|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
شوقي ضيف تتلمذ على يد عميد الأدب العربي فغدا لواءً في شرحه وتصنيفه ـــ محمد الحوراني بعد مسيرة حافلة بالعطاء والبحث العلمي امتص الموت رحيق أنفاس شيخ المصنفين والشرّاح العرب, في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لاستنشاق هذه الأنفاس التي من شأنها أن تزيد من حبنا للغتنا العربية وتزيدنا ارتباطاً وتمسكاً بها. لاسيما وأن الدكتور شوقي ضيف يعد واحداً من الأساتذة الذين أثروا الحياة الأدبية بكتبه التي قاربت السبعين مؤلفاً وتنوعت بتنوع العصور المختلفة التي تناولتها ابتداء من العصر الجاهلي وانتهاء بالعصر الحديث, كما تناول عدداً من الظواهر الأدبية المتنوعة في مجال الدرس الأدبي حيث أفاد كثير من الطلاب والدارسين ودرست مؤلفاته في الجامعات المختلفة في العالم العربي, وقد تنوعت مؤلفات شوقي ضيف وتعددت على نحو يدعو إلى الإكبار والإجلال والإعجاب والاندهاش في الوقت نفسه, فما أنجزه ذلك العالم والأديب كماً وكيفا يمثل حالة نادرة من حالات الرهبنة العلمية والتصوف الفكري والإخلاص الأكاديمي كما سماها تلميذه الناقد الكبير جابر عصفور, والحقيقة أن علم الدكتور وغزارة إنتاجه وسعة إطلاعه جعلت الآخرين من طلابه وغيرهم يولون منهجه كل اهتمام وعناية فكتبوا عنه الكثير من الكتب والمصنفات, ولعل من أبرز ما كُتب عنه كتاب (شوقي ضيف رائد المدرسة الأدبية) الذي كتبه الدكتور عبد العزيز الدسوقي, وكتاب (شوقي ضيف: سيرة وتحية) وهو مجموعة من الدراسات التي كتبها تلامذته على امتداد الوطن العربي, كشفا عن الجوانب المتميزة من إنجازه المتجدد, وأضيف إلى هذا الكتاب ما كتبه الدكتور أحمد يوسف علي بعنوان (قراءة أولية في كتابات شوقي ضيف), والرسالة العلمية المنشورة التي أعدتها الباحثة الإيرانية شكوه السادات حسيني إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة الحرة الإسلامية في طهران والرسالة الأخيرة دليل على الشأن الرفيع الذي وصلت إليه إنجازات شوقي ضيف العلمية في الأوساط العلمية العالمية, ولولا ذلك ما خصص المجلد الأول من دائرة معارف الأدب العربي التي تصدر في لندن ونيويورك ترجمة له, مؤكدة أنه واحد من الأساتذة المرموقين والمتميزين عالمياً بكتبه الجامعية الكثيرة وإشرافه على رسائل الكثير من الباحثين العرب, الأمر الذي جعله أستاذاً للعديد من الشخصيات الجامعية البارزة على امتداد العالم العربي, وقد نال شوقي ضيف تكريم العديد من المؤسسات العلمية ودعته جامعات عربية عديدة ليكون أستاذاً زائراً يؤكد مكانته العلمية, فذهب إلى جامعة بيروت العربية سنة 1963, وجامعة بغداد سنة 1968, وجامعة الرياض سنة 1973 وشارك في تأسيس قسم الدراسات العربية بالجامعة الأردنية سنة 1966 وكذلك جامعة الكويت سنة 1970 وترك في كل مكان ذهب إليه بصماته المنهجية, وتلامذة يسيرون في الطريق الذي سار فيه, والذي نال من أجله جائزة الدولة التقديرية للآداب في مصر سنة 1979, وجائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي سنة 1983, وحصل على درع جامعة القاهرة, وجامعة الأردن, ودرع المجلس الأعلى للثقافة في مصر, وأخيراً, درع فارس للثقافة الجماهيرية المصرية, ولعل من أبرز أعماله, والتي مازج فيها بين التأليف والتحقيق, موسوعته الشهيرة ذات الأجزاء العشرة (تاريخ الأدب العربي) والتي يراها النقاد من أشمل ما كُتب في تاريخ الأدب العربي, ومن أعماله أيضاً (الفن ومذاهبه في النثر العربي) و(الأدب العربي المعاصر) و(الحب العذري عند العرب). أما أول الكتب التي حققها فكان كتاب الرد على النحاة لابن مضاء القرطبي, وتلاه القسم الخاص بالأندلس من كتاب المغرب في حلي المغرب لابن سعيد, وكتاب السبعة قراءات لابن مجاهد, والدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر, ونقط العروس في تواريخ الخلفاء لابن حزم, وهي رسالة طبعها في الجزء الثاني من المجلد الثالث عشر لمجلد كلية الآداب بجامعة القاهرة. والحقيقة أن شوقي ضيف رحمه الله كان أحد علماء اللغة الذين لا يجارون في الأدب الأندلسي حيث أصدر عدة كتب في هذا المجال وحقق كتباً أخرى وساجل الأدباء والمثقفين والشعراء, وقدم قراءات أساسية لهذه المرحلة المهمة من تاريخ الأدب والإبداع العربيين, هذا بالإضافة إلى الكثير من الإضاءات القيمة التي فتحت مناهج التحقيق والدراسات الأدبية والدرس النقدي العربي, على جزر وآفاق جديدة من العقلانية لم يكن ليصل إليها لولا جهود ضيف والرعيل الأول المؤسس والمجدد في الثقافة العربية. ويتحدث الناقد المصري الدكتور جابر عصفور عن أخلاق أستاذه وصبره عليه بالرغم من بعض الحماقات التي صدرت من الطالب فيقول: وكان, أي شوقي ضيف, يتولى تدريس عصور الأدب القديم لنا على امتداد السنوات الثلاث الأولى في قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة, ووصلنا معه إلى السنة الثالثة, نخاف أن نناقشه, ونهاب أن نسأله, فلم يكن وجهه يعرف الابتسام مثل أستاذنا يوسف خليف تلميذه, رحمة الله عليه, فقد كان الأقرب إلى قلوبنا بعذوبته واقترابه الحميم منا وحرصه على أن يجعل بيننا وبينه علاقة محبة ومودة باسمه. وكان شوقي ضيف على النقيض من ذلك, جهماً جاداً, يدخل المحاضرة من الدقيقة الأولى دون تأخير, وبمجرد دخوله يمضي في الكلام الذي يشبه الإملاء, وعلينا نحن أن نكتب ما يقول, وأن نستكمل ما يحتاج إلى توسع في المراجع والمصادر الموجودة بالقاعة الشرقية, في مكتبة جامعة القاهرة العتيدة, وذلك قبل أن تخرب المكتبة وتنحدر إلى حال يرثى لها. وتعودنا على جهامة شوقي ضيف, وكتمنا تمردنا على أنه لا يترك لنا مجالاً للمناقشة, واكتفينا بأن نتناقش مع تلميذه يوسف خليف الذي كان يقرأ معنا مختارات من العصر الذي يقوم شوقي ضيف بتدريسه لنا, ولست أدري ما الذي دفعني في يوم من الأيام إلى التمرد على الوضع, والخروج عما ألفناه من سكوت, وكان ذلك في محاضرة عن شعر المتنبي وعلاقته بالشعر العباسي بوجه عام, وتوقف شوقي ضيف عند قصيدة المتنبي التي مطلعها: ليالّي بعد الظاعنين شكولٌ طوال وليل العاشقين طويل. ومضى من المطلع إلى البيت: لقيتَ بدرب القلة الفجر لقيةً شَفَتْ كمدي والليل فيه قتيل. واندفعت قبل أن يكمل البيت اللاحق, خطأ يا أستاذنا, لابد من قراءة فعل اللقاء بضم التاء وليس فتحها كما تفعل, وسكت, ولم أكمل شيئاً, بعد أن تخلصت على نحو مفاجئ من شيء أنحبس في صدري, فاندفعت إلى قوله, وتوقف الأستاذ عن الكلام, وساد الفصل كله سكون عميق, وتطلعت أعين زملائي وزميلاتي إلى شخصي الأحمق الذي تجرأ على أن يقول ذلك للأستاذ الذي نخافه ونهابه, كما تطلعت العيون نفسها إلى الأستاذ الذي نظر إليّ في اندهاش واستنكار لأني قاطعته, وبدت ليّ النظرة حادة في استنكارها, مقرونة بجملة: لماذا لا تفهم جيداً ما أقول؟ وحاول أن يشرح سبب فتحه تاء الفعل, فاندفعت بتسرع الشباب قائلاً: أنا أفهم ما تقول, ولكني لا أوفق عليه, فالمتحدث هو الشاعر الذي يشتكي من آلام الحب, ويقول إن انتصار سيف الدولة في هذا المكان, درب القلة, شفاه من آلام الحب, ولذلك ينبغي أن نقرأ البيت على أن لقيتُ أنا بدرب القلة, أما إذا قرأناه بالفتح, عوداً على سيف الدولة, ضاع المعنى الأساسي لحسن الانتقال.. ويبدو أن لهجتي كانت حادة, ونبراتي متهدجة, ولعلي استخدمت كلمات حادة, الأمر الذي دفع الأستاذ إلى الصمت الذي أعقبه خروجه من المحاضرة احتجاجاً على حمق تلميذه. وما أن خرج الأستاذ حتى انهال عليّ زملائي وزميلاتي لوما وتقريعا, واتهموني بالجنون, وأنذروني بالويلات والثبور, وبشرني الخبثاء منهم بأني لن أكون الأول في هذا العام كما تعودت في الأعوام السابقة, وتركوني أعود إلى بيتي حزيناً مكتئباً متوقعاً العقاب, ولم يطل وقت الانتظار, فقد حلت المحاضرة التالية بعد أيام, ودخل شوقي ضيف محملاً بعدد كبير من المراجع, وبدأ المحاضرة بالثناء على التلميذ الذي يسعى إلى الخلاف مع أساتذته, ولكنه تلميذ متسرع يقرأ على سطر ويترك سطراً, والدليل في المراجع التي يحملها, ومضى الأستاذ في تبرير ما فعل, وتخطئة ما قلت بالمراجع, ولم أقتنع, وحاولت التعبير عن عدم اقتناعي بأدب وتهذيب قدر الإمكان, وانتهت المحاضرة كما بدأت دون اتفاق, وكانت تلك البداية لعام دراسي لا أنساه, فقد أصبح من عادة شوقي ضيف في كل محاضرة بعد ذلك أن يسألني أصعب الأسئلة الممكنة, وكان عليّ أن ألتهم دواوين الشعر العباسي ديواناً ديواناً, ومثلها المصادر القديمة والمراجع الحديثة, كي أكون مستعداً للامتحانات الصعبة التي أخذت تتكرر كل محاضرة, ولم ينته العام الدراسي إلا وكنت قرأت أضعاف أضعاف ما يقرأ الطالب الممتاز عادة, واستطعت مجاوزة الامتحانات الصعبة مع الأستاذ الذي ظل على جهامته في أسئلته الموجهة لي طوال الوقت. وبدأت الامتحانات الشفوية, وكان أولها عن الأدب المصري, والممتحن شوقي ضيف نفسه ـ رحمه الله ـ مع المرحوم عبد العزيز الأهواني. ودخلت الامتحان قلقا, خصوصاً بعد أن بشرني من كانوا ينافسونني على الأولوية بالرسوب على يد شوقي ضيف, وأسلمت أمري إلى الله ودخلت إلى الامتحان. وجلست أمام الأستاذين, وإذا بوجه شوقي ضيف يفاجئني ببسمة حانية لم أرها من قبل, ويقول لزميله الأهواني: هذا الطالب أحسن طلاب الدفعة, ولن أوجه إليه أي سؤال فأنا أعرفه جيداً بعد أن ظللت أسأله طوال العام, ولم يتركني الأهواني إلا بعد أن سألني عدة أسئلة, ربما ليزداد تيقناً من أوصاف زميله. وخرجت من الامتحان أتنفس الصعداء, وأحبطت المنافسين لي بذكر ما جرى. وسرعان ما ظهرت نتائج آخر العام, بعد الامتحانات التحريرية, فإذا بي أحصل على أعلى درجة في الامتحان الشفهي, وأحصل على الدرجة النهائية في مادة الأدب العباسي التي قام بتصحيحها أستاذي شوقي ضيف.. ومن يومهما تعلمت درساً مهماً من معاني الأستاذية الجامعية الأصيلة والجليلة. أجل هذا هو خلق الأستاذ الكبير والحريص على أن ينال تلميذه أرفع المنازل وأعلاها وإن ظهرت منه بعض الهفوات. لقد كان شوقي ضيف أستاذاً بارعاً ومفكراً أدبياً وناقداً حصيفاً, ومحاوراً نداً ومدافعاً لا يجاري عن منهجه الذي أسس فيه لنظرية الذوق النقدي التي تحدث عنها بقوله: "صحيح أن الذوق يتدخل أحياناً في هذه العملية, النقدية, ولكن ذلك يعد نوعاً من أنواع النقد فلولا الذوق لفسد الكثير مما يمس حياة الإنسان, والذوق من مجمّلات الأشياء عند بني البشر, والنقد الأدبي, هو تحليل القطع الأدبية وتقدير مالها من قيمة فنية". أما تصوره الأدبي والمنهجي فيبدو جلياً منذ كتابه "الفن ومذاهبه في الشعر العربي" والذي كان في الأصل رسالة دكتوراه تحت إشراف أستاذه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين, والذي يستند فيه إلى فكرة أصلية لأستاذه طه حسين حينما قسم تاريخ الشعرية العربية إلى أربع محطات: طبع, صنعة, تصنيع وتصنع, وهي الفكرة التي طورها شوقي ضيف وأضاف إليها وأبرزها كمنهج قائم الذات لا غنى عنه في قراءة المشهد الشعري العربي منذ الجاهلية إلى عصور الانحطاط. وقد شكلت هذه النظرية الأساس المنهجي لضيف واعتبرت من قبل أجيال الباحثين والأساتذة اللاحقين قراءة لا غنى عنها لتعقب تاريخ الأدب العربي عامة. من جهة أخرى فإن انتشار اللهجة العامية وعدم الاهتمام باللغة العربية الفصحى قد أرقّ الدكتور شوقي ضيف الذي دعا أكثر من مرة إلى ضرورة الاهتمام باللغة العربية الفصحى, والمحافظة عليها مقروءة ومكتوبة ومسموعة, فلو تمادت الإذاعات العربية في البث بالعاميات لانفكت الصلات التي تربط بين شعوب الأمة وانعزل كل شعب عربي وعاش وحده بينما شعوب الغرب في أوربا المتعددة اللغات تجمع شملها في تكتلات اقتصادية وسياسية واحدة مثل السوق الأوربية, كما أن وسائل الإعلام في العالم العربي لا تأبه بأن الفصحى لغة شعوب الأمة جميعاً بينما العامية لغة يومية لشعب واحد.. لغة محلية لا يفهمها سوى أفراد شعبها. هكذا أمضى شوقي ضيف حياته مدافعاً عن اللغة العربية ومصنفاً لها, وبرحيل هذا الناقد والمجدد, عن 95 عاماً, تكون اللغة العربية قد خسرت أحد أبرز فرسانها والمدافعين عنها لفترة تزيد على نصف قرن من الزمن, وبرحيله تطوى صفحة من الصفحات المشرقة والغنية بالعطاء في تاريخ الآداب العربية ولغة الضاد. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |