جريدة الاسبوع الادبي العدد 1012 تاريخ 24/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

قيد الذاكرة ـــ منى عبد الهادي

* عجيبة هي تلك الليلة... دوامة الذكريات تتخبط في رأسها وتقذف بها إلى جوف الماضي.. إلى أحد أحياء دمشق العتيقة حيث أينعت عناقيد الحزن ليترقرق القهر خمرة نارية أذابت جليد الصبر في داخلها.‏

* قبل سنين ظنت لينا ـ وإن بعض الظن إثم ـ أنها ستغير الأشياء وتقبل المفاهيم التي آمنت بها يوماً, لكن ما أقسى القدر وما أظلمه؟!... كانت تحلم بحياة فوارة.. علم وعمل يأس وأمل, وسعادة وقبل.. كلمات بطعم الملح وجهتها يوماً لأبيها, فقال لها يومها كفاك أحلاماً وأوهاماً ولتكن أحلامك صغيرة بحجم يدك الصغيرة.‏

* ابتسمت وهي تداعب خصلات شعرها الحريري الحنون, بينما اعتصرت مرارة تجثم حبيسة في أغوار نفسها وشعور بالغثيان, انتابها بقوة... كانت تعيش نوبة حزن حقيقي وسط حرائق تدمرها وحدها كقصيدة لا تنطفئ... بقيت صامتة واجمة وبدأ جسدها يرتعش كما لو أنها في منتصف ليلة من ليالي الشتاء القارسة, وإحساسها بالبرد اختلط بدمها.‏

* تحس بانقباض مفاجئ في صدرها.. تختال أمام عينيها عربة مكدسة بالأثاث... تمضي بعيداً تاركة وراءها خيطاً من دموع حارقة تأبى أن تولد أمام أحد.. قالت وهي تبتسم بحزن: (سأموت كأني لم أولد, إذا غادرت دمشق...).‏

* يقتحم خلوتها صوت مألوف مأنوس... إنه أبو أحمد, أحد قبضايات دمشق وزعماء الأحياء قارب السبعين من العمر, وعلى عادته في تجنب الجدال العقيم, فتعليقه موجز يصف الحالة بحكمة الدهر الأزلية, ابتدأ حديثه معها بالدهاء المعروف (شوفي يا بنتي بتعرفي فصله قلبت نظرها في وجهه المجعد بعيون تختزل كل عطش الدنيا, بينما تسمرت دمعتان على خدها, وكان وجرحها مثار تساؤل كئيب في نفسها: (يا إلهي لماذا وجد البشر؟!) كان هذا آخر سؤال دار بينها وبين نفسها, ولم يقطع هذا الشريط سوى نداء والدتها: (لينا.. يا لينا)... عندها افتر الثغر الباكي واستسلمت الذكريات للنوم بينما تساقط الياسمين الدمشقي في أعماق لينا استعداداً لعقد لا يحله إلا الموت.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244