جريدة الاسبوع الادبي العدد 1012 تاريخ 24/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

بقعة ضوء ـــ وليد معماري

جمعتني الحياة مع عامل نسيج يعمل في القطاع العام.. كنت ألتقيه، ونجلس على مستوى واحد من حيث المراتب.. فهو عضو بارز في نقابة عمال النسيج.. بينما كنت عضواً متواضعاً في اتحاد الكتاب العرب... أنا ألبس من بعض ما ينسج.. وهو يقرأ لي بعضاً مما أكتب.. وكنا، من باب المجاملة نتبادل الإعجاب... هو بما أكتب.. وأنا بما ينسج!... وقد أسر لي ذات يوم أنه يقارف الكتابة، حين يعود إلى البيت نهاية (الواردية) بأعصاب متوفزة، سببها ضجيج الآلات التي تظل تطحن أعصابه، وتطن في أذنيه، وتبعد عنه النوم لساعة أو ساعتين..‏

واعترف لي أنه قرأ ذات يوم في مقابلة مع كاتب عالمي يقول فيها، أن الكتابة نوع من أنواع امتصاص التوتر.. مع إدراك صاحبي العامل للفرق بين التوتر الوجودي المتأتي من حساسية المبدع المفرطة التي تدور حول انشغاله بأزمات الإنسانية.. وبين توتره الناتج عن ضجيج المسننات الفولاذية، وصريرها الذئبي!...‏

وأبدى العامل رغبة لديه في أن يطلعني على بعض ما كتب.. معتذراً من أنه يكتب على أوراق دفاتر أولاده الفارغة المدوّرة من عام سابق.. ومن أجل التوفير في استهلاك الورق، فهو يكتب على الوجهين، تماماً كما يفعل كثيرون من أفاضل كتابنا!..‏

أذكر أن صديقي عامل النسيج، في زياراته لي، أو زياراتي له، كان يروي لي حكايات مشوِّقة، وبسيطة، وسلسة وعفوية... وأما أوراقه التي حملتُها لأقرأها على (رواق)، فقد وجدت فيها الكثير من فذلكات اللغة.. والعقد التي يحملها عامل مثقف وبسيط، تجاه إنتاج معقد كتبه رجل مهووس، يدعى (كافكا)، وبعض التخريب الذي أحدثته (ناتالي ساروت).. وشيئاً ليس قليلاً من تخاريف (آلان روب غرييه)..‏

ونصحته أن يكتب كما يتكلم، ويلتفت إلى موهبته، ويبني طوابق كتابته على أعمدة راسخة من كتابنا الموهوبين، من أمثال فؤاد الشايب، وعبد الله عبد، ومواهب، وحسيب كيالي، وعبد الله عويشق، وسعيد حورانية..والمعلم الأول في القصة العربية القصيرة، يوسف إدريس... ثم يبتدع شرفات واسعة تطل على سهول مفتوحة لكل سباقات الخيول..‏

وقد التفت، إلى نصيحتي، وأبدع.. وصار عضواً في اتحاد الكتاب...ثم تحت ضغط لقمة العيش، وضغط مصاريف العلاج، سواء له، أو لزوجته، أو لابنه.. انحرف نحو الكتابة على الهواء، وخاصة المرئي منه.. والتفت إلى المردود التجاري الأعلى... رافعاً لواء الاستسلام للكلمة المكتوبة على الورق... لأن الكتابة على الورق، لا تأتي بالخبز...‏

ومثلما شهدت الساحة العلمية نزيفاً في هجرة العقول نحو الغرب، لا لأسباب مادية فقط، بل غالباً لعدم وجود مطارح سليمة تمارس فيها هذه الطاقات نشاطها، أو الاعتراف بها... عانت الطاقات الأدبية والفكرية مثل هذا النزيف... والأمثلة أكثر من أن تعد.. وبعض هؤلاء ارتحل هرباً من نقص الأوكسجين مثل نصر حامد أبو زيد، وبعضهم ارتحل لأنه لم يمنح ما يستحقه من كفاف الحياة، أو وجود الملعب الملائم.. وأذكر من هؤلاء على سبيل المثال، لا الحصر: حسيب كيالي.. زكريا تامر.. عبد الله الشيتي.. سليمان العيسى.. مانويل جيجي.. أحمد نديم معلا.. وليد مدفعي.. علي كنعان.. والقائمة تطول، وتطول..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244