|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
في أدب الرحلات فرنسيس فتح الله مراش ورحلة باريس (نموذجاً) ـــ إسماعيل الملحم عرف العرب منذ زمن طويل أدب الرحلات, وقد كانوا في جزيرتهم ـ على الأغلب ـ قوماً رحلاً. الترحل والانتقال جزء هام من حياة عاشوها في جزيرتهم وأدت بالكثير منهم إلى هجرات امتدت من بحر الظلمات إلى بلاد ما وراء السند والهند, وعبر بعضهم مضيق جبل طارق إلى بلاد مختلفة عن بلدان عاشوا فيها من حيث الطبيعة وثقافة أهلها ونمط حياتهم. ويذكرنا القرآن الكريم بأهم هذه الرحلات التي كانت ترتبط بمواسم سنوية ثابتة. (لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف(. وحين ازدهرت الحضارة العربية ونمت ثقافة ذات فضاءات واسعة لم يبق العرب أمة شعر فحسب, وإنما كانت ثقافتهم تستوعب أجناساً كثيرة من الأدب والنقد وازدهرت داخلها علوم مختلفة شكلت مرحلة هامة وأساسية من مراحل تطور العلوم ونمو الفكر العلمي, ولم يغب أدب الرحلات عن هذا الفضاء الواسع الثري. حمل الشعر العرب بعض أخبار الرحلة وأشكالها.. ولم يكن الوقوف على الأطلال إلا الإشارة الواضحة على تلك الرحلات الجماعية من ربع إلى آخر... وحين استقرت الدولة بعد الفتوح المعجزة خلال عقود قليلة في زمن كانت وسائط النقل فيه كائنات حية ليس غير, برز أدب الرحلات ليشكل أحد أهم تجليات الثقافة في ذلك العصر, وكرست أخبار الرحلة في أمهات الكتب دبجها ابن خلدون, وابن بطوطة, وابن جبير وكثيرون غيرهم. يروون فيها مشاهداتهم ومعاناتهم في بلدان وصلت إليها رحلاتهم أغنت معلوماتهم وأخبارها الحياة الثقافية وصفوا دياراً غير ديارهم وتضاريس قطعوها بوسائلهم البسيطة وأدواتهم الضعيفة... وتحدثوا عن عادات متنوعة لدى شعوب اختلطوا فيها وعرفوا بلهجات ولغات ووسائل تعبير عاينوها وكانت آثارهم في الكتب التي نشروها تشكل أحد أهم وسائط المثاقفة مع شعوب كثيرة متنوعة الأعراق والثقافات. وخلال القرنين الماضيين نشطت الرحلة العربية من جديد ـ ونشاطها هنا يقاس على ما توفر حينئذ من أدوات ووسائط ـ فكان القائمون بها على درجة متقدمة من الثقافة, وكان لبعضهم صلات مع أفواج من الرحالة والمستشرقين على الأخص, من البلدان الأوربية والأمريكية مما جعل من ذلك أحد حوافزهم فقصدوا تلك الديار يرودونها ويتعرفون عليها. حاولوا من خلال ذلك أن يدونوا ما لمسوه من عوامل نهضة الآخر وتقدمه. نقلوا في مدوناتهم صوراً شتى من أنماط العيش وطرائقه ومن ذلك التطور الاجتماعي والاقتصادي. وسواء كانت أهداف هؤلاء تتعلق بحب المعرفة أو طلب الثروة أو المتعة أو غير ذلك من أهداف فإن ما نقلوه كان يعبر عن مستوى وعي كل منهم بشكل قد يتوافق مع مستوى الوعي عن غيره أو يختلف. اشتهر عدد من هؤلاء الرحالة من خلال الكتب التي ألفوها عن رحلاتهم والتي امتاز بعضها بسعة الأفق واستقراء الحضارة الغربية التي كانت في أهم أطوار نموها وانطلاقتها. ومنهم من وقف عند حدود الدهشة والانبهار وآخرون حاولوا أن يقترحوا حلولاً لحالة التردي العربي والتخلف بالموازنة مع مشاهداتهم واستقراءاتهم. فاشتهر من هؤلاء رافع الطهطاوي وخير الدين التونسي وأحمد فارس الشدياق وفرنسيس مراش. فإذا كان الأولان قد كانا مؤمنين بالخلافة العثمانية, وضرورة بقائها, في كتابيهما تخليص الإبريز وأقوم المسالك فإن نظرة كل منهما تذبذبت بين النظرية التقليدية إلى الأمة الإسلامية وبين القومية أو الوطنية في المفهوم الغربي. أما الشدياق ومراش, اهتما أو التفتا إلى ذلك البون الشاسع بين الظلم الذي ساد في ظل الخلافة المريضة والحرية السياسية التي تمتعت بها البلدان الأوربية التي زاراها(1) وكان واضحاً أنهما لم تأخذهما الدهشة للانخلاع من انتمائهما, فخر كل منهما بعروبته ووجها انتقادات لاذعة لمواطنيهما حيث استسهلوا الخنوع جهلاً منهم وإهمالاً للغتهم العربية جاء ذلك في كتابي الساق على الساق للشدياق, ودر الصدف لمراش, كما هاجما الغربيين حيث لمسا احتقارهم للعرب واستغلالهم, فيقول فرنسيس مراش مخاطباً هؤلاءٍ: فما فضائلكم في الأرض نحسبها * * * غير الحروب ودفع الناس في الحرب أما الشدياق فيكتب: ألا لا بارك الله في يوم رأينا فيه وجوه هؤلاء العجم, فقد احتكروا خيراتنا وأرزاقنا, وأفسدوا بلادنا وعلموا من عرفهم منا البخل والحرص والطيش والسفاهة(2). ولد فرنسيس فتح الله المرّاش في حلب سنة 1835 وتوفي عام 1874 لوالد له من العلم نصيب, كما يقول محقق الرحلة. وأخوه عبد الله أديب معروف عدّه جرجي زيدان من أبلغ الكتاب العرب أما أخته مريانا فكانت شاعرة وكاتبة وشعرها متين ورائق كما قال عنها مارون عبود. (ص12 من الرحلة). وكان مراش واحداً من عدد من الرواد من أبناء مدينته حلب التي أنجبت عبد الرحمن الكواكبي المتوج بأنه صاحب مشروع نهضوي اشتهر من بين آثاره كتابه ذائع الصيت طبائع الاستبداد. أما في مجال الرحلة إلى الغرب فكان من الحلبيين: رزق الله حسون (1835 ـ 1880) وجبرائيل الدلال (1836 ـ 1892) وقسطاكي الحمصي (1858 ـ 1941)(3). وكتابه رحلة باريس (طبع بيروت 1867) لم يكن كتابه الوحيد فله كتب أخرى في الشعر والنثر أشهرها غابة الحق طبع سنة 1881 يعدّه بعضهم أول أو أقدم رواية عربية. يعلن مراش في بداية كتابه هدف رحلته بعد ديباجة طويلة يبرز فيها رؤيته للحياة وهاجسه في البحث (فلما أدركت رشدي, وبلغت أشدي دخلت هذا العالم لأتجسسه (أي لأبحث عنه وأفحصه). معلناً مبدأ عقلياً لا يؤمن به إلا الراسخون في العلم, إذ يشبه العالم بسوق أقامت فيه الخلائق حوانيتها. وكل يرى هذا السوق على كيفية نظارته وماهية نظره, ولأنه على هذا القدر من فهمه للعالم وما يدور فيه يمم شطر بلاد الغرب طلباً للعلم. (فلم أجد بضاعة أشرف من انتقاد هذه الحوادث, والبحث عن حركات هذا العالم رغبة بنيل علم المحيطات حولي والمقدرة على التأسي في أسى الدنيا غير ملتفت إلى ما رأيت من السوء الذي يلحق بتبعة هذه البضاعة. (ص10). فانخرطت في سلك طلبة العلم وأخذت أخوض تلك العباب التي ليس لها قرار. ولأنه على هذا القدر من الطموح فقد توجّه لدراسة العلوم العالية واللغات. (اتفق لي أحد مهرة الأطباء الإنكليز فألقيت ثقلتي على مسايرته, وبدأت أدرس عليه العلوم الطبية وأنا في سن الخامسة والعشرين كانت رحلته هذه قد بدأت عام 1866, وقد سبق أن سافر مع والده إلى باريس قبل ذلك عام 1850 ـ ولم أزل أن هضمت أربع سنين كوامل على مائدة هذه الدراسة حتى صرت طبيباً برأي المعلم, وجهولاً لدى نفول المدارس. ولشعوره في نقص تأهيله قرر الرحيل إلى باريس مغادراً حلب في 7 أيلول 1866. ويمضي في شرح طويل لما صادفه في رحلته تلك ابتداء من بلوغه اسكندرونة. وأول ما يصف من البلدان والمدن الاسكندرونة (رأيتها هاوية في أعمق هاوية من التقهقر والانحطاط, وأي نفس لا تشعر بهذا الثائر إذ رأت ميناء حلب ومدخل تجارة الزوراء وتركستان ومخرج أنسجة ومحصولات عربستان صائرة مسرحاً لملاعب الخراب. (ص31). ويذكر أن هذه القرية التي مر بها, لم تكن قبلاً على هذه الصورة المهينة ولكن أياد عبثت بها فصارت إلى ما هي عليه, منها يركب الباخرة التي ترسو في كل من اللاذقية وطرابلس وبيروت التي (أصبحت مبزغاً لكل نور يلوح في هذا الإقليم ففيها جملة علماء عظام, ومدارس معتبرة, وجمع غفير من المطابع وآلات البخار... ثم يكون للباخرة محطة في يافا.. (فلم أجد هناك ما يذكر سوى بعض حدائق غناء وبعض بقايا رسوم دارسة) ص33. ثم في الاسكندرية بعد أكثر من أسبوع من بداية رحلته تلك. فيرى فيها نهضة عمرانية وتجارة متقدمة, لكن (كلها إلا قليلاً في أيدي اليونانيين القاطنين فيها) وإذا تمتد الإقامة في الإسكندرية أياماً يقصد القاهرة, يجوب شوارعها وخزانة التحف فيها (المتحف) ويزور جامع القلعة الذي ابتناه محمد علي, والسرايا والمسرح وغير ذلك من معالم المدينة. يعود إلى الإسكندرية وتنطلق الباخرة بركابها نحو مرسيليا, (حيث وجدت ذاتي حينئذ مرتاحاً في حضن الغرب) متخطراً تحت سماء أوربا ص36, وفي طريقه إلى ليون مبرز اندهاشه من أجواء الطبيعة ومناظرها الخلابة. حيث الخضرة في كل مكان, فدغدغت تلك المناظر مخيلته ولم يجد بداً من دعوتها ليخط قصيدة يبوح فيها انطباعاته وتأثره بجمال الطبيعة وتقدم العمران تبلغ ستة وعشرين بيتاً. وتتوالى أخبار الرحلة في وصف ما يرى من جمال الطبيعة ومن صناعة البشر حيث جولته في ليون لمدة ثلاثة أيام ثم في رحلته على نسر البخار, كما في يسمي القطار إلى باريس عاصمة الفرنسيس وعروسة جميع مدن المسكونة... ليتحدث عن بعض من تاريخ الأمكنة التي يشاهدها وعن النظام الذي تنتظم فيه الشوارع والأوابد العمرانية والأسواق المنتظمة والواجهات البلورية, حيث لا مثيل لذلك ففي بلاده آنئذ ولا يخفي الكتاب اندهاش الرحالة وانبهاره بحضارة مشرقة على مستويات مختلفة من عمران وتجارة وتقدم علمي لا يكتفي بالنظريات وإنما ترى كيف يوجد جانب كبير من العلوم يستلزم كونه عملياً وعيانياً بعد كونه نظرياً. (يعرضون جميع ما عندهم من الصنائع والآلات, ويرسمون كل نواميس حياتهم الأدبية أو الطبيعية حتى يخال الناظر أنه يحيط بالنظر إلى جميع العالم البشري ويحدق بكل ما فيه). ص45. ويسهب في وصف طرائق التعليم ومناهجه التي لا تترك شيئاً في عوالم الإنسان والحيوان والنبات إلا وتدرسه تحلل في صفاته وخصائصه وتعدد أشكاله وأعراضه (فيرى الدارس كل سكان البر والبحر تتخطر أمام عينيه, فيدرسها ويفحصها محيط علمٍ بجميع مشتملاتها الجوهرية والعرضية, ويفهم كل أعضائها ووظائفها..) ص46. ويبين اهتمام الناس بالتعلم حيث يتراكض الأطفال إلى المدارس فكلٌ لابد وأن يدري شيئاً من التاريخ وعلم الأرض والحساب, وبعض أصولِ الهندسة لتوسيع دائرة أفكاره, وتقوية قوة إدراكه... وإلى جانب ذلك فإن المجتمع لا يبخل على العلماء والمتفوقين بالتقدير التكريم والترقيات. ولا ينسى أن يقارن تلك النهضة الكبرى وذلك التقدم المدهش بما كان عليه الحال في المشرق... فلا كرامة لطالب العلم, بل كثيراً ما يصبح موضعاً لسخرية الآخرين وتندرهم (هذا نحوي بارد) أو شاعر مشعر, أو بعرفينو أو فلفسوس, وإذا كان يعرف شيئاً من التاريخ فهو حكاكاتي..." ص47. ومع شدة إعجابه بمظاهر المدينة والرقي لا يغفل عما يشوب هذا المشهد العام من بعض السلبيات التي يستنكرها, مثلما يحصل عندما تدخل جماعات قاعات المحاضرات في المدرسة قاصدين إثارة فتنة ما وهم على الأغلب فئة من الطلاب يثيرون الشغب على بعض المدرسين فينتقمون من مدرس يدقق في الامتحان فيريدون بذلك إما عزله أو الإساءة إليه. لكن إلى جانب هؤلاء فهناك من يواظب على الدرس ليل نهار ولا يصاحب غير العلماء. ولا يتناقشون غير مع الفهماء, يبحثون في دقائق المسائل وحل مشكلاتها. وفي كل مشهد مما يصف لا يقتصر على الوصف ونقل المعلومة لكنه يقدر ما يرى وما يشاهد ولا ينسى أن يذكرنا بأولئك العلماء الذين اكتشفوا ما غيّر في سير العلوم وما دفع بها نحو رقي ما زال البشر ينعم بنتاجاتهم وما جادت به أفكارهم من غاليله إلى هيوم وهارفي وغيرهم مع ما لاقاه هؤلاء من مصاعب أدت بحياة بعضهم أو بمضايقته وإيقاع الأذى به. وهكذا يختتم حديثه عما رآه وخبره في باريس, "هذا ما أمكن للقلم الآن أن يتمخض به نثراً في الكلام على هذه المدينة البديعة, باريس, سيدة المدن, وعلى بعض أحوالها, ولكن من يأتي إليها ويشاهد محاسنها عياناً إنما يراها فوق كل كلام وشرح". ص51. هذا الكتاب وغيره من كتب الرحلة إلى الغرب على مدى القرنين الماضيين, يسهم في اكتشافنا (طبيعة الوعي بالآخر الذي تشكل عن طريق الرحلة والأفكار التي تسربت عبر سطور الرحالة والانتباهات التي ميزت نظرتهم إلى الدول والبشر والأفكار) بهذا يفتتح الناشر هذا الكتاب في سلسلة (ارتياد الآفاق). وقد حرره وقدم له قاسم وهب بلغة شفافة وأمانة علمية تميزت بها تحقيقاته الكثيرة سواء في هذه السلسلة أو في بعض منشورات وزارة الثقافة السورية. الهوامش: ـ الاستشهادات المومأ إليها برقم الصفحة من كتاب: ـ رحلة باريس لفرنسيس فتح الله المرّاش ـ سلسلة ارتياد الآفاق 2004 ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر. (1) نازك سابا يارد: الصراع الفكري والحضاري في أدب بعض الرحالات ـ الفكر العربي ع 51 ص11. (2) السابق: ص15 و17. (3) فرنسيس المراش: رحلة باريس ـ من مقدمة المحقق قاسم وهب هامش ص 11. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |