|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الوطن ـــ أ.د.حسين جمعة ليس هناك مخلوق على هذه الأرض إلا ولـه وَطَنٌ، ومن المعروف أن كل إنسان في العالم يملك حيّزاً يطمئن فيه على نفسه وأهله وماله، ويرتاح إليه؛ وإذا غاب عنه اشتاق إليه بغض النظر عن انتمائه وجنسه ودينه وطائفته وعشيرته. والوطن ـ في اللغة ـ محلُّ الإنسان مطلقاً ومنزله الذي يولد فيه وينشأ؛ إنه الحيّز الجغرافي الذي يتخذه لنفسه مسكناً يقيم به؛ وجمعه أوطان. واسم المفعول منه الموطن، وجمعه المَواطِن، وتستعمل في معنى الوطن والأوطان والفعل منه كله أَوطن يوطن: أي أقام وسكن، وقديماً قال رؤبة بن العجاج: أَوْطنت أرضاً لم تكن من وطني واسم الفاعل من (وَاطن) المُواطِن، وجمعه المواطنون، وهم أبناء الوطن. أما الوطن بالمعنى الخاص فهو "البيئة الروحية التي تتجه إليها عواطف الإنسان" وهو ـ كما قال فرنسيس فتح الله مراش، المولود في حلب (1836م) والمتوفى بها سنة (1873م) "عند أهل السياسة مكانك الذي تُنسب إليه، ويحفظ حقك فيه، ويعلم حقه عليك، وتأمن فيه على نفسك وآلك ومالك". ويتميز الوطن من الدولة بأنه أكثر خصوصية منها على اعتبار الارتباط ببقعة جغرافية محدودة؛ ثم تماهى الوطن بالدولة عامة؛ والدولة القطرية العربية خاصة؛ لأننا صرنا نميز بين النضال الوطني لكل قطر عربي؛ وبين النضال القومي للأمة، علماً بأن أغلب التيارات الفكرية العربية ترى في تسمية الجغرافية التي تضم الأقطار العربية (الدول) وطناً واحداً يقال له (الوطن العربي). وبهذا بدأت الحدود الثلاثة للوطن تتضح بقوة؛ إذ إن جملة القول ـ كما قال فرنسيس مراش ـ "أن الوطن من موجبات الحب والحرص والغيرة ثلاثة تشبه أن تكون حدوداً: الأول أنه السكن الذي فيه الغذاء والوقاء والأهل والولد؛ الثاني أنه مكان الحقوق والواجبات التي هي مدار الحياة السياسية؛ وهما حسّيان ظاهريان. الثالث أنه موضع النسبة التي يعلو بها الإنسان ويَعزُّ أو يسفل أو يذل، وهو معنوي محضاً" فالوطن ـ وفق هذه الأبعاد الطبيعية والاجتماعية والثقافية ـ لم يعد مجرَّد كلمة جوفاء، ولا كلمة عابرة تلوكها الألسنة وتمضي؛ ولم يعد مجرد تراب أصم لا يحمل من المعاني إلا دلالته المادية؛ إنه التراب /المحلّ المجبول بذكريات أهله وعاداتهم وحياتهم، والممزوج بخبز يومهم؛ والدم الذي يجري في شرايينهم؛ إليه ترنو العيون، وفيهم تهيم القلوب، ومنه تنبثق المعاني الأصيلة وتتطور؛ وله أُلفت أدبيات كثيرة منذ القديم، كما في قول الشاعر:
وقد عبَّر عن ذلك كله (الجاحظ) في رسالته التي تحدث بها عن الأوطان وابن عبد ربه في كتابه(العقد الفريد)، وتعلق به الشعراء ـ مقيمين ـ فتغنوا بسحره الحلال، ووصفوه وصفاً يؤكد حبهم لـه، وـ مرتحلين ـ فحنُّوا إليه حنين الأم الواله إلى أطفالها، وحنين الإبل إلى أعطانها، فانبثق ما عرف بشعر الغربة والاغتراب؛ وشعر الحنين؛ وصانه الناس بأهداب عيونهم، وحرسوه من كل أذى؛ فتفجر من ذرات ترابه قدسية الانتماء الذي تشكل بمفهوم الدفاع عن الأرض والعرض، ومن ثم توهجت على ذراه معاني البطولة والتضحية والشهادة.. إنه الوطن الذي تخضّر في ساحاته مشاعر الوفاء والإخلاص والصدق، وأفكار الانتماء وعطر الحرية وأريج السعادة، وبهجة القيم وأصالتها.. لهذا كله لا يمكن أن يكون المكان الطبيعي مجرّد حيّز جغرافي ينتسب إليه الإنسان سواء تمثل في القرية أم المدينة أم المحافظة أم الدولة أم الأمة؛ إنه الجزء الأهم في كينونة الإنسان وحيويته وتميزه، باعتباره يحمل أبعاداً نفسية وعاطفية واجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية وأخلاقية. فهو ـ وفق ذلك ـ يعبر عن علاقة تبادل فطرية في الانتماء، أي إن المكان جزء من الإنسان والإنسان جزء منه مادة ومعنىً، لذلك قال الشاعر:
إنها العلاقة الجوهرية الحقيقية المستندة إلى الفطرة النقيَّة، والمؤطرة في كل ما يعرف اليوم عن الحقوق والواجبات من خلال ما يسمَّى بالمواطنة القائمة على المشاركة العادلة بين الناس في الوطن؛ وهي مشاركة تتماهى في كرامة الإنسان؛ وتعزز الحفاظ على حياته حراً أبياً، علماً أن الإنسان غالباً ما يفضل وطنه على نفسه كما قال الشاعر:
فالالتزام بالوطن التزام طوعي للإنسان عمقاً وأفقاً؛ لا يقوم على الإكراه، وإنما يعبّر عن العلاقة الدافئة بين طاقة الإنسان الخيّرة، وعناصر الأرض الخيّرة؛ ليظل الوطن كريماً وعزيزاً، يعبّر عن الحب الأصيل للأرض التي أعطته اسمها، وحب الوطن من الإيمان. ولعل من أشد الأمور مرارة في النفس هذه الأيام شيوع ظاهرة المواطنين المرتزقة الذين لم يعد لديهم هَمٌّ إلا النيل من هذا الوطن واستحلاب خيراته رشوة وسرقة؛ فساداً وإفساداً فضلاً عن أنهم يلوثون هواءه، حتى تتضخم أهواؤهم كتضخم حجم نفاقهم... فالمرتزقة في الوطن لا يحبون إلا ذواتهم، ليس بينهم وبين وطنهم وأبنائه علاقة حبّ وأخوّة وصدق وإخلاص؛ إن علاقتهم به مجرد علاقة تجارية. وعلاوة على هذا كله فهم أكثر الناس ثرثرة وتلوناً، تراهم يميلون مع كل موجة ونسمة، ونغمة، وصبوة، وإذا ما تأملناهم رأيناهم يغيّرون أفكارهم ومشاعرهم مع كل ثقافة قادمة من وراء البحار تحت مزاعم واهية وعجيبة. لهذا صمُّوا آذاننا بالحديث عن كرامة الإنسان وحريته؛ وحقوقه؛ بل فصلوا بين كرامة الإنسان والوطن، وفصمُوا عُرى العلاقة بين حقوق الإنسان في وطنه والواجبات التي يلقيها عليه التوازن بينها والتفاعل الخلاق بينه وبين أرضه ومجتمعه، ما أدى بنا إلى أن نسمع بأن السيادة الوطنية ليس لها شأن بكرامة الإنسان، وإنما تتعلق هذه الكرامة ـ فقط ـ بالحقوق المجردة للإنسان. وتعدّ هذه الدعوة من أخطر الدعوات في عالم اليوم، لا يضاهيها خطورة إلا تلك التي تربط الوطن بالدعوات الدينية أو الطائفية أو المذهبية أو العشائرية، أو الفئوية، أو.... وإذا كانت الدعوات المضللة والمزيفة قد نجحت ـ إلى حدّ ما ـ في فصم عُرى العلاقة بين الهوية الصُّغْرى لعدد من أبناء العربية وبين انتمائهم الأرحب إلى العروبة؛ فهل ستنجح في فصم العلاقة المتينة بين المواطن ووطنه (بيته ـ دولته)؛ ومن ثم قتل روح التضحية في سبيله؛ ليكون إنساناً متمدناً يرضى بما يقدمه الآخر لـه؟ سيبقى هذا السؤال يتردد في أذهان الأحرار الشرفاء من أصحاب الضمائر الوطنية المخلصة؛ في الوقت الذي يتردد في أذهان أولئك الذين يتاجرون بالوطن والمواطن للوصول إلى مآربهم الخاصة ومنافعهم الذاتية. لهذا نتساءل: من سيفوز في نهاية المطاف؟!. | |||||||||||||||||||||||||||