جريدة الاسبوع الادبي العدد 1012 تاريخ 24/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

هل قرأت هذه الكتب؟ ـــ عزيزة السبيني

الشخصية الإنسانية في الفكر الإنساني‏

ـ يتناول كتاب (الشخصية الإنسانية في الفكر الإسلامي) مفهوماً واحداً من مفاهيم علم النفس وهو (الشخصية), ويبحث في مراجعة التراث الإسلامي لبيان كيف ورد هذا المفهوم في التراث, وكيف تعامل معه علماء الأمة.‏

بداية رأى الكاتب أن ما نعانيه اليوم من صعوبة وتعقيد في دراسة النفس الإنسانية إنما يعود لسببين:‏

أولهما: ظهور مصطلحات جديدة في التراث الإسلامي تتعلق بالنفس الإنسانية, وتتداخل معها في معنى منشطر عن النفس, فكان الحديث, قبل الإسلام, عن ثنائية الجسد والنفس, ثم جاء القرآن الكريم ليضيف مفاهيم ومصطلحات جديدة, فازداد تداخلها ببعضها بعضاًً من ناحية, وبرزت مشكلات لغوية وعلمية في تحديد كل منها من ناحية ثانية.‏

ثانيهما: أن العالم المسلم ما كان ليخرج عن نصوص القرآن والسنة التي أدخلت الكثير من المفاهيم النفسية, وبذلك تحدد العالم المسلم بإطار نظري رسم معظم معالم منهجية دراسة النفس والشخصية الإنسانية في التراث الإسلامي مبتعداً عن المنهجيات النظرية الرواقية الإغريقية والمادية التي سبقته.‏

ولأن الاجتهاد كان سمة العصر الحضاري الإسلامي, فإن موضوع دراسة النفس الإنسانية في التراث الإسلامي دخل في مجال ذلك الاجتهاد أصولاً وفروعاً ومتعلقات وقد اعتمد الكاتب في دراسته للشخصية الإنسانية عند العلماء المسلمين من خلال أربعة أبواب حيث سعى في الباب الأول لتحديد المصطلحات والمفاهيم الأساسية ابتداءً بالنفس الإنسانية, التي اعتبرها القاعدة لتحديد مفهوم الشخصية الإنسانية, على الرغم من تداخل المفهومين, وإمكانية الإحلال بينهما, وخاصة في المفهوم الإسلامي, والمرور بين مفهومي النفس والشخصية الإنسانية على مفاهيم تتداخل معهما وهي القلب والعقل والدماغ, وخلص الكاتب إلى التركيز على مفاهيم تتداخل معهما وهي القلب والعقل والدماغ, وخلص الكاتب إلى التركيز على مفهوم الشخصية الإنسانية ومدلولاته في التراث الإسلامي, وتحديد ماهية الشخصية الإنسانية التي لم تكن إلا تجسيداً للثوابت المرجعية, والمرتكزات الأساسية في التراث الإسلامي, والذي انعكس كلاً أو جزءاً, مباشرة أو غير مباشرة, استنباطاً أو استدلالاً لما كتبه العلماء المسلمون عن النفس أو الشخصية الإنسانية.‏

وفي الباب الثاني, تناول الكاتب محددات الشخصيات الإنسانية في التراث الإسلامي من خلال دراسة الفطري والمكتسب من هذه المحددات, وعلاقتها بمراحل نمو الإنسان, والخصائص والسمات الإنسانية المشتركة والقومية (أو المجموعية) والمتفردة منها, والبواعث أو الدوافع الإنسانية التي يراها العلماء المسلمون وراء السلوك الإنساني, وخاصة بواعث الهوى والشهوات والملذات.‏

ثم تناول في الباب الثالث مفاهيم استواء الشخصية الإنسانية وانحرافها في التراث الإسلامي من خلال دراستهم لصحة النفس, وصحة القلب وعللهما أولاً, وصحة الجسم من الأمراض النفسية ثانياً, والأمراض النفسية والعقلية التي شخصها التراث الإسلامي ثالثاً, والمنهج الإسلامي الوقائي من المرض والانحراف رابعاً, وأخيراً المنهج الإسلامي لتربية النفس وترويضها وتقويمها, والتسامي بها نحو المكارم والفضائل, وفي الباب الرابع, حاول الكاتب الإجابة عن سؤال مطروح في ميدان أسلحة المعرفة عموماً, وعلم النفس على وجه الخصوص, وهو: هل من نظرية أو نظريات للشخصية الإنسانية في الفكر الإسلامي؟ مع احتمال ألا تكون هناك نظرية أصلاً, مع التحفظ على أن المفاهيم التي طرحها العلماء المسلمون في هذا المضمار مختلفة اختلافاً كبيراً عن المفاهيم الحديثة المتأخرة عنها, ابتداءً بالإطار النظري الذي انطلقت منه, وانتهاءً بالوصف والتعريف والتحليل والاستنتاج.‏

هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى, فقد رأى الكاتب أن العلماء المسلمين الذين نقل عنهم كتابه هذا لم يكونوا علماء نفس أصلاً ـ في مفهومنا لعالم النفس اليوم ـ بل كانوا فقهاء وفلاسفة وأطباء ومتصوفة وأدباء وشعراء وغيرهم. لذلك فإن تحديد الإطار النظري للنفس الإنسانية في التراث الإسلامي كان محاولة تجميعية توفيقية أولاً وتحليلية استنتاجية ثانياً.‏

وفي تعليقه على مفهوم (العلماء المسلمين) أو (التراث الإسلامي) زمنياً, فإن الكاتب اعتمد على التراث الإسلامي الأول, وهو الذي يمتد من بداية القرن الثاني للهجرة إلى نهاية القرن الثالث عشر للهجرة تقريباً. ورغم أن التركيز كان على القرون الستة الأولى, إلا أن الكاتب حاول أن يتتبع ما كتب متأخراً مستثنياً الكتابات الحديثة والمعاصرة.‏

وختم الكاتب بحثه بأهمية العودة إلى التراث الإسلامي في دراسة الشخصية الإنسانية.‏

لأنه لم يدع مجالاً إلا وكان له فيه بعض الأثر, وكانت له في كل ما ترك نظرة ثاقبة.‏

حيث توصل إلى الكثير مما نعرفه أو نتكلم به اليوم سواء فيما يتعلق بتكوين النفس أو طبيعتها أو محددات شخصيتها أو بصحتها النفسية واستقامتها وتربيتها.‏

لذلك فقد تحققت قفزة علمية موضوعية تحليلية رائعة في مجال النفس على يد العلماء المسلمين, وقدموا للحضارات اللاحقة معلومات وتصورات وتحليلات كان لها أثر كبير في إغناء الدراسات النفسية وتطويرها.‏

* الكتاب: الشخصية الإنسانية في الفكر الإسلامي.‏

* المؤلف: د. نزار العاني.‏

* الناشر: المعهد العالمي للفكر الإسلامي/2005.‏

الاستشراق في الفكر العربي‏

ـ يتناول الدكتور محسن جاسم الموسوي في كتابه "الاستشراق في الفكر العربي" حضور الاستشراق في الفكر والثقافة العربيين خلال العقود الأخيرة, من خلال نمط آخر من الحوار يقوم على الاتهام والخصومة وذلك في كتابات أنور عبد الملك, وإدوارد سعيد التي كان لها حضورها الفعّال في السنوات الأخيرة.. وتبدو أولى الملاحظات التي يألفها القارئ عند قراءة ما كتبه الملك وسعيد في الرغبة الشديدة لديهم لمواجهة الاستشراق وتشريحه وتمزيق تاريخه ورموزه وفضح آلياته وبناه.‏

ورأى المؤلف أنه بينما كان الجيل الرائد في التحاور مع المستشرقين والرحالة والساسة معنياً بثنائية التقدم والتخلف لصدّ التهمة الموجهة للديانة, كانت الأجيال اللاحقة معنية بأمور أخرى. وفي الوقت الذي اقتصرت فيه أحاديث الجيل الأول للدفاع عن الديانة في إطار علاقتها بالتقدم والتخلف, أي بثنائية الخطاب الاستشراقي التي كانت أيضاً, جوهراً في الخطاب السياسي. وأدرك الشيخ محمد عبده حينها أن المعرفة المرافقة للغلبة السياسية لابد من أن تقود بشكل أو بآخر إلى هيمنة حضارية للغرب على العرب والمسلمين ما لم تواجه باحتواء معرفي مقابل, وتصدٍّ عقلاني لفرضيات الخطاب المضاد في آن.‏

وتختلف الحال في ثلاثينيات القرن الماضي لا لجهود طه حسين, وعلي عبد الرزاق, ولكن لأن الوجود الفعلي للاستشراق في الحياة الثقافية العربية كان مؤثراً وممتداً.‏

فأصدر العقيقي كتابه "المستشرقون" في العام 1937, الذي قيل عنه (الإطار المعتدل الأوسع لوجهات نظر المثقفين العرب), وبينما كانت مثل هذه الأفكار تتكرر في المحيط الثقافي العربي, كان بعض الكتاب العرب يستعيدون أفكار "رينان" ويناقشونها على أنها جزء من فكر عربي مغاير معني بالمشرق, ورأى الدكتور الموسوي أن المناقشات التي جرت في سياق المرجعيات الجديدة, لم تكن محددة كتلك التي شهدتها النهضة, مكان "عازوري ونجيم" يشيران إلى مرجعية فرنسية ينقسم الوطن بموجبها إلى /سامي وآري/, بينما كان آخرون أمثال جرجي زيدان وأدمون رباط, وإبراهيم اليازجي, يستعينون بمرجعية انكلو ـ سكسونية, يرون بموجبها ما يراه "بلانت" في أن العرب قادوا النهضة الإسلامية.‏

وهذا الرأي يكتسب رواجاً كبيراً بين المثقفين العرب, وذلك منذ ظهور كتاب "ستودارد" (حاضر العالم الإسلامي) الذي علق عليه شكيب أرسلان بعشرات الملاحظات التي كان لها تأثير كبير في الكتابات القومية اللاحقة؛ وإذا كان أرسلان قد التقط أفكار "ستودارد" ليمضي في تطوير فكرة النهضة والتراجع وجدليتها في التاريخ الإسلامي, لم ير ما يستوجب الحوار في العلوم الصرف والتطبيقية التي يحتاج إليها المجتمع العربي. وفي إطار المناقشة في الإنسانيات فقد سعى للاستعانة بأفكار "دنت, ولانس, وبديغوبينو" في الرد على الآخرين, لكنه أهمل الأفكار الخاصة بما يسميه (العالم العربي الإسلامي السكوني) وهي أفكار ترى حياة مغايرة ونمطاً فكرياً متبايناً مع الغرب, الأمر الذي أدى إلى تحليلات جديدة من الكتاب العرب للحاضر العربي عندما سعوا لتقديم مشروع للنظرية القومية, يتناول القومية والأمة والدولة واللغة, كما فعل قسطنطين زريق, وساطع الحصري, وعبد اللطيف شرارة وغيرهم, ووجد الكاتب أن الجانب المعقد لسوسيولوجيا التاريخ والمجتمع كان مغيبّاً عن كتابات كهذه!! ومهما تنوعت اتجاهات الاستشراق ومناهجه وتعددت مداخل المثقفين العرب نحوه, فإن قضية الحوار والتفاعل لم تعد مسألة أكاديمية فقط, كما أنها ليست ميداناً للخصومة والاتهامات, بل هي ميدان معرفي له أثره الفعلي في تكوين الرؤية العربية الإسلامية, والرؤية الغربية المتعددة, ولم يكن الفكر العربي المعاصر في تاريخه مجرد بناء للحاضر, أو استرجاع متنوع لنغمات الماضي, بل كان في أغلبه مشدوداً إلى المادة الاستشراقية ورموزها مستعيناً بهذا المنهج وطارحاً للآخر, لكنه كان يرى دائماً في (الوسيط) الغربي استشراقياً, سبيله إلى معرفة ذاته. في حين كانت النخبة الفكرية تنمو متحاورة ـ مؤتلفة أو متخالفة ـ لتوجد بناها المنطقية, كانت النخب الأخرى معرضة لمخاطر التوظيف العملي للمادة المتداولة, سياسية أو فكرية, لتستسهل لنفسها بناء منظومة ما من الأفكار سرعان ما تتهاوى هي الأخرى, جراء عدم الإحاطة ببقية المنظومات لدى الآخرين. لقد كانت الاستهانة بالآخر مشكلة عند بعض المستشرقين, لكنها ظهرت أيضاً, عند بعض جماعات المشورة في الوطن منذ زمن, على الرغم من أن الواقع يحتم معرفة الذات أولاً, قبل مطالبة الآخرين بهذه المعرفة, ويبقى موضوع الاستشراق في الفكر العربي خاضعاً لمزيد من القراءة والجدل والصراحة والنية المخلصة, والمعرفة المتعددة الاتجاهات والاهتمامات.‏

* الكتاب: الاستشراق في الفكر العربي.‏

* المؤلف: د. محسن جاسم الموسوي‏

* الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب/2005‏

لعبة السؤال في فضاء الشعر‏

ـ يستطيع أي قارىء لديوان الشاعر السعودي (عبد العزيز محيي الدين خوجة) الصادر حديثاً عن دار بيان. إدراك كاتب هذا الشعر لسبب يكمن في لغة الشاعر, وأسلوبه المميزين اللذين نهلهما من السريالية أولاً, وإلى حدسٍ نظيف خالٍ من شوائب الأنا, وإثبات الذات ثانياً, فنراه يشتغل حيناً على لغته, وأحياناً أخرى يعمل على موضوعه وفي ذلك قوله:‏

وفقاً يا أوراق التوتْ‏

لم يبق كثير يستر عوراتي‏

سقطت هامات السطوة والجبروت‏

دحرجها العار على الطرقات‏

وانقشعت أستار النور الزائف عن ظلماتي.‏

في القراءة الأولى للديوان يبدو لنا الشاعر وكأن لديه نوعاً من التباهي التعبيري.‏

حيث يجيد إتمام جملته الشعرية في سطر مستقل, وكأنه أراد بذلك أن يعيد الشعر إلى النبرة, والنبرة إلى مكانها في النطق, ونراه كذلك لا يتوقف في الكتابة عند حدودها البصرية, والذهنية, بل يعمل على موضوعه اللغوي بما يحوله إلى آلية خطاب تنقسم في ظاهرها, إلا أنها في الوقت نفسه وحدة لا تنفصم عراها:‏

نامي على حلم الفراشة في وجيبي.‏

واسكنيني‏

كفكفي دمع البراءة في عيوني.‏

هدهدي خوف الطهارة في دروبي‏

عربدي‏

فضي بكارة ما تراكم من سنيني‏

وانثريني‏

شعلة في المدى‏

إني سئمت رتابتي وبراءتي وطفولتي‏

في القصائد الأولى يقول الشاعر كنوع من المقدمة (أين القصيدة, أين ملهمها, بكت الحروف وهزني الشجن) ومن ثم يقترب شيئاً فشيئاً من أولياته الشعرية حيث (ما بين سربي والرفيق, خفق الجناح, لكنه زمن الفراق, لم يبق في حلم الليالي غير أنات الجراح) كيف يمكن لهذه التوصيفات المتناقضة ظاهرياً, المتوحدة من الداخل أن تمارس لعبة السؤال في فضاء الشعر أو كيف لها أن تتحسس عالم اللغة ضمن ما تقدمه من هوية كهذه التي تكاد تلتصق بالمشاعر والزمن؟!‏

بالطبع, فإن مثل هذه المشاعر ستترك أثراً ودياً عند القارئ لأنها تحمل شيئاً من متاعب الاختلاف التي تصيب الإنسان المتنور في أي مجتمع, والقصائد بمجملها تجسد هماً وانحصاراً ذا طابع اجتماعي معرفي, وهذا الانحصار لسان حال شريحة مثقفة بالدرجة الأولى, وهذه الشريحة ستكون تبعاً لتنورها, واختلافها, عرضة للاصطدام الفوري مع واقع الأمر, فجاء التعبير بصيغة المتكلم كمفرد يمحور حوله توتراً جماعياً ذا طابع نخبوي:‏

أتعبتني... وركضت خلف لهاثك المسعور في عبث السراب.‏

لا حول لي.. الوهم يأخذني إلى دنياك في درب الضباب.‏

يمتلك هذا المقطع قيمة تتجلى بقابليته لإنتاج أضداده, إلا أن لعبة الثنائيات لم تخسر كل جاذبيتها, بل لأن المقطع نفسه تكثيف لأزمة شعرية حادة, فالمقطع ليس تجسيداً كاملاً لها, بل إشارة إليها, وتوضيحاً مفهوماً لشكلها, فبمجرد قراءته يأخذك تفكير اللغة ملتفحة بالشعور, برموز لغوية, فلسفية (الوهم ـ الضباب ـ السراب ـ الاغتراب) وفي الوقت نفسه نقرأ في شعرية عبد العزيز خوجة استعلاءً على تفكير اللغة الذي نؤمن به, كذلك لم ننج من استخدامه الساحر لتراتبية القوافي وحركة التفعيلة لديه, مع أنه حاول الإيقاع بنا منذ الصفحات الأولى لديوانه في التقاط الحياة والشعور والحدس, وسنجد عشرات الصفحات من أوراقه مسكونة بإغراءات التجربة الفردية.‏

وتتالى قصائد الديوان (الصهيل الحزين) و(العباب), و(جفّّ السؤال) وصولاً إلى العنوان (صرخة):‏

قهر لهذا النخل أن يهوي انحناءً وامتثالاً للرياح‏

قهر لهذا السيف في الغمد المغيب لا يرد على الجراح‏

لا ليل يسعفني أغوص بعمقه خجلاً إذا انبلج الصباح‏

حيث كدنا نظن أن الشاعر قد أرهقنا بتفصيلاته لأنه على يقين بما يخبئه لنا في آخر المطاف, تماماً كجنة بعد شقاء أرضي يومي!!. وهذا ما يتأكد بالفعل, ولم يعد مجرد ظن, حيث يتحول الفقدان الوجودي إلى قبض على بنية كتابية خاصة, ومتقنة حاملاً معه الإيقاعات وتراتبيتها, وحاملاً كذلك ذاك الميل التقنوي واضعاً الشعرية أمام مرآة تتملى فيها ذاتها عندما نقف أمام "أسفار الرؤيا" هذا هو الفيضان التعبيري, والذي استطاع الشاعر فيه أن يتخلص من أعباء تطابق الشيء بالكلام, ويعوّم الأزمة الفقدانية على أنها ولادة, وبداية الكلام, بل نهايته.. لأن "أسفار الرؤيا" هو في الجهة القصوى من الروح, حيث لا تعود الكلمات مرتهنة للأشياء, واليوم والأشخاص, بل تعود حاملة الفقدان على أنه "النقص الذي هو الذروة" بناء على قول الشاعر الفرنسي (ايف بونغوا).‏

من خلال قراءتنا السريعة للديوان, نرى الشاعر استطاع وباقتدار الخروج من قبضة جدل الحداثة خروجاً واضحا, وجريئاً, فنحن إذاً, إزاء تجربة واضحة غير مُدّعية تيسر لها الخروج من جدل الحداثة من خلال اتجاه متعمد إلى القول والتدخل بمعزل عما يفترضه جدل الحداثة من أسئلة داخل الشعر نفسه, وبذلك نقل الشاعر القلق الشعري من عمل داخل اللغة إلى نشاط في مضامينها, فحسمت المسألة بالنسبة إليه في الاختلاف النسبي في الشكل, وعدم الانسياق خلف ضرورات التغيير الذي طالبت به حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر, فكانت تجربته الشعرية تجربة في المعنى تتحول معها اللغة إلى وسيلة وأداة تعبير.‏

* الكتاب: ديوان عبد العزيز محيي الدين خوجة‏

* الناشر: دار بيسان ـ بيروت ـ 2005.‏

ما بعد الحداثة‏

دراسة في المشروع الثقافي الغربي‏

مع ظاهرة العولمة وظهور ما يعرف بالقرية الكونية والفضاء الرقمي, والإمكانات المتصاعدة لارتحال الوعي خارج حدود الجغرافية, وضغط الزمن في إطار التسارع التاريخي, وقوانين التعجيل الوجودي الجديد. لابد أن يتصاعد تأثير الطروحات المجتمعية, والفكرية الجديدة في الغرب على الأطر الإيديولوجية والفلسفية, كما هو الحال في واقع المجتمعات غير الغربية, ولابد لهذه المجتمعات ونخبتها المستهلكة والمنتجة للسلع الفكرية والثقافية من أن تجتهد بحثاً لفهم ما ينتجه الغرب, والمبادرة لخلق آليات التعامل معه إيجاباً أو سلباً, والحداثة بطبيعة الحال لم تكن وليدة لحظة معينة, وإنما تعود لمراحل تاريخية عديدة, أسهمت في تشكيلها وبلورتها في شكلها الحالي.‏

هذه المراحل التاريخية هي الوليد الشرعي لمشروع الحداثة الثقافي الذي يخاطب بالأٍساس الإنسان الأوربي, لكونه نبع من نفسيته, ونما في بيئته.‏

اعتمد الدكتور باسم علي خريسان في كتابه "ما بعد الحداثة" على تقسيم بحثه إلى أربعة فصول, تمثل الثلاثة الأولى منها أربع حلقات فكرية متتابعة ومتداخلة في الفكر العربي.‏

وكل حلقة منها مكملة للأخرى, حيث عالج في الفصل الأول موضوعي الحداثة والبنيوية, في بحثين: تناول في الأول, الحداثة من حيث الجذور والمعنى والآثار والأبعاد, فوجد أن الحداثة في إطارها الغربي لم تعد المرجعية الفكرية التي تحكم الغرب فقط, حيث أخذت بفعل عوامل عديدة, تفرض نفسها على مجتمعات العالم المختلفة لتشكل تحدياً جديداً لها, فمصطلح الحداثة مثل غيره من المصطلحات يستدعي الكثير من الأسئلة والإجابات المتعددة, المرتبطة بميزة هذا المصطلح, وواقعه الاجتماعي.‏

أما في البحث الثاني فقد ركز على الحركة البنيوية كحركة فكرية توافرت على قدرة في توفير الزاد الفكري لاستمرار المشروع الثقافي العربي, بعد الانسدادات التي أخذ يعاني منها بفعل تراجع الأسس السابقة التي استند إليها في القيام بذلك, والبنيوبة بتأكيدها المفرط على العلمية استطاعت الحد من النزعة الإيديولوجية التي أخذت تجتاح العلوم الإنسانية حيث كانت تنشد إرساء عقلانية جديدة تبلغ مداها الأقصى في واقعية التحليل, وموضوعية التقويم, وعملية الأحكام إضافة إلى تمكنها من الإسهام في تطوير الحقول المعرفية والمنهجية, من خلال تبنيها للمنهج اللغوي البنيوي في دراستها المتنوعة, وهي استطاعت بذلك أن تقلل من هيمنة المنهج التاريخي في تفسير ظواهر هذا المنهج, مقابل تلك الإيجابيات التي توافرت عليها البنيوية, أثير العديد من المآخذ عليها, فالبنيوية في سعيها الحثيث لتقويم الاعوجاج الذي أصاب الحداثة, لم تعمل أكثر من البناء داخل إطار الحداثة نفسها, والعمل على مهاجمتها من الداخل, وعلى صعيد آخر وقعت البنيوية في خطأ الدراسة المجزأة لاعتمادها على جانب واحد من جوانب الحياة باعتبارها اللغة مرجعية شاملة للتحليل والتفسير.‏

وفي هذا رأى الكاتب أن البنيوية قد تطرقت في إقصاء الذات والعقل والتاريخ, مقابل تطرف فلاسفة التنوير في تمجيدها, ما جعل غارودي يصفها (بفلسفة موت الإنسان) ومع البنيوية استطاع المشروع الثقافي العربي, إسدال الستار على جميع ممارسات الإنسان الخلاقة, وطمس مسألة أساسية: "هي أن كل تحليل موضوعي وملموس لظواهر إنسانية, لا يمكن أن يستغني نهائياً عن أخذ العامل البشري بعين الاعتبار".‏

وانتقل الكاتب في الفصل الثاني لدراسة موضوع ما بعد البنيوية "التفكيكية" من خلال بحثين:‏

الأول: تناول فيه الثورة الطلابية في العالم, وخاصة في فرنسا وأثرها في بروز الحركة التفكيكية, حيث تمكنت هذه الحركات من أن تؤسس وعياً جديداً يعبر عن مصير الإنسان الحر بعيداً عن الانتماءات الطبقية التي سجنت الواقع والفكر في تلك المجتمعات, وعياً تتحول معه الذات بصورة مستمرة في مطاليبها الذاتية إلى مطاليب عامة, وهي قضية تعبر عن طموح طبقة المثقفين بنظام اجتماعي جديد, يكون الإنسان في ظله قادراً على تحقيق استقلاله في تقرير مصيره بحرية مطلقة. وللتفكيكية دورها السياسي أيضاً, من خلال قيامها بتعرية المنطق, والمرجعية التي يستند إليها النظام السياسي والاجتماعي في صيانة وممارسة وجوده المادي.‏

في حين جاء الفصل الثالث لدراسة ما بعد الحداثة من حيث المفهوم والمعنى, واختلافها عن الحداثة وتسميتها "الحركة المابعدية" والتي تشمل موضوعات متنوعة "ما بعد البنيوية, ما بعد الماركسية ما بعد المنهجية, ما بعد العولمة, ما بعد العقلانية, ما بعد الصهيونية" هذه الحركات على الرغم من تنوعها, إلا أنها تلتقي حول فكرة أساسية, وهي التوقف بشأن ما هو مطروح من أفكار وأيديولوجيات للقيام بعملية مراجعة شاملة لها.‏

وفي الفصل الأخير, وقف الكاتب على أبرز الأبعاد والتحديات التي تطرحها ما بعد الحداثة اليوم على المجتمعات الغربية بصورة مباشرة, وعلى غيرها بصورة غير مباشرة, فكانت الدراسة الأولى متعلقة بدراسة الأبعاد والتحديات الثقافية والفكرية لما بعد الحداثة.‏

والثانية, دراسة الأبعاد الاجتماعية النفسية, والثالثة دراسة الأبعاد السياسية ـ الايديولوجية, وأخيراً, الأبعاد الاقتصادية.‏

ربما يخرج القارئ بعد قراءة "ما بعد الحداثة" باستنتاجات متباينة, وقد نتجادل مع البعض حول ما إذا كانت ما بعد الحداثة أزمة أم مخرجاً من الأزمة, ولكن الشيء المؤكد هو أن الثقافة الغربية تواصل الانعتاق من الأغلال ـ تنطلق نحو التجدد, وما بعد الحداثة, في منظومة هذه الثقافة إطار معرفي وثقافي يتفاعل مع معطيات واقعها الجديد, ويساعدها على البقاء, وإذا كانت الحداثة قد وفرت لها بداية خروج من حدود المرجعيات السابقة والمطلق المتعالي, فإنها في تطويرها وضعت حدوداً لنفسها, وخلقت أسطورتها الخاصة بوحي من عقلانية ارتدت أحياناً, ثوب المقدس, بالمعنى الميتولوجي أو الميتافيزيقي, لتأتي طروحات ما بعد الحداثة فاتحة الباب مجدداً أمام النقد, وإعادة تنشيط حركة الفكر والنقد, وهدم المسلمات التي أقامتها الحداثة نفسها, ربما وصولاً إلى شكل من انعدام المرجعيات يحول دون الوقوع في شرك المطلق حداثوياً كان أم قبل حداثوي.‏

* الكتاب: ما بعد الحداثة‏

* المؤلف: الدكتور باسم علي خريسان‏

* الناشر: دار الفكر/ دمشق 2006.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244