جريدة الاسبوع الادبي العدد 1011 تاريخ 17/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

دور المخرج في مسرح الطفل ـــ جوزيف ناشف

إذا كان لابد من نهضة مسرحية أصيلة, وإذا كان لابد أن يتحول المسرح إلى وسيلة للتعبير في قطرنا, وإذا كنا نريد من طفلنا أن يتمرس في هوايته المسرحية في المدرسة والحياة فإننا يجب أن نركز, وأن نعتبر المسرح جزءاً من حياته, وفي قضاء وقت فراغه, ودافعاً لاستمرار نشاطه, وأيضاً نمو طموحه, ومعرفة مشاكله... إذا كنا نسعى إلى كل هذه الأمور المكملة لحياة الطفل, فإننا يجب أن نشجع انتشار مسرح الطفل, ولا يكفي أن نشجعه فقط, بل يجب أن نمد له يد العون, والدعم المادي, وبهذه الطريقة يمكننا أن ننشر الثقافة المسرحية, وأن نمده القوة في النمو والازدهار, واحتلال مكانته بين الفنون..‏

وعندما يجد المخرج الحب والسعادة في المسرح, والدفع الثقافي في كل جوانبه, فإنه بالتالي يلجأ إلى التعامل الصحيح مع الكتاب والمسرحيين, ولهذه الناحية أهمية خاصة في حياته, وتجعله يندفع بقوة لتحقيق النجاح والازدهار لكل عمل يقوم به..‏

من هنا نجد من سيدرس الإخراج يجب أن يكون لديه الخبرة المسرحية أو على الأقل درس الكتابة المسرحية والتمثيل.‏

ما هو المسرح:‏

سؤال يطرح نفسه في ذهن الطفل من الوهلة الأولى, فالطفل عندما يخرج من عرض مسرحي يجد العالم في الخارج مختلفاً تماماً عما رآه.. فالمباني في الطريق متغيرة, وكأنه يمر في عالم غريب.. عالم بعيد عما رآه, ولكنه بعد لحظات قصيرة يعود إلى العالم الخارجي كما هو, وهذا بطبيعة الحال دليل على فقدان الطفل لذاته.. الطفل عندما دخل المسرح تحول مع أقرانه إلى جمهور للمسرح.. هذا الأمر يبدأ منذ رؤية الطفل للإعلانات المسرحية المعلقة في الشوارع, ثم يجتمع الأطفال في صالة المسرح, ويأخذهم المضيف إلى مقاعدهم وبعد قليل تعلو الضحكات بين الأصدقاء, وتدخل الطمأنينة إلى قلوبهم, وخاصة عندما يجدون أنفسهم جالسين متلاصقين على المقاعد.. تطفأ الأضواء وتتوقف الأحاديث, والضحكات, وتتركز العيون على خشبة المسرح, وتعلو موسيقى المقدمة, وينفتح الستار..‏

نعم.. هنا ينتهي الدور الأول الذي يساعد المخرج على تهيئة المتفرجين للبداية.. بداية العرض..‏

الآن نأتي بالحديث على مهمات المخرج الأساسية, وتتلخص في الفقرات التالية:‏

أولاً ـ اختيار النص المسرحي.‏

ثانياً ـ اختيار المشاركين في العرض.‏

ثالثاً ـ اختيار القدرة والإمكانيات.‏

رابعاً ـ اختيار الموسيقى التصويرية.‏

خامساً ـ اختيار الألبسة والألوان.‏

سادساً: ميزانية العمل.‏

أولاً ـ اختيار النص المسرحي‏

يتوقف نجاح المخرج, أو فشله على اختيار النص الذي يلائم ذهن الطفل, وميوله الأساسية, وفي هذا البند يبذل المخرج جهداً كبيراً, ويحب أن يلاقي هذا الجهد القبول لدى هذا العالم الجميل الذي ينبع من شغاف قلبه, ويضع في حسبانه المستوى الثقافي, والحالة الفكرية لهؤلاء الأطفال الذين قدموا إلى المسرح ليروا عالماً من الثقافة والعلم والمعرفة والمرح.. إنه عالم جديد عليهم... عالم سحري وإن استطاع الدخول في هذه اللعبة الجميلة, وأثار العواطف في قلوب الأطفال, وفهموا المسرحية, فإن المخرج استطاع الوصول إلى الهدف كما اختاره المؤلف... يمضي المخرج ساعات طوال مع المؤلف لإغناء النص من كل جوانبه حتى تتوحد أفكارهما في الطرح, وهذه الناحية ضرورية للمخرج, والمؤلف لأنهما سيصبحان جسدان في روح واحدة, وأذكر أنني عندما قمت بإخراج مسرحية (علي بابا والأميرة شمس النهار) للمؤلف الأستاذ عبد الفتاح قلعه جي فقد أمضينا فترة لابأس بها في النقاش, والحوار من أجل الوصول إلى توضيح جميع الجوانب, وإيصال مقولة المسرحية بشكل عفوي, ومدروس إلى ذهن الطفل.. وفعلاً كان النجاح لنا نحن الاثنين معاً, ولاقت المسرحية القبول, والإقبال المنقطع النظير, وكنا ننتظر خروج الأطفال, ونسألهم عن رأيهم, وما هي الهنات التي وجدوها في العرض حتى نتلافاها فوراً... إذن التعاون بين المخرج والمؤلف ضروري وظاهرة صحية, ويجب عدم الاستغناء عنه مهما كانت الأسباب..‏

اختيار المشاركين في العمل‏

بعد الانتهاء من اختيار النص وتجهيزه.. يزن المخرج قدراته على إخراج العمل بأسلوب جيد, وينطلق في الجولة الثانية إلى اختيار الممثلين الذين سيعملون تحت إمرته, وفي هذا البند يبذل المخرج المسرحي جهداً كبيراً, وخاصة مع الممثلين الشباب خاصة وأن عالم الطفل عالم خاص يحتاج إلى أسلوب بسيط.. لذا نرى المخرج يحتاج أثناء التدريبات مع الممثلين إلى تعميق المرونة, والأداء البسيط حتى تصل الفكرة, والمقولة إلى ذهن الطفل بسهولة, ويتقبلها بكل اطمئنان لأنه يجد كل ما يدور على خشبة المسرح عالماً صادقاً, وهنا أيضاً يتطلب الأمر أن يكون المؤلف حاضراً, وأن يرد على أسئلة, واستفسارات الممثلين الذين سيحملون العرض على أكتافهم, فالنقاش والحوار يغني العمل, ويفتح آفاقاً قد تكون غائبة عن رؤية المخرج والمؤلف, ولابأس أن يشارك بعض الأطفال في العرض, لأن مشاركتهم ستغني العرض أكثر, ويظل الطفل الجالس في الصالة مشدوداً, ومتفاعلاً مع الحدث الذي يدور على خشبة المسرح, ومع الأطفال الذين يمثلون, وفي أحيان كثيرة يتمنى أن يكون هو من يمثل هذا الدور.. إذن مشاركة الأطفال في العرض المسرحي ضرورية, وهي سمة أساسية لنجاح المسرحية, وخاصة إذا كان دور الطفل في العرض المسرحي مدروساً, وغير مقحم, وقد لجأت إلى هذا الأسلوب, وهو ليس جديداً في جميع المسرحيات التي قمت بإخراجها, وأذكر على سبيل المثال مسرحية (علاء الدين والمصباح السحري) للمؤلف سمير عبد الباقي على مسرح نقابة الفنانين في حلب حيث كان بطل المسرحية طفل يافع لا يتجاوز الثالثة عشرة من عمره.. كانت الصالة تمتلئ بالأطفال مع أسرهم, وهنا أؤكد على حضور الأسرة مع الطفل إلى المسرح, ويجب أن تكون المسرحية, والمسرح خاص بالأسرة والطفل, فالذي يخفى على الطفل تقوم الأسرة بتوضيحه, وإغناء كل الأفكار الواردة, وتكمل المعلومة في ذهن الطفل, ومن هنا ينطلق الطفل إلى التحدث مع أصدقائه باندفاع مما يجعل للمسرحية صدى بين الأطفال, وهذا ما يدفعهم إلى الحضور, وتكتمل الحلقة بالدوران, وبهذه الطريقة ننشئ جيلاً من الشباب المحبين للمسرح, ورواداً في المستقبل...‏

ثالثاً ـ اختبار القدرة والإمكانيات‏

إن تأمين القدرة والإمكانيات ضروري جداً, وقد يصاب العرض بالفشل إن لم تتوفر الإمكانيات... على المخرج عند اختيار المسرحية أن يتأكد من سعة المسرح, فالديكورات والإكسسوارات ستحتل حيزاً لابأس به من خشبة المسرح..‏

فالمسرح الصغير لا تتوفر فيه إمكانية تقديم عمل ضخم فيه العديد من الممثلين, وعليهم التحرك على خشبة المسرح بأريحية حتى يتم العطاء بشكل جيد.‏

وكذلك الديكورات تكون موزعة على الخشبة بحيث تأخذ أبعاداً حقيقية لعين المشاهد, ومنظراً مقنعاً تستولي على مشاعر الطفل دون خدعة, أو زيف مبطن, بالإضافة إلى الديكور والإكسسوار.. يجب أن يتوفر في المسرح غرفة للإضاءة والصوت, فالإضاءة ضرورية, وركن أساسي في العرض, فكيف نقنع الطفل بالتغير الزمني أثناء عرض المسرحية, فالليل يحتاج إلى إضاءة خاصة, وكذلك النهار, وهذا الأمر ينطبق أيضاً عند الانتقال من فصل إلى آخر, وباعتبار أن مسرحية الطفل تكون عادة بستارة واحدة للابتعاد عن الملل, فإن الإضاءة تتحكم في النقلات ضمن المسرحية بسرعة.. كما أن أجهزة الصوت أيضاً تكون مكملة للإضاءة, وترافق المشاهد, وتصدح بالأغاني أثناء عرض المسرحية, وأثناء الانتقال من مشهد إلى آخر, أو في ختام المسرحية.‏

ومن هنا نجد أن التقنية الحديثة تفيد كثيراً أي عرض مسرحي, وتجعله بالمستوى اللائق, وهنا لابد من التأكيد أن الموسيقى التصويرية في مسرحيات الأطفال يجب أن تكون على قدرة عالية للتلاعب بمشاعر الطفل بصدق, وبعيداً عن الألحان الجاهزة, أو المأخوذة من المقاطع الموسيقية المؤلفة من عصر لا يلائم زمن المسرحية, وأذكر هنا على سبيل المثال المسرحيات المأخوذة من التراث التاريخي, والبعيدة عن الزمن الحاضر..‏

رابعاً ـ اختيار الملابس المناسبة والألوان‏

هذا البند أيضاً ضروري في إعطاء العرض المسرحي رونقاً جذاباً... إن عالم الطفل كما قلت سابقاً ـ عالم سحري.. فالألوان الجميلة, والفاقعة أحياناً ضرورية لإثارة المشاعر لدى الطفل, يجب على المخرج بالتعاون مع مهندس الديكور دراسة الديكور بشكل تام وأن تكون قريبة من مخيلة الطفل, وبعيدة عن الغرابة بحيث توضع الألوان المزركشة بحيث تتلاءم مع الألبسة الملونة, وتكون مواكبة مع فكرة المسرحية, وتوضح مقولتها.. فالديكورات تختلف من العصر التاريخي إلى العصر الحديث, وهنا يجب الالتزام أيضاً في اختيار الألبسة, ويجب أن تكون مواكبة للزمن مثل الديكورات إلى العصر الذي تنتمي إليه, ونرى هذا واضحاً في عالم أفلام الكرتون الذي يكون محبوباً من الطفل, وعندما يراه الطفل مجسداً على خشبة المسرح سيكون سعيداً بما رآه, وسيتأكد من هذه الحقيقة التي رآها بأم عينه على الخشبة... وهذا ما حدث معي في مسرحية (مغامرات سندباد) أيضاً للمؤلف الأستاذ عبد الفتاح قلعه جي حيث حاولنا أن نجعل الطفل الذي يقوم بدور القرد هو شبه قرد حقيقي من ناحية اللباس والحركات وجعلنا لون اللباس أكثر جاذبية من اللون العادي..‏

إذن الديكور والألبسة والألوان ضرورية جداً في خلق المناخ المسرحي للعرض الذي يقدم؛ والاختلال سيجعل المسرحية مهزوزة وغير مقنعة.‏

خامساً ـ اختيار الشخصيات:‏

أحياناً ترى الطفل يضحك مقلداً شخصية ما وأحياناً نراه يسعل محاكياً أحداً من أقرانه أو أصدقائه كان قد استولى على انتباهه وأحياناً أخرى يعود الطفل إلى البيت ويقلد الطبيب الذي رآه في العيادة وهو يفحص والده... أو نراه يقلد شخصاً يتحدث في الهاتف أو نجده يصرخ كما رأى الممثل كيف يصرخ على خشبة المسرح, وقد نراه أحياناً كثيرة يطور بعض الحركات التي رآها إلى حركات وهمية, ومعقدة كانت مخزنه في ذاكرته ووجد الفرصة المناسبة في إظهارها على الوجود... وكثيراً ما نرى بعض الأطفال يقلدون الحيوانات كالقردة والأسود في العراك والشجار أمام الأهل أو الزملاء من الأطفال... إنه عالم حقيقي يحس به وليس معروضاً في التلفاز كما يراه الجميع.. وهنا يبرز دور المخرج في جعل ممثليه يقلدون تلك الحركات بأسلوب ذكي بعيد عن زرع دوافع الصراعات السيئة... وقد اتبعت هذا الأسلوب في مسرحية [مغامرات سندباد حيث قفز القرد إلى الصالة, وأخذ يختبئ خلف الأطفال مثيراً الدهشة, والسرور في قلوب الحاضرين... جعلت المشاهدين من الأطفال وأسرهم يتعرفون عن قرب على هذا الحيوان الذي كان إنساناً وحوله الساحر إلى قرد.‏

سادساً ـ الميزانية الخاصة بالعمل‏

قد لا يكون هذا البند هاماً في المسارح التابعة لوزارة الثقافة لأن من مهمة هذه الوزارة نشر التوعية, والثقافة بين أبنائنا الأطفال بأسلوب مدروس, وهام, ولا يفكر المخرج أن يلجأ إلى الكسب المادي, بل همه الأول, والأخير أن يقدم عرضاً مشوقاً, وهادفاً, وعملاً فنياً يثير الانتباه لدى أكبر قدر من الأطفال, والمعنيين بأمور المسرح.‏

أما في القطاع الخاص فالأمر يختلف.. فالناحية المالية تأخذ حيزاً أكبر من العرض المسرحي.. كل العاملين يرغبون في الكسب المادي لأن هدفهم الربح ولا شيء آخر وهناك أمثلة كثيرة على هذه الناحية ولا داعي لذكره الآن... وانطلاقاً من هذا الأمر فإنني أجد أنه من الضروري أن يكون مسرح الأسرة والطفل تحت رعاية جهة رسمية حتى نوصل الفكرة على عالم الطفل بمصداقية ما بعدها مصداقية.‏

وأخيراً نجد ضمن هذه العجالة أن دور المخرج في مسرح الأسرة والطفل مهمة كبيرة فهو الذي يختار النص المسرحي ويهيئ الكادر الفني من ممثلين وممثلات وفنيين للإضاءة والصوت ومهندس الديكور أيضاً وملحن للأغاني والموسيقا التصويرية نراه يسعى إلى الاعتماد على الأكفاء حتى يقدم عالماً قريباً من ذهن الطفل دون أي مبالغة أو تزييف للواقع.. كما أنه يسعى لإكساء العرض بما يناسبه من روافد أخرى مكملة, وصدقوني عندما يرى المخرج الطفل واليافع يخرجان مبتسمين من المسرح يطمئن على أنه قدم عرضاً صادقاً فيه كل الجوانب الفنية الجيدة, وبعيداً كل البعد عن الإسفاف والزيف والخداع.‏

هذا ملخص عن دور المخرج في تقديم مسرحية لعالم الأسرة والطفل وأرجو أن أكون قد وفقت في عرضي هذا وأن أكون مصيباً في رأيي كفنان.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244