخصائص الفنية عملت على تنامي الحدث الطبيعي من جهة, وتواصلية الحوار من جهة أخرى, واعتماد أساليب متعددة في الصياغة, فشخصية "اللاز" رسمها الكاتب من الداخل والخارج لتقديم صورة لطفل استجمع قواه, وأكمل نموه فيزيولوجياً ونفسياً, ليخرج بعد ذلك في ملمح جديد ساهم في جلاء الصورة.‏

وتخلص الدراسة إلى أن الرواية الجزائرية حاولت إظهار ملامح الطفولة فناً وموضوعاً من خلال جملة من الثيمات والمعالجات الإبداعية المتسمة ببناءات فنية متعددة في رسمها لشخصياتها وتنويعها لهم استجابةً لضرورات الحياة, ومتطلبات الرواية الجمالية, وقد حققت بذلك حضورها, ووفّت بالتزاماتها الحضارية حين أسندت البطولة إلى الطفل, وبأدوار متباينة وبارزة في كثير من النصوص, كما أبقت بعضُ النصوص الطفلَ على الهامش بنوع من الإقصائية الإبداعية.‏

وقارئ الكتاب, لابد أن يبدي في النهاية إعجابه بهذا البحث العلمي الجاد, الذي استطاع فيه مؤلفه أن يستخلص أهم سمات الطفولة الفنية في روايات كُتبت للراشدين, وهذا لون جديد من الدراسة لم نعهد له مثيلاً من قبل, ولكن إذا جاز لنا أن نبدي ملاحظة على العمل, فقد تمنينا لو أن الباحث عمد إلى إعطاء فكرة عن وضع الطفل ودوره في الحدث الروائي, ولا يَعدُّ القارئَ ملماً بالروايات المدروسة, لأن هذا مستحيل في غياب الوحدة الثقافية العربية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244