|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
حنين القصب الأجوف ـــ عبد الغني حمادة توقفت الحافلة التي تقلنا إلى المدينة بعد الشارة الضوئية, وبالكاد استطاع السائق شديد السمرة, أن يأخذ يمين الشارع المزدحم بالسيارات, لينزل راكباً, وصل إلى مبتغاه, بعد عشرين متراً تقريباً, وقف شرطي مرور في مقتبل العمر. إلى جانب امرأة ترتدي زياً ريفياً توزعت الورود الملونة وزركشته تعريقات خضراء جميلة, فبدت المرأة وكأنها سلّة زهور من أصناف شتى, تمشي في شوارع المدينة الصاخبة, حاذى الشرطي الشاب سائق الحافلة واقترب منه, كفه تقبض على معصم تلك المرأة الشاردة, التي استرعت انتباهي من لحظة أن التقت نظراتي بقسمات وجهها الذي تسبح على سمرته حبات العرق المتناثرة, كما الوردة الجورية المستيقظة على صباح مثقل بالندى. ـ اعمل معروفاً وأنزلها في الكراج الموحد (قال الشرطي للسائق)... حسبت أن المرأة خرساء, لكنها, والحمد لله, خيبت ظني, حين سألت السائق المتضايق من شيء ما: ـ هل تصل إلى كراج إعزاز؟!, (وأضافت): أريد أن أذهب إلى البيت, أنا ضائعة.. تلكأ السائق بالإجابة, فغمغم وهمهم, ما لبث أن أوضح: ـ نحن نصل إلى سوق الهال فقط. ـ تقدمت بمبادرتي: ـ أنا أوصلها إلى المكان الذي تقصده. مع صعود المرأة إلى الحافلة, كان السائق يرمقني بنظرة يكاد يقول من خلالها: ـ (تستاهل). تهالكت المرأة التعبة على المقعد, وحضنت صرة سوداء تخفي فيها بعض الحاجيات, فحاول السائق المتبرِّم أن يقول لي شيئاً, لكن صوت المرأة قطع ما كان يفكر به: ـ عيب يا ولد. حاول أحد الركاب أن يفسح لها مكاناً أوسع, فلمست يده كتفها, هذا ما عرفته فيما بعد, فما كان منها إلا أن صرخت في وجهه, وهددته بالشرطة, ولولا تدخل باقي الركاب, واعتذار الشاب الصغير, مع توضيح بأنه لا يقصد الإساءة, وبأن نيته سليمة لولا ذلك لحصل ما لا يحمد عقباه. عاتبني سائق الحافلة بخطفة بصر حادة, فيما كانت أصابعه مشغولة بسيكارة تحترق على شفتيه, وفي حلقه توبيخ, تمنيت أن أسمعه, لا لشيء, بل لألقنه درساً في الأخلاق وعمل الخير, ومد يد العون لمن يحتاج المساعدة, فهل يعقل أن يترك الإنسان, أي إنسان امرأة ضائعة, تجهل الشرق من الغرب, عاجزة عن العودة إلى بيتها, هل نقف مكتوفي الأيدي أمام عمل لا يكلفنا أدنى جهد, أين كنا وأين صرنا.. أين كرم أخلاقنا...؟! هل نسينا إغاثة الملهوف؟. تباً لك أيها السائق, أين قلبك؟, لو أن ابنتك أو أختك أو زوجتك, أو حتى أمك أو جدتك كانت في مكان تلك المرأة, فماذا تفعل؟!.. صحيح أن لكل مهنة أو حرفة أخلاقاً, لكن يبقى الإنسان هو الإنسان, فما من إنسان إلا ويمتلك قلباً وعقلاً ميالاً إلى الخير وفعله, ما في ذلك شك أبداً. قاطعت المرأة استرسالي, بصوتها: ـ.. ألا تستحي من شيبتك يا (ختيار الجن).. حوقل السائق وبربر, فالتفتُ إليها, كانت تقبض بيدها على تلابيب عجوز انتفخت أوداجه واحمر وجهه, فيما كانت عيناه بارزتين محمرتين طافحتين بالدمع, ويحاول جاهداً بكل ما أوتي من قوة أن يفك يدها ويبعدها عن عنقه, ويستغيث بحشرجة مبهمة, لكنها تفي بالغرض. رجوتها, رأفة بالعجوز: ـ ازرعيها في ذقني يا خالة.. ـ لولا خاطرك عندي لخنقته, (تابعت وهي تهز رأسها يمنة ويسرة), عجوز على حافة قبره وعيونه زائغة!!, إذن لا عتب على الشباب. قال العجوز مبرراً, ليخلي ساحته من التهمة الشائنة بحقه: ـ أقسم أنني لم أكن أنظر إليها, وإنما إلى الراكب الذي بجانبها. مسكين ذلك العجوز, الذي غرقت عيناه بدموع الخجل, فراح يمسحها بمنديل قماشي, مسكين مظلوم, لم ترحم المرأة ذلك الحول البائن في عينيه المتعبتين. ـ ألم أقل لك؟ (قال السائق لي, وأردف: كان الله في عونك... أنا أعرفها... (ثم نصحني: انتبه لنفسك جيداً).. لم أفهم ما يقصده السائق, الذي أوقف الحافلة في آخر الخط مقابل سوق الهال, حيث يغص الرصيف بالباعة وبسطاتهم, وكل ينادي على هواه.. (أصابيع البوبو يا خيار.. قرص العسل يا بطيخ... عنب الزيني يا عيني... عسل بشهده ياتين...) كانت أرتال الذباب تحوم فوق البسطات, أسراب ورفوف تئز متنقلة من كومة إلى أخرى تبحث عن رزقها في بقعة شاسعة تنبعث منها رائحة تزكم الأنوف, يا الله كم كانت رائحة النهر كريهة, أقصد الذي كان نهراً اسمه (قويق), أما الآن فما هو إلا مجرى يسوق المجارير ثم يتقيؤها في السهول الجنوبية للمدينة, حيث يعتاش الكثير من المزارعين على مياهه الآسنة, بسقاية خضرواتهم المكومة في جنبات سوق الهال.. وما مثل مجرى قويق إلا مثل تلك العلاقة الجدلية بين الإنسان والحيوان من جهة, والطبيعة من جهة ثانية, فمع أن النهر ينفث الرائحة الكريهة المنتنة والأمراض, إلا أن الكثيرين ينتفعون منه في مكان آخر.. فما نراه ضاراً هنا قد يكون مفيداً هناك.. ورب ضارة نافعة, فما رآه السائق في المرآة قد يكون شراً بالنسبة له, أما أنا فقد رأيت وتنبأت كل الخير فيها, وكل إنسان يفكر بطريقته ولكن يجب أن تجمع الإنسانية على فعل الخير, وإلا لما قامت المعمورة... حملت المرأة صرتها وتبعتني, فمررنا بجانب عربة يشوى عليها اللحم, أشفقت عليها, وسألتها: ـ هل أنت جائعة يا خالة؟!. ـ ولِمَ تطعمني يا ولد؟.. أتريد أن ألم عليك الناس؟! امرأة ذات طباع غريبة, أشفق عليها فتهددني بالفضيحة, يا لها من عجوز حمقاء, تظن نفسها في عز الصبا, ولكن لو استنجدت بالناس, وولولت, حتماً ستغاث, وآكل نصيبي, فالناس هنا, وهناك, يصدقون التهمة, حتى وإن كانت من عجوز سبعينية العمر, سيهرع إليها الناس, ليقذفونني بما تطاله أيديهم من خضرة وموازين وأحذية, عند ذلك ماذا أفعل؟!, وهل يقاتل رجل أربعيني عشرات الحمقى؟!. ـ قف يا ولد.. إلى أين تأخذني (جاءني صوتها آمراً حاداً)؟!.. ـ إلى الكراج المطلوب.. ـ ومن يضمن لي أنك تسير في الطريق الصحيح؟.. ـ وهذا هو الكراج لقد وصلنا يا أمي.. نوبة من البكاء الصامت اجتاحت المرأة, مسحت دموعها على خديها الأجعدين, أمسكت بيدي ضمتني إلى صدرها, وشهقت بالكلمات.. ـ أعدها يا بني.. أريد أن أسمعها ألف مرة.. ـ ما بك يا أمي؟!.. ـ قلها أيضاً فأنا لم أسمعها في حياتي.. ـ وأنا مثلك يا أمي, افتقدت تلك الكلمة الرائعة.. قلتها لأنني بحاجة إليها, بفضلك عدت طفلاً يبحث عن لحظة حنان, عن شهقة خوف, وعن لهفة أم... انتابتني رعشة, جيش من النمل اجتاح عروقي وهي تضمني إلى صدرها وتضغط بيديها الواهنتين على كتفي, ولا أدري من الذي هدأ من روع الآخر. فقالت والدموع رقراقة في عينيها المرهقتين: ـ شكراً لك يا بني, فقد أعدتني إلى الحياة, رددت الروح إليّ, أيناسبك أن أقول لك يا بني؟ ـ منى نفسي يا أمي, فأنا أبحث عن أم تركتني أكابد وأعاني قسوة الحياة, وظلم الإنسان لأخيه الإنسان.. ولكن أريد أن أسألك.. أوليس لك أولاد يا أمي؟!. ـ بلى.. ولكن يا حسرتي (وعادت إلى بكائها المختنق). ـ هل ماتوا؟!.. ـ ليتهم.. ليتهم كما تقول يا بني.. إنهم ليسوا أمواتاً وليسوا أحياء أيضاً يا بني.. يا الله كم تعاني تلك المرأة, الأم, ولابد أن أعرف قصتها, فسألتها: ـ هل هم عاقون لتلك الدرجة. ـ لا والله يا بني.. بل إنهم.. (أخذت نفساً عميقاً وصمتت). أي لغز تقوله تلك المرأة؟!.. لابد أن أعرف, لذلك قلت لها: ـ إنهم ماذا يا أمي؟!.. مسحت دمعة من جانب عينيها, خشية أن أراها, وأشاحت بوجهها عني وقالت بحزن بالغ: ـ إنهم معاقون, ثلاثة أولاد معاقون وأختهم.. مات أبوهم منذ عشر سنين وتركهم لي, أخاف من خروجهم من البيت, مجتمعنا لا يرحم أمثال أولادي يا بني, أعمل خادمة في بيوت الأثرياء وأطعمهم. أسفت لأنني فتقت جروح تلك المسكينة, ولأكمل فضولي بمعرفة كامل قصتها سألتها: ـ وما هي إعاقتهم يا أمي؟!.. أقصد. ـ لا تكمل يا بني, فأجسادهم كالخيزران, فالكبير تجاوز الأربعين والصغير في الثلاثين, ولكنهم للأسف يا بني كعود القصب, من الخارج يلمعون كالذهب, ولكن من الداخل كالقصب الأجوف, إنهم باختصار بلا.. ـ أرجوك لا تكملي يا أمي.. تموز/ 2004. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |