جريدة الاسبوع الادبي العدد 1012 تاريخ 24/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الحداثة في قصص (ما بين زحل وكمأة) اقتراب من عتبات الشعر... أو هو الشعر! ـــ عوض سعود عوض

صدرت للأديبة نجاح إبراهيم مجموعة قصص تحمل عنوان "ما بين زحلَ وكمأةٍ". معروف أن زُحلُ هو كوكبٌ تحيط به منطقة منيرة, يضرب به المثل في العلو والبعد والكمأة جنس فطر من فصيلة الكمئيات, يعيش تحت الأرض, لونه مغبر, يهيَّأ منه طعام لذيذ, ويقترن بالرعد والبرق.‏

وإذا أردنا قياس المسافة ما بين الأرض وزحل فهي بالسنوات الضوئية. لهذا فالعنوان يعبر عن البعد الشاسع بين زحل والكمأة. تأتي المقارنة من كون الكمأة استطاعت أن تثبت ذاتها, وأن تكتشف زيف الرجل الذي لقبته بزحل وزيف الشعارات والأقنعة, وخداعه للناس والظهور بوجهين. وهاهي ذي تقول: "وطلعتُ إليك كمأةً من عبق الأرض, وطلعتَ إليّ جرحاً غضاً, وشرخا في الذاكرة وأصابعَ ذات رائحة مميزة ما تني تضغط على عروقي المنتفضة".‏

أما التماهي ما بين الكمأة والأنثى فنجده واضحاً في النص, لهذا فالعنوان يلبي طموح الكاتبة التي لا ترى من الرجل سوى التزلف والتقرب, لأسباب لها علاقة باستغلال الجمال والجسد. وهو أي العنوان يعبر بشكل أو بآخر عن مضمون أكثر من قصة. كما في القصة التي تحمل عنوان المجموعة وفي قصة "هذا المساء, شيء من حب" وغيرهما.‏

السؤال الذي يُطرح ما مواصفات القصة في هذه المجموعة, أهي نص أم قصة أم ماذا؟ للإجابة عن هذا السؤال أقول إننا أمام نص شاعري وجداني ذاتي, تنطبق عليه مواصفات النص, وتنطبق عليه مواصفات القصة إلى حد كبير. ومنعاً لأية إشكالية سأسمي هذا النص القصة الحديثة أو الحداثية أو القصة الشاعرية أو القصة الجديدة أو أية تسمية أخرى يمكن أن تنطبق على هذه النصوص. فهذه القصص تتضمن الشعر كعنصر هام في النسيج القصصي ولا تهمل الحدث, وإن كان خطاب الشخصية وأفعالها أقرب إلى المنولوغ الداخلي من التركيز على الحدث. وهي تحاول بعثرة الحدث والاشتغال على اللغة أكثر مما يجب.‏

فاللغة غنائية خاصة فيها بلاغة ودقة في التعبير, مما حول السرد إلى شيء وجداني, ذاتي إلى حد كبير. نتبين اللغة الخاصة من الإهداء ومضمونه.‏

فلو استعرضناه لتبين لنا كم من الشعرية يخبئ.‏

"حين تعرف كيف تضيء الشرفات, وكيف تقف مرتعشاً أمام بوّاباتي التي لا توصد بوجه المطر, ومتى أسرجُ الصمتَ في لحظة جنون واشتعال؟!‏

آذن لضلالك لأن يكون نبيلاً, فيخطو باتجاه فضائي!".‏

إن التعابير المستخدمة تنم عن مقدرة عالية في تكوين الجملة واختراق المألوف, القصص سرد على درجة من السلاسة, وانتقاء لكلمات استخدمتها في غير معناها:‏

"عاد رشيقاُ فوق دروب بلدته التي بدأت تلمُّ أطراف ثوبها عن الجسد المتعب الكليل" ص/31/.‏

فهنا في عبارتين لها: لملمت أطراف ثوبها, والجسد المتعب الكليل", استخدما في غير معناهما المعروف. فهل لدروب البلدة ثوب. وهل هذه الدروب هي الجسد المتعب؟!..‏

في قصة "هذا المساء, شيء من حب" تمهيد شاعري نأخذ منه السطرين الأوليين:‏

"يا أيّهذا النصُّ هو اغترابي يتجامع في المكان, فيذيب وقدي!"‏

أخلص إلى أن الشاعرية والنثرية المميزة والرائعة هي سمة غالبة على القصص. ولعل مقطع انعتاق من قصة "الميتات الأربع" يشكل مدخلاً لمثل ذلك ومن المقطع: "فكت السماء عروة القميص الرمادي, المشرب بخطوط حمراء عابثة, فعكست مرايا الأفق دم النار على العروق الشفيفة, وتساقط برتقال وتوت وعناب. وأشرق غروب مدمى بعد مخاض عسير وقلق, حينها أعلنت شجرة يتيمة, ومنفردة في عزلة جبل أجرد بدء الحراسة, بعد أن غمرت ذؤاباتها بمخمل السهر. بينما قرفص رجل في مقتبل العمر, ناحل بمسوحه الأبيض, وإطراقته الطويلة, مرسلاً نظرات حزينة إلى كومة تراب رطبة" ص /58/.‏

إن دراسة بسيطة لمثل هذا النص ستقودنا إلى الاعتراف باستخدامات عالية وفنية للغة.‏

استخدامات للمفردات في غير ما تجيء به عادة. فهل تفك السماء عروة قميصها الرمادي؟ وتعبير ذؤاباتها بمخمل السهر, وغير ذلك من جمل وتعابير استخدمت بشكل ملفت ولصالح القص.‏

ومن الأمور التي لحقت الفضاء النصي, تقسيم النص إلى عناوين فرعية, كل عنوان يتحدث عن حالة معينة لتشكل هذه المقاطع الإطار العام للقصة. أحياناً لا تضع عناوين فرعية بل تلجأ إلى الفصل بين المقاطع بنجوم. وهذا واضح في القصص كافة.‏

ومن القضايا التي اعتنت بها القاصة العتبات التي تعتبر مدخلاً للقصة. معظم القصص لها عتبات متفاوتة في الطول. أحياناً يكون على شكل جملة من بضع كلمات كما في "حلم الرجل القنفذ" والتي جاءت على شكل سؤال هو: "أما من محاول للانعتاق؟" وأحياناً تقترب من حكمة فيها سبب ونتيجة كما في: "هذا الناعس أفاق لونه, فأحرق الضّالَّ في مداراته "في قصة" أنثى البنفسج الحزين"... أما عتبة قصة "هذا المساء, شيء من حب" فقد اعتبرت مقدمة شاعرية جميلة, وضعت على خلفية جلدة الكتاب. اقتطف منها:‏

” يا أيهذا النص,‏

هو اغترابي يتجامح في المكان, فيذيب وقدي!‏

أما كنت بناء ذبيحاً بلا أساس وأعمدة,‏

فأوقدت لك الأصابع بزيت الفكر, ليشعل شاهقك, وتسبحه برعشك الفينان؟"‏

العتبة النصية التي امتدت على مدى صفحة, هي مقدمة وعتبة لقصة "ما بين زحلَ وكمأْةٍ"‏

ومن الأشياء التي أضفت على الفضاء النصي جمالية, قضية الإخراج وترتيب الخطوط. فتأتي بعض الفقرات على شكل جمل شاعرية, كل جملة تأخذ سطراً, وهذا واضح في القصص كافة. أحياناً تضع في السطر كلمة أو كلمتين. كل ذلك مدروس بعناية بحيث جاء مكملاً للفضاء النصي, مما أعطاه جمالية خاصة, وهذه الأمور هي من التحولات التي لحقت بالقصة القصيرة.‏

أما الزمن في هذه المجموعة, فقد كسرت تسلسله, مرات تدعه يتوالد مع النص, ومرات تتحدث بالماضي أو الحاضر أو استشراف المستقبل, نجد أن الزمن موزع بشكل غير متساو وبشكل عبثي وربما منظم, فيتحد النص ويشكل ذاته على الرغم من هذا التشتت, وحول توزيع الزمن في القصص نراه مختلفاً من قصة إلى أخرى.‏

أخيراً تتجاوز القاصة البرهة الزمنية المتاحة في القصة القصيرة, لصالح تشتت النص وتفرعه وإطالته. إلا أنها كانت قادرة على شدنا من بداية قصصها إلى نهايتها, وهذه ميزة تتفوق فيها.‏

* "ما بين زحلَ وكمأةٍ" مجموعة قصصية ـ 125 صفحة ـ من القطع الكبير من إصدار دار طلاس لعام 2003, غلاف المجموعة لوحة للفنان جورج شمعون.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244