جريدة الاسبوع الادبي العدد 1011 تاريخ 17/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

قصائد الأطفال في سورية "دراسة تطبيقية" ـــ صباح السوسو

الأديب محمد قرانيا من خلال تواصله داخل حقل الكتابة الخصوصي الذي اشتغل عليه قاصاً وشاعراً للأطفال, تابع مسيرته الأدبية بإصدار كتاب (قصائد الأطفال في سورية) دراسة تطبيقية عن اتحاد الكتاب العرب في سورية.‏

تتألف الدراسة من بابين يبحث فيهما الشكل أولاً في شعر الأطفال, والمضمون ثانياً... وكل باب مقسم إلى عدة فصول, مع دراسة نماذج لشريحة واسعة من شعراء الأطفال في سورية, وعلى الرغم من أن النقد ينطوي على مغامرة فنية وثقافية فلقد استطاع الباحث إصدار أحكام قيمة على الأعمال الإبداعية التي تناولها دراسة وبحثاً.‏

بداية يسلم الكاتب بحداثة هذا الفن في وطننا العربي القائم على تجارب شخصية قوامها الاجتهاد الشخصي بعيداً عن تقويمات النقاد, وطارحاً إشكالات شعر الأطفال خاصة خطابه الذي غلب عليه الوصف والأدلجة, وهذا ما نلاحظه عند الرواد الأوائل, مما اثر على وقع المفردة وأثرها في نفس الطفل دون الانتباه إلى خصوصية المرحلة العمرية التي يمر بها الطفل, والموجه إليه الخطاب الشعري, مما يثير إشكالية الفروق المتعددة بين شعر الراشدين وشعر الأطفال بما يتعلق بالمفردات الشعرية الدلالية, كون الكلمة الشاعرة تؤثر على وجدان الطفل قبل أن تؤثر على عقله, ولقد استطاع سليمان العيسى إيجاد حلول لها, فكان قمة أدبية سامقة يندر أن يوجد مثلها بين شعراء الأطفال العرب المعاصرين.‏

إن واقع الوطن العربي المتردي. وفقدان الأمل في الكبار ثم ظهور الصحافة الطفلية المتخصصة كان له أكبر الأثر في توجه الشعراء إلى الأطفال لبناء المستقبل.‏

والتحديات التي تواجه شعراء الأطفال العرب مرتبطة بأزمتهم في ظل الفضائيات التي تملأ عالمهم التربوي والثقافي, وعلى المربين البحث عن حل لهذه الأزمة تلعب فيها المدرسة والأسرة الدور الأول, وإيلاء الكتاب أمر بالغ الأهمية في مواجهة هذا التحديث وأن تحظى قصيدة الطفل من شعرائها باحترام عالمه الفني بالخيالات المرتبطة بأهداف لغوية وتربوية ومتعة وجدانية ثم البحث عن طريقة جذابة ومشوقة تقدم بها القصيدة للطفل, ولن يتحقق ذلك إلا بالمربي الذكي المخلص.‏

ينتقل الباحث إلى شعر الأطفال والأنترنيت, فيرى أن الطفولة في تراثنا أدبياً كانت مغيبة عنه باعتباره (رجلاً صغيراً) علماً أن تراثنا يحمل في ثناياه عوامل التوحيد القومي, متجاوزاً حدود الزمان والمكان في فضاءات التراث الإنساني كما أن التراث غيب عن منهاجنا المدرسي الذي استلهم موضوعات قريبة من مرآى الأطفال الخالية مما يسمى بالإثارة بعيداً عن التراث الذي يضم مجموعة قيم الأمة بما هو منبع خصب للخيال, ويقدم نماذجاً من البطولات العربية المشرقة, وحاضناً قيمة تربوية معرفية, ومجسداً للأصالة ومرسخاً جمال الماضي وروعته وحكمته, ويمكن أن يقدم مادة درامية للعمل المسرحي الشعري للأطفال ويلاحظ الباحث أن استلهام التراث في سورية لم يشكل ظاهرة, واضحة, وكان ممكناً حضوره مادياً ليتلاءم مع توجهاته الفكرية والتربوية, وأدبياً بتذوق جمالي يحمل قيمة فنية ببراءة اللغة والشعر الصافي.‏

الثقافة علم والعلم ثقافة في عصر المعلوماتية والأنترنيت, وبما أن العولمة مفروضة على الجميع, فعلينا مواكبة التحولات الثقافية لأنها ليست كالقطاعات الأخرى... معتمدين على مرتكزات حضارية قائمة على الكتابة لنقل المعارف للأجيال, والطريقة المثلى في مقاومة الضياع والتلاشي هي عندما نأخذ بالإيجابيات التي توفرها التقانة منها: (اختصار الوقت ـ تيسير الوصول إلى مصادر المعلومات ـ التعرف على إنجازات الشعوب والحضارات الأخرى, تسريع التفاعل الثقافي وتنشيطه ـ تداخل العلوم وتكاملها وارتباطها بالتربية والتعليم بصورة تدفع إلى إعادة التفكير في النظم التربوية وأهدافها وأدواتها).‏

من المعلوم أن القص الطفلي في الغرب استفاد كثيراً من البريد الالكتروني بتحريض عقول وخيال الأطفال عن طريق ما يسمى بالقص التركيبي, ولم يقف الأدباء والمثقفون العرب أمام التقانة الحديثة بعد أن تخطوا مرحلة الانبهار بمعطياتها, فاستفادوا منها وزاوجوا بين الأدب والعلم لأن العلم تعبير عن الحياة الإنسانية, والانترنيت ممثل العلم الذي تقوم عليه الحياة.‏

يثير الباحث إشكالية النقد الأدبي مع هذا النوع من الأدب الإلكتروني فيرى في البنيوية أقرب المناهج للنقد العلمي, ولكنها تبقى عاجزة عن الإحاطة بالأبعاد النفسية والخلفيات التاريخية والاجتماعية للأديب مبدع النص, والروح العلمية ليست ذات شأن كبير في تقويم الإبداع لأن النقاد الإلكتروني يفتقر إلى مزايا الناقد البشري كونه الأساس في تقويم العملية الإبداعية.‏

وإجابة عن مصير شعر الأطفال في زمن التقانة العلمية والألفية الثالثة يقول: علينا أن نملك مستوى عالياً من التفاؤل لأن العالم ليس كله جهاز كمبيوتر, وكلما جاءت تقنية جديدة سحبت الأضواء مما سبقها, والشعر قضية فطرية في أعماق البشر فالطفل يغني قبل أن يتكلم اللغة, وهذا الشعر لن يموت, لأن كل شعب يحب لغته كلاماً وشعراً, ولغتنا العربية لم تكن عصية على التنوع الفني, بل هي لغة عصرية ذات قيمة استعمالية في الكتابة أو الحديث, والشعر ليس للأجداد فقط بل هو لغة الحاضر والمستقبل, وهو أكثر حياة من باقي الآداب, عندما يكون نهجاً شعرياً آخذاً الأصالة دون شوائب.‏

في الباب الثاني يبحث الكاتب في مضمون شعر الأطفال حيث الألفاظ والتراكيب والخيال والصورة الشعرية, وهي خصائص الشعر بما هو شعر وما يميزه عن شعر الكبار.‏

اللغة في الشعر تصبح قالباً مثيراً للخيال نحس بوقعها في مفاصل القصيدة بمفردات محددة للأطفال, وأنماط لغوية بدءاً من سن ما قبل المدرسة. تتسم بالسهولة والبساطة وشعراء الأطفال في سورية كانت اللغة عندهم ذات أولوية مهمة, فجاءت عثراتهم قليلة واهتمامهم باللغة كقيمة فنية للعمل الأدبي حقق قيمة جمالية ضمن منظومات الدلالة (اللغوية ـ الإيقاعية ـ التصويرية).‏

وفي الخيال الشعري ميز الباحثون بين أمرين هامين الأول دراسات اعتمدت على التحليل النفسي, وهذا يدخل في نطاق البحث التربوي والنفسي, والثاني الخيال الأدبي بصفة عامة كونه وسيلة لاكتساب الثقافة, وأسلوب لتجسيد عناصرها الفنية, والأطفال يقبلون على الصور الخيالية أكثر من إقبالهم على الصور الواقعية وهذا نابع من نبل مشاعرهم وسمو عاطفتهم وطهارة طويتهم, ونقاوة سريرتهم, والشاعر هو من يبعث الحياة في كل الموجودات المحيطة بالطفل, ويمزج الواقع بالخيال في اختيار يتوسل تفاصيل الطبيعة كي يقذفها عبر مخيلته المفعمة بالدهشة والغرابة تتشارك فيها حاسة السمع والأذن, ملامساً واقع الطفولة ومستوى أفكارها, ومدى تقبل كل سنة من المراحل العمرية للقيم الجمالية والتعبيرية, ويؤكد الباحث قرانيا على أنه يجب وضع معاجم لمفردات اللغة الطفلية وإيجاد حلول لخيالاتها حتى لا يبقى الشاعر معتمداً على نظرته الذاتية وتجاربه الشخصية.‏

الطفل المتلقي قد يصبح مبدعاً آخر سواء للنص أو شاعراً في المستقبل, ومن هنا تنبع أهمية الصورة الشعرية, فحرية الخيال هي التي تبني شخصية قادرة على الإبداع, وهناك الكثير من الدراسات حول الصورة الشعرية وتحديد سماتها سواء أكانت تقليدية أم حديثة رمزية والتي أعطت القصيدة تطوراً واسعاً, ثم هناك الذهنية المعتمدة على التجريد.‏

ويعمد الباحث إلى دراسة نماذج من الصور الشعرية لشعرائنا باعتبارها روح التجربة الإبداعية وبؤرة تشكلها الجمالي الذي يحدد الدلالة المعنوية للكلمة الشاعرة بكل مالها من علائق داخل البناء الجمالي الشعري, التي تحمل بين أحشائها وثناياها التكافؤ والمبالغة والمجاز.‏

الشعر في هذا السياق يكون أقرب إلى اللوحة التشكيلية مجسدة تجسيداً فنياً بإيماءات اللون. تستطيع أن تعانق كل شيء باعتباره صديقاً للطفولة, وتصبح المفردة ذات مدلول عاطفي دافئ ومنمية قدراته على الملاحظة الدقيقة مدركاً أن وجوده مرهون بالآخرين والكائنات الأخرى, ويرى الباحث قرانيا أن للكلمة المكتوبة المفعمة بقيم الحق والخير والجمال تأثيرها المرجو في نفس الطفل.‏

من الإشكاليات التي يعاني منها شعر الأطفال الوزن والإيقاع, وهي إشكالية لا تنهض إلا في العلاقة بين النص والمتلقي, فالقصائد المصاغة على بحور الخليل القصيرة السريعة والتي تسمح للطفل أن يستريح مع كل قافية هي التي يقبل عليها أكثر من إقباله على البحور الطويلة, بينما يعاني الشعر الحديث من خفوت في إيقاع الحركة والصوت والدلالة, ولكن شعراء الحداثة دافعوا عن تنوع الوزن الواحد, بأنه يمنح النص حرية أكبر, والطاقة الإيقاعية الموجودة داخله نابضة بالحيوية, وتنوع الوزن أدى إلى تنوع القافية, وإلى دخول الشعر أشكال الحداثة الفنية من الشعر الحر والمنثور والتفعيلة, ويرى الباحث أن على الشاعر المجد أن يوازن بين موسيقا الشعر الخارجية والداخلية في القصيدة الواحدة مستفيداً من ظاهرة التكرار التي تساعد على إبراز قيمة الإيقاع, وإيصال الفكرة مع دلالته الإيمائية, وهذه الظاهرة استدعت من الباحث دراسة متأنية. منظماً إياها في محاورها التركيبية والتواردية, ويرى فيها جرساً خفياً وحساً عميقاً في الكلمات التي يوظفها الشاعر الفنان في توصيل رؤاه وللاقتراب من عالم الطفل بأبعاده اللامتناهية, وهو عندما يعيد خلق الأشياء له وتركيبة الكائنات التي تحتشد فيها أصوات الطبيعة مشحونة بأقصى درجات الكثافة والتوتر الإيقاعي والدلالي.‏

إن القافية نهج شعري قيمته الفنية نابعة من تراثنا سواء كانت بسيطة أم مركبة فيرى أن القافية السطرية وجدت صدى واسعاً لدى الشعراء والأطفال, لأوزانها الداخلية والخارجية المتواترة قابلوا بها موجة الحداثة العارمة.‏

لكنها لم تبق مسلمة ثابتة لا تقبل التغيير, بل لكل قاعدة استثناء, فاتجهوا إلى التجريب في حركة إجرائية نحو الاستقلالية منها, واعتبرها نقاد الحداثة أنها تدخل في خداع التشكيل الذي ينم عن جهل على مستوى التجريب, فكانت هناك التقنية المختلطة بتوزيع القافية الواحدة توزيعاً عفوياً لا يخضع لنظام ثابت, حتى توصلوا إلى القافية الحرة المتقاطعة كلون جديد من التطوير الذي اجتهد عليه الشعراء.‏

هذا الكتاب دراسة متأنية لنماذج من الشعر العربي في سورية حدد الباحث من خلالها مواقع الاختلاف, والاتفاق معهم ويرى أن على الشاعر عندما يكتب شعراً للأطفال أن يتمثل نفسه دائماً وهو طفل ويتذكر ما كان يحبه أو يكرهه, كما أن الطفل يرفض الطريقة المباشرة في مخاطبته, لذلك علينا الدوران بطريقة غير مباشرة من خلال الجمل الشعرية اللطيفة, والأخذ بعين الاعتبار أن الطفل ليس غبياً في الأساس, بل يتمتع بذكاء خارق, وطفلنا اليوم يجمع بين ثقافتين الأصالة والمعاصرة, وعلى الشاعر أن يكون متقناً للغة العربية لكي يختار منها ما يناسب عقل الطفل, وكل شيء قابل لشعره... اللحظات والتفاصيل والجزئيات... من أجل بلوغ الحرية التي هي وجع عالمي يعانيه الإنسان صغيراً أم كبيراً.‏

الكتاب: قصائد الأطفال في سورية‏

(دراسة تطبيقية)‏

الناشر: اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق ـ 2003‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244