|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
تحولات الخال العزيز ـــ خطيب بدلة تناولنا, نحن السامرين في دار خالي "أبي صطيف" بقرية أم الجحافل, عشاء دسماً, لم يشاركنا فيه خالي "أبو محمد", فقد جهزت له زوجتُه الثالثة "أم عبود" طعامَه الخاص, المؤلف من خبز النخالة, وبعض الخضروات المفرومة, مع قليل من زيت الزيتون.... و(الدوسير) قرص قطايف واحد محشو بقلب الجوز, وعليه قليل من السكر الطبي, كنا نأكل ونضحك ونمرح, أما هو فقد انزوى جانباً وراح يأكل ببطء, ومن دون تلذذ, وكان بين الحين والآخر يلتفت نحونا ويقول متوسلاً: ـ دخيل الله كلوا بقدر ما تستطيعون! الطعام, يا شباب, بالنسبة للناس الأصحاء, فيه متعة كبرى, أما أنا فقد قتلني الكولسترول اللعين, والشحوم الثلاثية من دون أن يُسَمَّيا بالرحمن الرحيم عليّ. هززنا رؤوسنا بأسف, لأننا نعرف حكايته مع المرض, وقال خالي الأكبر أبو صطيف: ـ لاشك أن معظمكم تعرفون أخي أبا محمد يوم كان شاباً, ما شاء الله عليه, كان مثل الجاموس الشبعان, بل إنه مَن تنطبق عليه أغنية سيد مكاوي عن "المعلم شعبان" القائلة: (طويل عريض, لو دب بإيدو الحيط, يقدر يسلم فيها عـَ الجيران).! قال أبو صلاح, مدلياً بدلوه في هذا الموضوع: ـ يا شباب قبل مدة من الزمان بدأتُ أشعر بوهن في مفاصلي. استشرت الدكتور علاء, فنصحني أن أحلل السكري والشحوم الثلاثية والكولسترول, ثم أذهب إليه في العيادة. المهم, أجريت التحاليل التي طلبها مني, وإذا بسكر الدم عندي مرتفع بعض الشيء, وأما الكولسترول فتزيد نسبته عن الحد الأعلى المسموح به بحدود خمسين ملجرام. ذهبت إلى علاء في العيادة, فزاد من قلقي إذ قال لي إن الكولسترول المرتفع يشبه القنبلة الموقوتة الساكنة في داخل الجسم, وأنت لا تعرف متى ستنفجر وتنهيك, خاصة وأنك قد تجاوزت الخمسين! لم يُرحني كلامه, فهرعت من توي إلى عيادة صديقي أحمد فوزي, في حلب, فلما رآني قلقاً أطلق ضحكة قوامها الاستخفاف, وقال لي: ـ اسمع يا أبا صلاح, هذه النسب العليا, المدونة على ورقة التحاليل الطبية المطبوعة, مأخوذة حرفياً عن المخابر الغربية, ولعلمك فإنك لو عشت هناك دهراً لن تجد من يتناول لفطوره ثلاثة أرغفة تنورية مع نصف كيلو قشطة, وعليها نصف كيلو عسل, ولن تصادف من يدعوك إلى عشاء على خاروف مكتف ومحشي باللوز, والصنوبر والجوز, وتبدأ أنت بتمليص قطع اللحم المدهنة وتأكل على طريقة (إما قاتلاً أو مقتولاً!).. احسبها إذا شئت كم تحتوي أكلة كهذه على شحوم وكولسترول, ولربما شاب شعرك في الحال! ضحك الحاضرون, وقال خالي أبو محمد: ـ سوف أكي لكم قصة تشبه في تأثيرها القنبلة الموقوتة التي أحكى عنها الطبيب الذي زاره أبو صلاح قبل أن يذهب إلى حلب! قلنا متشوقين: تفضل. قال: يا سيدي نعم, أنا كنت ـ كما قال أخي أبو صطيف ـ مثل الجاموس الشبعان, بل مثل النمر البري, وكان لدي عزم يقدرني على أن أضع القطعة النقدية بين إبهامي وسبابتي وأفركها فأزيل منها الكتابة! في يوم من الأيام تشاجرنا في سوق الغنم مع رجل من قرية "الزفيرة", فلطمته لطمة واحدة على وجهه أنشبت الدم من أنفه, وسقط من هولها على الأرض. وحينما جاء يوم السوق المقبل كنا ذاهبين إلى سوق الغنم أنا وأخواي أبو صطيف وأبو محمود, فوجدنا أنفسنا فجأة وسط كمين مؤلف من نحو خمسين رجلاً, من دون يمين أنا وحدي طرحت نصفهم, هذا قبل أن يتغلبوا علينا بكثرتهم. والتفت إلى أبي صلاح وقال له: لا تنظر إلي هكذا يا أبا صلاح, فأنا لم أخرج عن موضوع الطعام والشحوم والكولسترول. (وللآخرين) المهم في الموضوع هو أن ما كنت آكله من وجبات كبيرة وعامرة لم يكن يذهب سدى. بل كنت أقوم بأعمال جبارة: أعمل في الزراعة والتجارة وتربية البقر والغنم, وأحياناً في تكسير الأحجار, وذلك لكي أستطيع أن أطعم الأشداق الهائلة التي كانت زوجاتي الثلاث يتحفنني بواحد أو اثنين أو ثلاثة منها كل سنة, ولكي أطعم نفسي في الدرجة الأولى, وقد كنت ـ وحدي ـ آكل أكثر مما يأكله ستة رجال! قال أبو صلاح: أي نعم, فأنا حضرت لأبي محمد (موقعة أكل) ومن يومها شاب شعري وعادت لا تنفع معه الصبغات ولا الحناء, ولا حتى "بويا الصبابيط"! قال أبو محمد: المهم, نحن هنا, في أم الجحافل, ندبر أنفسنا بأي شيء, فإن لم تتوفر لنا اللحوم, نضع أمامنا عشرين أو ثلاثين رغيفاً, ونغط بالزيت والبندورة والملح ونأكل حتى نشبع, ونحمد الله, ثم نشرب دلوين من الماء أو ثلاثة ونشكر المولى عز وجل على نعمه!.. ولكن المصيبة الكبرى هي حينما تكون في بلاد أخرى لا يأكل أهلها مثل الجواميس والنمور, بل مثل العصافير. ففي يوم من الأيام, وكنت أعمل في تجارة البطيخ بين أم الجحافل وبيروت, التقيت في سوق الهال ببيروت صديقاً قديماً عرض علي أن نتاجر بمادة(المحلب) الذي تزدهر زراعته في منطقتنا, وأول سفرة اقترحها كانت إلى السويد. قلت موافق. وذهبنا إلى السويد, وهناك وقعت في الإشكال الذي أمهد للحديث عنه. في السويد ـ يا شباب ـ كل شيء رائع ومدهش, شعب يحب الحياة ويعرف كيف يعيش, إلا من ناحية واحدة, وأعني الطعام, يا رجل كيف يستطيع واحدهم أن يعيش بوجبات قليلة وبسيطة ومعظمها من السوائل؟ رحنا نبحث عن مطعم نأكل فيه شيئاً دسماً يقيم أودنا. أخيراً اهتدينا إلى واحد, سألت صاحبي: (ماذا تأكل؟) قال (اطلب لي نصف فروج مشوي) فناديت النادل وقلت له: ـ هات لنا ستة فراريج مشوية لو سمحت! بالطبع فقد كنا نحادثه بالإشارات, ولذلك فقد ذاق الأمرين حتى استطاع أن يسألني: (أنتم وحيدان أم أن لكما تتمة؟). قلت له: (ماذا يهمك من هذا الأمر طالما أننا سندفع لكم فلوساً؟!) المهم. الرجل انغلب على أمره وذهب, وبعد قليل بدأت المشاورات بينه وبين زملائه وصاحب المطعم, ثم أنزلوا لنا الطلب وشرعوا يراقبوننا من بعيد, وكذلك الزبائن, وأما أغرب ما شاهدته في ذلك المطعم فهو امرأة جميلة, ونحيفة, ورقيقة. كانت تجلس على بعد طاولتين من طاولتنا. هل تدرون ماذا فعلت؟ قلنا: ماذا؟ قال: كانت تختلس النظر إلي وأنا آكل بنهمي المعهود, وحينما انتهيتُ من تناول الفراريج الخمسة, وباشرت بالسادس, كش وجهها, وجحظت عيناها, ثم أجهشت بالبكاء! |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |