جريدة الاسبوع الادبي العدد 1012 تاريخ 24/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

في العقل والفروق الفردية ـــ أحمد برقاوي

إذا كان الأفراد يحوزون على ما هو مشترك من وحدة الدماغ والخبرة أو التجربة ـ وهنا استخدام المفهومين بمعنى واحد ـ فإنهم يختلفون في تعين هذا الأمر, يختلفون في فاعلية العقل المتكّون من هذه العلاقة الترابطية.‏

والحياة تبرز لنا هذا الاختلاف من حيث المواقف والخيارات والأخلاق والمعتقدات والقدرات, والاهتمامات. في الحياة الشاعر والفيلسوف ورجل الدين والعالم والإنسان العادي والرياضي والرسام, والمناضل والمخبر والمؤمن والملحد والشاك... الخ. أقول في الحياة كل هذه الأنماط موجودة وفي كل مجتمع, وعلى مستوى البشرية, بل إن ردود الفعل التي تبدو مشتركة لدى أفراد مجتمع من المجتمعات تبدو متفاوتة داخل المجتمع من فرد إلى آخر.‏

السبب هو أن اختلاف العقول يعود إلى اختلاف تعيَّن وحدة الدماغ والخبرة (التجربة).‏

ومرة أخرى لا أدري ما إذا كانت هناك فروق فردية خُلْقية أم لا, كل ما أدريه أن هناك فرقاً بين بني البشر. أجل هناك فروق من حيث القدرات العقلية, فالعبقري والسوي والغبي والذكي حالات نعرفها من آثارها.‏

وفي كل الأحوال العقل تجربة عامة تجربة فزيولوجية اجتماعية ـ ثقافية.‏

النتيجة المترنية على ذلك أن التفكير بوصفه حالة فردية هو ثمرة هذه التجربة الكلية.‏

لكن ما معنى أن التفكير حالة فردية! إذا كانت التجربة كلية. أي وحدة الدماغ والخبرة؟‏

إن فعل التفكير نفسه هو فعل فردي ينطوي على تجربة كلية, أو قل إنه تجربة فردية مؤسسة على تجربة كلية.‏

فعندما نقول أن العقل هو وحدة التجربة والدماغ فهذا لا يعني أننا نوحد بين التجربة الكلية والتجربة الفردية.‏

إذ لو كان الأمر كذلك لتشابه كل أفراد مجتمع ما في أغلب مواقفهم وردود فعلهم. وقائلٍ يقول: أننا نجد تشابهاً فعلياً بين أولئك الذين ينتمون إلى مجتمع واحد. نعم هذا صحيح من حيث العادات والتقاليد والقيم العامة. ولكن هل ينفي هذا التشابه الفروقات في القيم الفردية والمواقف الفردية والأفكار الفردية والقابليات الفردية.‏

فما الذي ميز الغزالي عن ابن سينا, وما سبب الاختلاف بين من يثور لكرامته وبين من يبوس يد جلاده؟‏

ما الذي جعل هذا الشخص رافضاً لتقاليد مجتمعه وآخر محافظاً إلى أبعد الحدود, لماذا هذا الفرق الشاسع بين طوني بلير وبين غلوي.‏

فنحن لو جارينا القول إلى مداه بأن البشر متساوون في وحدة الدماغ والخبرة, لترتب على ذلك: غياب مسؤولية الفعل, وغياب حرية المواقف وعدم القدرة على فهم التمايزات بين البشر.‏

وأنا هنا لا أتحدث عن تمايزات خِلْقية, ربما هنا تمايزات من هذا القبيل, ونحن بالتجربة نعرف التمايزات بين الأطفال في أسرة واحدة, لكني أتحدث عن تمايزات واقعية هي ثمرة القابلية الفردية لتعين وحدة التجربة (الخبرة) والدماغ. "التعليم جزء من التجربة".‏

هذه القابلية الفردية هي ثمرة حرية الإنسان الناتجة عن وحدة الدماغ والتجربة, وثمرة استعدادات يوفرها الجسد, وقد وجدت طريقها إلى الحياة.‏

النتيجة: إن التفكير بقدر ما هو عام, أي أن جميع البشر يفكرون, والتفكير بما هو مشترك في مظاهره, فإنه حالة فردية أيضاً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244