|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
فلاديمير جيكارينتسف ولعبة الثنوية ـــ جينا سلطان "كل شقاء الناس يأتي من أنهم لا يعيشون في العالم, بل في عالمهم". هيراكليتس. ما الذي يدفع وكيلاً أدبياً لأن يتحول إلى مهنة الكتابة والتأليف؟ هل هو إغراء التأنق اللفظي ومداعبة الكلمات وسماع رنينها وجرسها. أم الاقتراب من هاجس التبعية الذي يحيط بالمعلمين الروحانيين في الشرق الأقصى؟ وهل وصلت البشرية حقاً إلى منعطف حاسم في تاريخها المغرق في القدم, أو لعله مأزق خطر نتج عن إساءة استخدام المعرفة التي وهبت للإنسانية. قد يكون الأمر مرهوناً بخطة محكمة حبكت بحيث تجمع الأديان والعقائد المختلفة في حزمة واحدة تمهيداً لإحكام الطوق حول الرعية لصالح الذين يسيرون الأمور في العالم. في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات, ابتدأ الوكيل الأدبي الروسي فلاديمير جيكارينتسف رحلته المعمقة مع نفسه لدراسة نوازعها وحتمية تصادمها مع الآخرين وعلاقة كل ذلك بمفردات الصراع الأزلي: ربح ـ خسارة, مجد ذل, حرب ـ سلم... ولأن القائمة تطول فالتجربة تمتد لتملأ ما يزيد عن ستة كتب غنية بالأمثلة الواقعية وما يستخلص منها من نتائج. نقطة الانطلاق كانت من عبارة المسيح عليه السلام: "عندما توحد في داخلك الخارجي والداخلي, والأعلى والأسفل, والأيمن والأيسر, فإنك ستتحد مع الله". يطابق جيكارينتسف هذه المقولة الشهيرة مع طريقة بوذية الزن ليعرض لنا في كتبه توجهات أو نقاط ارتكاز تساعد في التوصل إلى السلام والتوازن الداخلي والخارجي. "فالجسم والحياة الأرضية ليسا شراً ولا شيطاناً وإنما هما أداة لتحسين الروح عند كل فرد فينا, ويأتي الألم كرسالة تحدد لنا المكان الذي انفصلنا فيه عن الكل الموحد". يرجع جيكارينتسف تشكيلات الحياة البشرية على اختلافها وتنوعها إلى قانون واحد يحكمها هو قانون المتضادات أو ما يسميه "بالبنية الثنوية للكون" حيث يشير في كتابه الذي يحمل الاسم نفسه أن كل ما هو موجود ليس إلا بلبلة من قبل العقل الذي يبقى ثابتاً ولا يتقدم ويخلق أنماطاً متبعة من الأفكار ويتواجد فيها, برغم ذلك لا يستطيع الوعي الحقيقي الوجود بعيداً عن عالم الأشكال, فجميع حواسنا موجهة باتجاه إدراك الأشكال والتمسك بها, لأننا نحن أنفسنا أي عقلنا البشري, هو الذي يخلق هذه الأشكال. في كتابه "لعبة الخير والشر ـ لعبة الثنوية" يتابع وفق المنوال نفسه حيث خلط الأوراق تمهيداً لتوزيعها وفق نسق مختلف قليلاً لكنه يحمل المعنى نفسه الأمر الذي يتكرر كثيراً في الكتب الستة. يبين جيكارينتسف أن الظروف تقوم بدور الأساتذة لنا, فالمال والسلطة والشهرة والقوة جميعها نتائج جانبية أو ثانوية لتطورنا وليست هدفاً. لقد أتينا إلى هذا العالم لنتعلم كيف نكون أحراراً. الأمر الذي يجب أن يخرجنا من الأقفاص التي نحبس فيها أنفسنا والمكونة من كم لا متناه من التعاريف والتقييمات وفق مبدأ نعم ـ لا, جيد ـ سيء,... أي تحديداً شخصيتنا أو أنا الخاصة بنا, ولذا فالمتابعة في إغلاق بعض النواحي ومنحها تقويماً سلبياً, سيستجر المزيد من المشاكل ويؤدي إلى تكاثرها. بينما في الواقع علينا السماح لها بأن تأخذ مجراها الطبيعي لنتحرر منها. والمطلوب حسب رأيه هو التعامل مع الأمور التي تحدث أمامنا بدون أن نعطيها تعريفاً. مقتصرين على التركيز فيما نفعله لندركه بعقلنا وعندئذ فقط سيكشف العالم أسراره أمامنا ويظهر الواقع الحقيقي. فالتعامل مع الأزواج الثنوية وإيجاد حل لها يساعدنا في التوصل إلى الحالة غير الثنوية أي إلى الاتحاد مع المصدر الأول. عندها يتوقف توليد الكازمة "الفعل وجزاؤه" وتزول المعاناة وتتوقف عجلة الولادة والموت عن الدوران فيصبح الإنسان حراً بصورة حقيقية. وبالعودة على بوذية الزن نجد أنها تدعو إلى التقبل الهادئ لكل ما يحدث معنا, وأن نثق بأنفسنا وبعملية الحياة. لذا نرى جيكارينتسف الذي خضع لدورة تأملية على يد معلم بوذي, يدعو هو الآخر إلى تعلم التواضع وتحمل مسؤولية الحياة بكل ما تحمله "إنني أحرر نفسي تدريجياً وأسمح لنفسي بالتصرف شريطة ألا أسبب الضرر للآخرين وللعالم المحيط". مشدداً أيضاً على أهمية الرأفة والمحبة في تغيير سيرورة الأحداث نحو الأفضل. في كتابه "الأخلاق وقوانينها في الكون الثنوي" يوضح أن جميع العمليات في هذا الكون تجري في كلا الاتجاهين أو باتجاه بعضها بعضاً. لذا فإن تقبلنا للعالم الخارجي يعني تقبلنا لأنفسنا. وبصراعنا مع شخص ما أو شيء ما نتصارع مع أنفسنا وعندما نسامح فإننا نتحرر ونتطهر من الحقد والبغض. ومن هنا فإن أحد أسرار السعادة يكمن في القدرة الدائمة على الشعور بالامتنان مهما حدث معنا, لأن العالم الخارجي مساو للعالم الداخلي. وتأتي عبارة مثل كيف تتوصل إلى محبة نفسك لتتكرر كثيراً عبر الكتب الستة ويبدو الجواب كالتالي: علينا أن نحب العالم المحيط ونساعده قدر المستطاع في اللحظة الراهنة, علينا أن نحب أو على الأقل أن نتعامل باحترام مع الأشخاص الذين نصادفهم في مسيرتنا الحياتية. يشير جيكارينتسف إلى أن آدم تعرف إلى الخير والشر من خلال المرأة ومن خلالها يدرك الكل الموحد. لذا يفرد لعلاقة الرجل والمرأة كتاباً خاصاً يدعوه: "الحب في ازدواجية الكون" وهو الأكمل بين كتبه والأكثر اتقاناً نظراً لحيوية الموضوع ومركزيته في الحياة الدنيا. ضمن هذا المجال يبين آلية التواجد البشري على الساحة الأرضية المفترضة والمحكومة بتعاقب الحركة والسكون. ومن هنا يتأتى للإنسان الهدوء عندما يسمح لطبيعته الحقيقية أي الحركة والتوقف المتعاقبين بالظهور. عندها فقط نشعر بجسمنا وكأنه ثوب مريح. بينما يظهر الألم عندما نرغب في إيقاف الحركة, التي تبدأ من القلب وتعود إليه. فالقلب حركة المحبة الموحدة ولأن القوة توجد خارج الخير والشر إذاً فهي تعطى للذين يفهمون ألم ومعاناة الشخص القريب منهم. وهذا برأيه يدعم التواصل بين الناس ويدحض وهم الاستقلالية, ويؤكد أن التكامل هو وجود كل شيء وقبوله. في هذا الكتاب يتطرق جيكارينتسف إلى الموضوع الذي يثير الجدل الواسع في العالم حول الاختلافات بين الرجل والمرأة, وحتمية التكامل بينهما. فالمرأة هي القوة التي لا تنضب أي تمثل السكون وتقانة الأحاسيس والفوضى أي ما يسمى بالخصوصية والعلاقات الأفقية بينما الرجل فيملك قوة محدودة في الحياة ويجسد بالتالي الحركة وقدرة التفكير أي العلاقات العمودية والسلطة. وبذلك فالمساواة ستعني السماح لكل إنسان بإظهار تفرده وتميزه لتزدهر الحياة التي تدافع عنها المرأة. فالسلطة من دون مساواة تتحول إلى عامل ضغط يسحق بلا رحمة كل شيء يقع تحت يده, بينما المساواة بلا سلطة تتحول إلى فوضى تدمر القواعد والنظام, ويكمن الفن هنا في أن يكون كل منا نفسه دون إجراء مقارنة مع الآخرين. فكل إنسان لديه مواهب خاصة به, وموقع يحتله والحياة عبارة عن تنوع يتلقى فيها كل إنسان في اللحظة الراهنة دروساً خاصة به. وقد نوقش هذا الموضوع باستفاضة في كتاب "دراسة القوى الداخلية في الذات". وتم تأطير طرق المواجهة مع القيود والانفعالات السلبية بحيث تؤدي إلى تغيير الواقع. بينما الكتاب الأخير والذي يدور حول طرق التأمل, يلخص جيكارينتسف نظريته في إدراك العالم والذات. ويعطي التأمل الدور الأشد فعالية وخاصة أنه سيتحول إلى شيء أكبر يدعوه بالدرب. تقع محاولة جيكارينتسف ضمن مجال السعي لتوحيد الفكر الديني والعقائدي في العالم. فهو ينضم بذلك إلى سواه في العمل الحثيث لإيجاد القواسم المشتركة الأهم التي تجمع بين ثقافات واتجاهات العالم, بغية جمعها لتعميق الروابط الإنسانية. لكن ثمة كثيرين يرون في الأمر كلمة الحق التي أريد بها باطل. فتحطيم الأسس الثقافية أو الدينية الخاصة ومحو الهوية الذاتية إنما يصب في تيار العولمة الجارف. ويبقى المجال مفتوحاً لاحتمالات لا حصر لها, وحرية الاختيار متروكة أيضاً. المراجع: الحب في ازدواجية الكون. دار علاء الدين 2003. الأخلاق وقوانينها في الكون الثنوي دار علاء الدين 2004. أبعاد الحياة ما بين التأمل والتركيز. دار علاء الدين 2004. الخير والشر لعبة الثنوية, دار علاء الدين 2002. البنية الثنوية للكون. دار علاء الدين 2005. نظرة في أعماق النفس. دار علاء الدين 2002. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |