جريدة الاسبوع الادبي العدد 1012 تاريخ 24/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

جوزيف ستالين: حالة سريرية من السادية غير الجنسية ـــ إريك فروم ـ ت.محمود منقذ الهاشمي

الخيار الذي يجب أن يوضع أمام الاشتراكيين هو بين المذهب الديمقراطي والمذهب البيروقراطي.‏

"روزا لوكسمبورغ"*‏

كان ستالين أحد الأمثلة التاريخية البارزة على السادية الذهنية والبدنية على السواء. فسلوكه وصف مدرسي للسادية غير الجنسية, كما كانت روايات ده ساد وصفاً مدرسياً للسادية الجنسية. كان أول من أمروا بتعذيب السجناء السياسيين منذ بداية الثورة, وهو إجراء كان الثوريون الروس حتى زمن إصدار هذا الأمر ينأون بأنفسهم عنه. وفي ظل ستالين فاقت طرق التعذيب التي استخدمها رجال المخابرات في الإتقان والقسوة أي شيء فكّرت فيه الشرطة القيصرية. وفي بعض الأحيان كان يُصِدر الأوامر شخصياً حول نوع التعذيب الذي يجب أن يعذَّب به السجين. وكان على الأكثر يمارس السادية الذهنية, والتي أودّ أن أقدّم بضعة أمثلة توضّحها. وكان أحد الأشكال التي يستمتع بها ستالين هو طمأنة الناس أنهم في أمان, وما ذلك إلا ليوقفهم بعد يوم أو يومين. ولا ريب أن التوقيف يصدمهم بأقسى ما تكون الصدمة لأنهم كانوا يشعرون شعوراً خاصاً بالأمان؛ وإلى جانب ذلك, كان ستالين يتمكّن من التمتّع باللذّة السادية في معرفة مصير الرجل في الوقت الذي يُطمئنه برضاه عنه. ماذا يوجد أكبر من التفوق والسيطرة على رجل آخر؟‏

وها هي بعض الأمثلة الخاصة التي يوردها ميدفيديف Medvedev:‏

قبيل توقيف بطل الحرب الأهلية د. ف سرديتش D. F. SERDICH, شرب ستالين نخبَه في حفلة استقبال, موحياً أنهما يشربان "نخب الأخوّة".‏

وقبل بضعة أيام من القضاء على بليوخر Bliukher, تكلّم ستالين معه بحميمية في أحد الملتقيات. وعندما جاء وفد أرمني إلى ستالين, سأله عن الشاعر "تشارنتس" Charents وقال إنه لن يُمَسّ, ولكن بعد بضعة أشهر تمّ توقيف تشارنتس وقتله. وتحدثت زوجة نائب رئيس دائرة "أورجونيكيدز" الحكومية, أ. سيريبروفسكي ِA.SEREBROVSK? عن مكالمة هاتفية غير متوقّعة من ستالين ذات مساء في سنة 1937. قال ستالين, "أسمع أنك تجولين على قدميك. وذلك ليس جيداً, فقد يعتقد الناس بما يجب ألاّ يعتقدوا به. سأرسل إليك سيارة إذا تمّ إصلاح سيارتك" وفي الصباح التالي وصلت سيارة من مرآب الكرملين لتستخدمها السيدة سيريبروفسكي. ولكن بعد يومين تمّ توقيف زوجها, وقد أُخذ من المشفى مباشرة.‏

وكان المؤرخ الشهير والخبير بالشؤون العامة ي. ستكلوف steklov قد شوّشته كل أعمال التوقيف, فاتّصل هاتفياً بستالين وطلب إليه تحديد موعد للّقاء. فقال ستالين, "حتماً, تعال في الحال", وطمأنه حين التقيا: "ما بالك؟ إن الحزب يعرفك ويثق بك؛ وليس هناك ما تقلق بشأنه". وعاد ستكلوف إلى البيت وإلى أصدقائه وأسرته, وفي تلك الليلة عينها جاءه رجال المخابرات. ومن الطبيعي أن فكرة أصدقائه وأسرته الأولى كانت الاستنجاد بستالين, الذي بدا أنه لا يعرف ماذا يجري. وكان الاعتقاد بجهل ستالين أسهل من الاعتقاد بغدره الماكر. وفي سنة 1938, سقط أ. أكولوف ِA.akulov, الذي كان ذات حين أمين خزينة الاتحاد السوفييتي, وفيما بعد سكرتير اللجنة التنفيذية الوسطى, سقط وهو يترنّح وأُصيب بارتجاج في الدماغ كاد يودي بحياته. وبإيعاز من ستالين تمّ إحضار الجرّاحين البارزين من الخارج لإنقاذ حياته. وبعد معافاة طويلة وصعبة, عاد إلى عمله, وعلى إثر ذلك تمّ توقيفه وإطلاق الرصاص عليه.‏

وكان الشكل المتقن بصورة خاصة من السادية هو عادة ستالين في توقيف زوجات كبار الموظّفين السوفييت أو الحزبيين ـ وفي بعض الأحيان أطفالهم ـ وإبقائهن في معسكر تشغيل المعتقلين, في حين أن على أزواجهن أن يُرجعوا قدماً إلى الوراء ماسحين بها الأرض وهم ينحنون أمام ستالين من دون أن يجرؤوا على المطالبة بالإفراج عنهن. وعلى هذا المنوال جرى توقيف زوجة كالينين Kalinin رئيس الاتحاد السوفييتي سنة 1937, وزوجة مولوتوف Molotov, وزوجة أحد الموّظفين البارزين وهو أوتو كوسينن Otto Kusinen وابنه, وأُرسلوا جميعاً نساء وأطفالاً إلى معسكر تشغيل المعتقلين. ويقول شاهد لم يُذكَر اسمه إن ستالين سأل كوسينن بحضوره لماذا لم يحاول أن يحرر ابنه. فأجابه كوسينن, "من الواضح أن هناك أسباباً وجيهة لاعتقاله". ووفقاً للشاهد: "فكشّر ستالين وأمر بإطلاق سراح ابن كوسينن" وأرل كوسينن جُعَب زوجته إلى معسكر تشغيلها ولكنه لم يرسلها بنفسه بل ترك مدبّرة شؤون منزله تقوم بذلك. وقد قام ستالين بتوقيف زوجة سكرتيره الخاص, في حين ظل زوجها في منصبه.‏

لا يتطلّب الكثير من الخيال أن نتصوّر المهانة الشديدة التي لحقت بهؤلاء الموظّفين الذين لم يستطيعوا ترك وظائفهم, ولم يستطيعوا أن يطلبوا الإفراج عن زوجاتهم أو أبنائهم, وعليهم أن يوافقوا ستالين على أن التوقيف كان مبرَّراً. فإما أن هؤلاء الناس عديمو المشاعر تماماً, وإما أنهم معطوبون أخلاقياً وقد فقدوا كل احترام للذات وإحساس بالكرامة. والمثال البليغ هو ردّ فعل شخص من أقوى الأشخاص في الاتحاد السوفييتي, وهو لازار كاغانوفيتش Lazar Kaganovich على توقيف أخيه ميخائيل مويسفيتش Mikhail Moiseevich, الذي كان وزيراً لصناعة الطيران قبل الحرب:‏

كان ستالينياً ـ مسؤولاً عن قمع الكثير من الناس. ولكنه بعد الحرب لم يعد ستالين راضياً عنه, وفي النتيجة, فإن بعض الموظفين الموقوفين الذين زُعم أنهم أسّسوا "مركزاً فاشيّاً" تحت الأرض, قد ذكروا اسم ميخائيل كاغانوفيتش بوصفه شريكاً في الجريمة. لقد زعموا الزعم الموعَز به بوضوح (والذي لا يُعقل مطلقاً) أنه هو (اليهودي) قد تقرر أن يكون نائباً لرئيس الحكومة الفاشية لو استولى الهتلريون على موسكو. وعندما علم ستالين بهذه الشهادات, التي من الواضح أنه توقّعها, اتّصل هاتفياً بـ "لازار كاغانوفيتش" وقال له إن أخاه يجب توقيفه لأنه كان على صلة بالفاشيين.‏

فقال لازار, "طيب, ماذا إذن؟ إذا كان ذلك ضرورياً, أوقفوه!" وفي مناقشة اللجنة التنفيذية للحزب الشيوعي لهذا الموضوع, أثنى ستالين على لازار لـ "مبادئه": لقد وافق على توقيف أخيه. ولكن ستالين أضاف بعد ذلك أن التوقيف يجب ألا يتمّ على عجل. وقال ستالين, لقد كان ميخائيل مويسيفيتش في الحزب منذ سنوات كثيرة, ويجب التحقّق من صحة الشهادات مرة أخرى, وهكذا جرى الإيعاز إلى ميكويان Mikoyan بترتيب مواجهة بين م. م. والشخص الذي شهد ضده. وتمت المواجهة في مكتب ميكوبان, وأُحضر إليه رجل كرر شهادته بحضور كاغانوفيتش, مضيفاً أن بعض مصانع الطائرات قد بُنيت عمداً قرب الحدود قبل الحرب حتى تتمكّن القوة الألمانية من الاستيلاء عليها بسهولة أشد. وعندما سمع ميخائيل كاغانوفيتش الشهادة, طلب الإذن له بالذهاب إلى مرحاض صغير ملاصق لمكتب ميكوبان, وهناك سُمع صوت عيار ناري بعد بضع ثوان.‏

وهناك بعدُ شكل آخر لسادية ستالين هو عدم إمكان توقّع سلوكه.‏

فهناك أحوال فيها أُناس أمر بتوقيفهم, ولكنهم بعد التعذيب والأحكام القاسية أُطلق سراحهم بعد عدة أشهر أو سنوات وعُيّنوا في مناصب رفيعة, من دون تفسير في أغلب الأحيان. والمثال الناطق هو سلوك ستالين نحو رفيقه القديم سيرجي إيفانوفيتش كافتارادزه ٍSergei Ivanovich Kavtaradze, الذي ساعده في إحدى المرات على الاختباء والتواري عن أعين الشرطة السريين في سانت بطرسبورغ, وكان كافتارادزه قد انضّم في العشرينيات إلى المعارضة التروتسكية, ولم يتركها إلا عندما ناشد المركز التروتسكي مؤيديه أن يتوقّفوا عن النشاط المعارض. وبعد جريمة قتل كيروف, نُفي كافتارادزه إلى "كازان" بوصفه تروتسكياً سابقا, وكتب رسالة إلى ستالين يقول فيها إنه لم يكن يعمل ضد الحزب. فأعاد ستالين كافتارادزه من المنفى على الفور. وسرعان ما نشرت صحف مركزية كثيرة مقالة كتبها كافتارادزه يسرد فيها واقعة عمله الخفي مع ستالين. وأحب ستالين المقالة, ولكن كافتارادزه لم يعد يكتب شيئاً حول هذا الموضوع. ولم يُعدِ حتى انضمامه إلى الحزب, وعاش على القيام بعمل تحريري متواضع. وفي نهاية 1936 تم توقيعه هو وزوجته فجأة, وبعد التعذيب حُكم عليه بالإعدام رمياً بالرصاص, كان قد اتُّهم بالتخطيط مع بودو مدِيفاني Budu Mdivani لقتل ستالين, وبُعيد صدور الحكم, تم تنفيذ الحكم رمياً بالرصاص بحق مديفاني, ولكن كافتارادزه تمّ إبقاؤه في زنزانة الموت مدة طويلة, ثم أُخذ إلى مكتب بيريا Beria حيث قابل زوجته, التي شاخت إلى حد أنها أصبحت لا تُعرف. وتمّ الإفراج عن كليهما. وفي البدء عاش في أحد الفنادق؛ ثم حصل على غرفتين في شقّة مشتركة وبدأ العمل. وأخذ ستالين يُظهر له شتى علامات الاستحسان, فيدعوه إلى الغداء وفي إحدى المرات يقوم حتى بزيارته مع بيريا. (وأحدثت هذه الزيارة هياجاً شديداً في الشقّة المشتركة. وقد أُغمي على جارة من جيران كافتارادزه عندما, حسب كلماتها, "ظهرت في العتبة صورة الرفيق ستالين"), وعندما كان ستالين يدعوه إلى الغداء, كان يصبّ له الحساء بنفسه, ويروي النكات, ويستعيد الذكريات. ولكن ستالين في إحدى مناسبات الغداء هذه, هبّ فجأة في وجه ضيفه وقال, "وما زلت تريد قتلي".‏

يرينا سلوك ستالين في هذه الحالة بوضوح خاص عنصراً في طبعه ـ هو الرغبة في أن يُظهر للناس أنه يمتلك السلطة المطلقة والسيطرة المطلقة عليهم. فبكلمة منه يمكن أن يقتلهم, وأن يعذّبهم وأن ينقذهم ثانية, وأن يكافئهم؛ إن له قدرة الله على الحياة والموت, والقدرة على أن يجعل الطبيعة تنمو أو تفنى, وعلى الإيلام وعلى الشفاء. فالحياة والموت يعتمدان على هواه.‏

وهذا الأمر يمكن أن يفسّر كذلك لماذا لم يقضِ على بعض الناس أمثال ليتفينوف Litvinov (بعد إخفاق سياسته في التفاهم مع الغرب) أو "إيرنبورغ" Ehrenburg الذي كان يمثّل كل شيء يكرهه ستالين, أو "باسترناك" Pasternak, الذي انحرف في الاتجاه المعاكس لإيرنبورغ.‏

ويقدّم ميدفيديف التفسير وهو أنه قد حافظ في بعض الأحوال على البلاشفة القدماء أحياء ليدعم الزعم أنه كان يواصل عمل لينين. ولكن من المؤكد أن ذلك لا يمكن أن يقال في حالة إيرنبورغ. وأقدّر أن الحافز هنا أيضاً هو أن ستالين كان يستمتع بالإحساس بالسيطرة على هواه ووفقاً لحالته, ولا يتقيّد بأي مبدأ ـ حتى بأسوأ المبادئ.‏

* آثرتُ أن أصدّر هذه المقالة بهذا القول للمفكرة الماركسية البارزة روزا لوكسمبورغ, برغم أنه غير موجود في الأصل, لئلا يصار إلى جعل هذا التحليل لشخصية دكتاتورية مجرد نغمة من النغمات الدعائية المعادية للاشتراكية والمهلِّلة للتبعية للإمبريالية وللرأسمالية التي تقوم في جوهرها على خفض قيمة الإنسان ورفع قيمة الأشياء. وهذه الرؤية المبكرّة من روزا لوكسمبورغ لضرورة الربط بين الاشتراكية والديمقراطية تنسجم تمام الانسجام مع ما توصّل إليه فيلسوف لم يكن في حياته من المعسكر الاشتراكي, هو فيلسوف التاريخ آرنولد توينبي الذي قال في آخر كتاب صدر له: "أملي للقرن الحادي والعشرين أن يرى قيام مجتمع إنساني عالمي اشتراكي على المستوى الاقتصادي وحرّ التفكّر على المستوى الروحي". ويفسّر تويبني: "فمن أجل الكرامة الإنسانية علينا أن نقبل بالإدارة الاشتراكية لشؤون البشر الاقتصادية. وهذا ثمن مناسب ندفعه مقابل العدالة الاجتماعية والبقاء. ومن جهة أخرى وعلى المستوى الروحي لا غنى عن الحرية للكرامة الإنسانية كما لا غنى عن التنظيم على المستوى الاقتصادي" والجمع بين الاشتراكية والديمقراطية هو الصورة الحاليّة للمد الاشتراكي العارم في أمريكا اللاتينية وللنشاط الاشتراكي المتجدّد في أوربا الشرقية وعودة الروح إلى الفكر الاشتراكي المتجدّد في أوربا الغربية. على أن توينبي ينبّهنا كذلك إلى أنه "حتى الدكتاتورية الدائمة هي أهون شراً من الفوضى العضال, وتظلّ الدكتاتورية نكبة بالرغم من ذلك". إنني أدعو المثقفين العرب إلى التفكير في هذه المسائل بمنتهى الجِدّية والإخلاص, فالتفكير هو الذي يحررنا, وبقاؤنا خاضعين لردود الأفعال هو الذي ينقلنا من عبودية إلى أخرى. (المترجم).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244