|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الحر ـــ كنانة العفاش يجتهد كثيراً في حياكة كذبة مقنعة, لكنني أثابر على عدم تصديقه, يعتذر ويقسم أن لا يد له في كل ما يحدث فأتجاهله وأمضي به لأعرضه في المزاد العلني, لا أحد يشتريه, أنزل به إلى جميع الأسواق, أَبخس في ثمنه كثيراً, أعدل, أقدمه مجاناً لكن الجميع يمضي عنه ساخراً.. إنه رأسي رأس متمرد كثير البكاء والتذمر يثقل علي كثيراً هذه الأيام. عدتُ به إلى أمي تجرب عليه جميع أنواع الأبخرة والتعويذات وتمائم ورثتها عن جدتي لمثل هذا الداء, وقلائد قلدتني إياها وهي تردد هذه: (ستقيك من الجن الأزرق) لم أعد أذكر ألوان وأشكال الجن والشياطين التي أخذت تقفز فيه بألسنة طويلة. عرضته على جميع الأطباء النفسانيين لكنهم اعتذروا عن وقت سيبذرونه دون فائدة. أذكر حين أوقفني أستاذ الصف يسألني: (أين عقلك؟) كي أبرهن له أنه معي أمضيت النهار أفتش عنه عندها فوجئت به في رأسي.. ـ في زمن مضى كنا نحمل رؤوسنا فوق أكتافنا دون أن نشعر بأن ما نحمله جبال ملح ثقيلة ـ اليوم كل شيء تغير, لذاك حملت رأسي أضرب به جميع الحيطان والمقاهي والمحطات, لكنه ظل حياً واقفاً كخشبة مسندة. تتحدث عنه نساء الحي كثيراً, وعندما يفرغن يكثرن الحمد لله أنقذهن مما أُبتليت به.. أسأله وأنا استجمع غليان غيظي في قدر واحد: (ماذا تريد مني؟) يجيب خائفاً: (أن ترتقي ثقوب الشمس...) كل ما حدث له بسبب تلك الشمس, عندما رآها تنزف دماء ساخنة وتتلقف كرياتها تسقط من كل حدب, صعد كي يغلق ثقوبها, ومن حينها وهو يمشي مضرّجاً بدماء ملونة. دفعته عدة مرات إلى بئر عميقة كي يستحم لكنه خرج كما هو.. رشوته بالمساحيق والأدوية والأغطية, حشوته بالمسكنات, توددت إليه بنزهة إلى شمس ثانية وذكريات جميلة, لكنه اعترض متبجحاً.. أحصيت معه جميع قطعان الخراف يتقدم في العالم كي ينام لكنه ظل متيقظاً لفكرة إزعاجي.. بينما كنت انقّله من حي إلى آخر, سقط مني سهواً أو ربما قصداً لم أبحث عنه قط بل ركضت هاربة كي لا أتعثر به, إلا أنه فاجئني في الصباح الباكر أمام الباب يبكي شعرتُ أن مصائب الدنيا بما فيها من كوارث اندلقت دفعة واحدة علي أي عليه. فقدت الحيل مع هذا الرأس المجنون. رفعته بيدي عالياً وألقيته بقوة غيظي, تدحرج أمامي منكسراً إلى نصفين أخذ الداء يسيل منه متوجعاً (وطن مدمّى... وطن بلا عصافير مجنحة وأعياد وأحلام بلا أطفال... وطن بأجساد تمشي دون أقدام. بوجوه انطفأ قنديل الفرح في سحنتها فبدت شاحبة كخريف كئيب, وطن يحمل فجيعته تحت ذراعه ويجوب بها باحثاً عن مكان ينام فيه).. قضيت على المرض إذا.. ركّبت أجزاء رأسي السليم وأعدته إليّ معافى بصحة جيدة, أمضيت وقتي الطويل أتأمله أمام المرايا, أنظم له القصائد, أعتذر له عن سوء تصرفي, أجوب به كل الأمكنة والأزقة في حينا مختالة به, الجميع يُفسح له المجلس, الجميع يبارك لي رأسي الجديد: (يا الله كم يبدو رأسك جميلاً...). أطالبه أن لا يجيب ولا يعبأ بالتهنئات الكثيرة ولتكن له أنفة المنتصر في معركة غير متكافئة. أعود به كي لا تطرقه عين حاسدة على حسنه.. حينها راح ينبهّني: (انظري إليها... الشمس!) حملته وركضت به كي لا تصيبه نكسة المرض ثانية. أغلقت الأبواب, أسدلت الستائر, أثثت له سريراً دافئاً ممتلئاً ببطاقات التهنئة وطاقات الورود. عندما تعثر سكونه بصوت أمي من الغرفة الثانية تشكر جدتي على التمائم وكيف بأعجوبة فتكت بالمرض وقتلته.. أحكمت إغلاق الباب كي لا تزعجه الضجة أو كي لا تتسلل أشعة الشمس الحمراء إلينا, غفونا أنا ورأسي الجميل هانئين مثل باقي الرؤوس الطيبة.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |