جريدة الاسبوع الادبي العدد 1012 تاريخ 24/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الحلم ـــ صبحي دسوقي

استيقظت مرتعدة, ومسحت عرقها الغزير بيد مرتجفة, أعادت تجميع خصلات شعرها, ومحاولتها نسيان تفاصيل الحلم القاسية, والتي لازمتها على امتداد ليالي الشهور الماضية.‏

تصحو على صوت قرع دقات قلبها, وتتنفس ببطء في محاولة لاستعادة هدوئها, والتخلص تدريجياً من وطأة أحداث فرضت عليها وفاجأتها خلال أحلام متلاحقة ومتشابهة حتى في أدق جزئياتها, وما وجدت إلى تفسيرها طريقاً.‏

خافت الإعلان عن أحلامها وروايتها على أقرب الناس إليها, خشية من تعرضها إلى السخرية والتأنيب, ثم الردع والنصيحة بالكف عن الاستسلام للأوهام.‏

عبثاً أرادت الانصراف بأيامها إلى المشاغل المنزلية من تنظيف وترتيب وغسل الثياب وإعداد الطعام ثم الإسراع إلى عملها تجنباً لتأنيب المدير والانقطاعات المتراكمة التي ملأت ملفها الوظيفي ودت أن تعود حياتها إلى مجراها الطبيعي, وتواصل انسيابيتها وروتينها وحتى مللها الذي كانت تبغضه, وباتت تحن إليه وإلى تلك الهواجس البسيطة السابقة, لكنها الآن ترضخ مرغمة لأحداث وتأثيرات لا تملك قوة للتخلص من وطأتها وإبعادها.‏

إنها تشعر بحنين طاغ إلى حياتها السابقة, كأية امرأة لا تشغلها إلا القضايا المرتبطة بأسرتها, والهموم التي تنحصر حولها, ثم تسترخي على فراشها بعد يوم عمل مجهد, وتغمض عينيها وتنام, ثم تستيقظ كغيرها دون هواجس وقلق.‏

لكنها الآن مستهدفة من أحلام تغزوها في نومها, وتلاحقها في فترات عملها وزياراتها الروتينية واندماجها في الحياة الاجتماعية.. أضحت كثيرة الشرود وعصية على التعامل مع الآخرين باندفاعهم الأسري.‏

كأنّ هناك قفلاً صلباً قد نزل إلى داخلها وأغلق عليها فلم تعد قادرة على التفاعل مع الآخرين ومسايرتهم.‏

تحمل حلمها في داخلها وتداريه, تخاف الإفصاح عنه, وهل تملك إمكانية تبرير هكذا حلم للآخرين.؟؟‏

هناك رجل ما ينتصب كل ليلة في حلمها, يندفع إليها بعد أن تغمض عينيها يحاصرها بحضوره الآسر, ويشل قدرتها على المقاومة, ثم يمد يديه الرقيقتين كي يعتصر جسدها, فتفقد إمكانية المقاومة, وتستسلم لأنين مكبوت وهي تحول عبثاً التعرف إلى ملامحه, وبصعوبة تستطيع التقاط بعضاً من صفاته: هو رجل قوي البنية, متوسط الطول يلاحقها بنظراته, ثيابه داكنة دوماً, ولا تفارق الابتسامة شفتيه.‏

يتبعها أينما اتجهت في نومها, وعندما تقفر الدروب, وتخلو الأمكنة من البشر, يلتصق بها وكأنه جزء من جسدها, تحاول الإفلات من قبضته, والهرب من كلماته المتلاحقة وأنفاسه الحارقة وتضيع محاولتها في التخلص منه أدراج الرياح, فتحبس أنفاسها وتنتظر التصاقه بها كفريسة وجدت نفسها فجأة أمام وحش يفوقها قوة, فتتحشرج توسلاتها في صدرها وهي تناشده الابتعاد عنها, وتركها طليقة كي تمضي في سبيلها, وتعود حياتها إلى سكينة افتقدتها, لكن طوقه يزداد إحكاماً حولها, تتنفس بصعوبة, وترفع عينيها كي تتقي قبلاته, وتتعرف إلى ملامح وجهه, فتصحو وكأنها لم تنم أبداً.‏

حلمها يغيب وتصحو على واقعها, وهكذا دائماً عندما تقترب من إمكانية التعرف على وجه غريمها أو عشيقها فما عادت تجد فرقاً كبيراً في إطلاق صفة محددة عليه, تجد حلمها يتلاشى, تحاول باستماتة استعادة هدوئها, وتنظيم تنفسها, والتخفيف من لهاثها كي لا يصحو زوجها أو أي من أولادها, وتنهض مرعوبة لتصنع لنفسها القهوة, وتستعين بسجائر زوجها ليخف اضطرابها, تحاول الهرب من النوم والبقاء مستيقظة, لكن التعب الذي يهيمن عليها, واسترخاء جسدها يدفعها للخلود إلى فراشها وإيهام زوجها بحاجتها إلى النوم متذرعة بآلام تغزو جسدها.‏

هاهو يقف أمامها مبتسماً من محاولاتها الإفلات من أسره, يمد يديه إلى وجهها, يتحسس بشرتها بأصابع دافئة, ثم يرفع خصلة شعر تتدلى على جبينها, وتنزل أصابعه إلى صدرها, حيث الشامة الشهية التي تعطي لصدرها ألقه وتوهجه, ترفع يديها لتستر صدرها وتخفي الشامة, لكنه يقترب منها أكثر, أنفاسه تلفح وجهها فتئن, وتراقبه بعينيها الذابلتين, تلتصق شفتاه بشامتها, فتولول مستغيثة بمن ينقذها.‏

تفتح عينيها فتجد نفسها محاطة بزوجها وأولادها, وهم يتساءلون عن سبب اضطرابها وصراخها وخوفها, فتحتمي خلف صمتها, وتترك لدموعها حرية الانزلاق على خديها.‏

متوجسة وخائفة تعبر محاذرة أن تلتقي عيناها بعيني أي عابر فيكتشف حجم أساها, تبحث عن صديقة لها كي تعترف بذنب لم تقترفه, والحصول منها على صك براءتها من آثام تستسلم لها في نومها.‏

أمام محل لبيع الأحذية النسائية وقفت تجيل نظراتها في المعروضات لتنتقي حذاءً لها وعلى البلور ارتسم خيال شخص يقف وراءها تماماً كان هو بقامته وابتسامته وشعره الأشيب, وثغره الذي غزاها في أحلامها مستغلاً الحرية التي أخذها منها رغماً عنها في تلمس صدرها وشفتيها و...‏

تسمرت في مكانها, تحولت إلى تمثال لا يقوى على الحركة, ودّت الالتفات إليه, فتحت فمها كي تصرخ فماتت الكلمات في شفتيها, وبقي فمها مطبقاً كأنه مات من أزل, وفقد القدرة على الرعشة والتفوه بالكلام, تخيلت أنه التصق بها في الشارع, حركت قدمها باتجاه اليسار فأطاعتها, نقلت قدمها اليمنى باتجاه شقيقتها بحذر, أرادت الدوران قليلاً دون أن تثيره بحركتها, خطوة أخرى ثم تدور إلى الخلف, وتقف مواجهة له, وشعرت أن سنوات تفصل بين حركة القدم والأخرى.‏

تمكنت أخيراً من الابتعاد عن واجهة المحل والنظر إليه, ارتسمت ابتسامة شاحبة على وجهه الأليف, رأت فيها حزناً وعذاباً, دمدم بكلمات ما سمعتها وما استطاعت التقاط معناها, ثم سار بعيداً عنها, بآلية وجدت قدميها تلحقان به, خطر لها أن تمسك به من كتفيه, وتصرخ بالمارة مستنجدة بهم طالبة عونهم, ومحاصرته وتقييده, وتعذيبه بعدد الساعات التي آلمها فيها.‏

مجموعة من النسوة يعيرنها, ويفصلن بينها وبينه, كأنهن دفعن كي يشكلن سداً لحمايته منها, أرادت رفع صوتها طالبة بثأرها منه وخرجت كلماتها محمومة, ممزقة, هي أقرب ما تكون إلى الهمس والتوسل.‏

لمحته يومئ إلى سيارة أجرة, راقبته وهي تشعر أن روحها تفر من صدرها, وتركض خلفه, تمنت لو تمتلك الشجاعة والحرية كي تركض إليه, وترتمي على صدره, ملقية أحزانها بين يديه.‏

حبست صرختها في فمها, حين رأته يدخل إلى السيارة, أبعدت النسوة عن طريقها, ركضت باتجاهه, ناشدته:‏

ـ أيها الرجل انتظرني.‏

كانت السيارة أسرع من كلماتها, انطلقت بعيدة, حاملة حلمها معها انتزعت قدميها من الرصيف وركضت إلى منتصف الشارع, رفعت يدها, مدتها باتجاه السيارة الهاربة كي تسمع صدى صوت استغاثتها وتتوقف عن هربها أسرعت السيارة بعدت المسافة بينهما ركضت مذعورة حزينة, وجدت نفسها تتخلص من قيودها, وما عادت عابئة بنظرات الآخرين الدهشة التي لاحقتها من قبلهم. حياتها تفر من بين أصابعها, حلمها يمتطي سيارة ويبتعد عنها رأت حياتها فارغة كئيبة, خالية من الأحزان والأفراح, وتأكدت أنها ستقضي ما تبقى لها من ليال دون أحلام تذكرها به.‏

ارتفع صراخها وهي تهرول خلفه وكانت دموعها تنسكب بغزارة وتحجب السيارة المبتعدة عن عينيها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244