|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
قصة عشق بحري ـــ عبير كامل إسماعيل على شاطئ البحر كانت ترقب كل مساءٍ عودته, تأتي مع المغيب تنزل بين الأمواج وتشارك الشَّمس طقوس اغتسالها المسائي تتطهّر بملح البحر من أوجاعها وتكوي جروحها به, وتنقذ نفسها من عفن الأيام. عشر سنواتٍ مضت على غيابه, لم تتخلَّف يوماً عن هذه الصّلاة. في ليلةٍ داكنة قالوا لها إنَّه هرب على ظهر سفينةٍ مغادرة, رفع أشرعة قلبه وسافر دون كلمة وداع, ترك لها قصاصة ورقٍ كتب عليها: "انتظريني, أولا تنتظريني حتى لا يصدأ قلبك". اختلفت الأقاويل حول أسباب هروبه المفاجئ, هناك من قال أنَّه ملَّ بؤسه وشقاءه فرمى نفسه في أحضان البحر باحثاً عن لحظة فرح في أصداف الأيام القادمة, وهناك من قال إنه هرب من ملاحقةٍ لاهثةٍ للقبض على أفكاره, ومن مخبرين دسّوا الخوف بين دقائقه, وآخرون أكدوا أنّه كشف عصابةً منظَّمةً لسرقة الآثار وتهريبها في السُّفن المسافرة. وحدها لم تسأل عن سبب سفره فالنتيجة واحدةٌ لقلبها, ووحدها أحسَّتْ بالفَقْد وبسخونة جمر الرّمال الذي تركه على الشّاطئ لتكتوي به قدماها التائهتان. كلّ ما قيل كان ممكناً, فكلّ احتمالات الوجع جزءٌ من نفسه. كان عشقه لها جزءاً من عشقٍ أزليٍّ للموجة وحبّة الرمل ورائحة اليود البحريّ, ما ناداها يوماً إلاّ (بالحورية الجميلة) وما ظنّ يوماً إلاّ أنها خُلِقَتْ من زبد الموج, كما أفروديت. تذكّرت كيف كانا يمشيان في أماسٍ كثيرةٍ على الشّاطئ بعد أن يلقي نفسه المرهقة بين ذراعَي موجةٍ عاليةٍ ثم يخرج وقد تعانقت على جفونه قطراتُ الماء بالدّمع فيصيح: ـ أتعلمين أيّتها الحوريّة كيف تشكّل البحر؟ وتنظر مستفهمةً؟ فيردّ دون أن ينتظر إجابةً: ـ من عرق النّاس البسطاء ودموعهم والدّليل طعم الملوحة والألم فيه. على يديه تعلّمت أبجدية الحياة من هذا الأوقيانوس, رأت حياةً أخرى على اليابسة تشبه ما يجري في الأعماق, رأت القرش يأكل السّمك الصغير, والطفيليات تتغذّى على موائد الحيتان الكبيرة, والحبَّار يملأ الدنيا سواداً لينفذ بجلده, رأت كيف تُصادُ الأسماك المهمَّشة بالمئات وتُعَلَّب لتمتَّعَ الآخرين, أما حين تخاف فكانت تهربُ إلى نوارس عينيه باحثةً عن برِّ الأمان. عادت تنظر إلى البعيد, تحاولُ نسيان كل شيءٍ, وتصيح من أعماق روحها: ـ لماذا كلّ الذين يرحلون يغافلوننا ويندسُّون في ذكرياتِنا وأحلاِمنا مغلَّفين بهالةٍ من الحنين والوجد؟ لماذا لا يأخذون الأحلام والذكريات معهم؟ لماذا يحضرون بقوةٍ متحدّين الزّمن وبُعْدَ الوقت؟ كانت عقارب الانتظار تلسع قلبها كلّ لحظةٍ وهي تنظر إلى الأفق باحثة عن صليب البشارة يلوح على شراع سفينةٍ عائدة, عن بطل قصة يرويها بحّارٌ لقيَهُ في أحد الموانئ البعيدة, وحين يلحّ بها اليأس تثور, تغضب وتصرخ في وجه البحر الصّامت إلاّ من هديرٍ أبديٍّ لا ينبئ عن خبر. ـ أيُّها البحر, لماذا تسرق منّا الفرح وتترك لنا مناديل مبلَّلةً بالدّمعِ والقهر؟ أيُّها البحر كُن لنا ولا تكن علينا, أعدْ لي قمر وجهه ليعودَ المدُّ والجزر لأمواج قلبي. وحين لا يردُّ عليها إلاّ بأمواجه الرّتيبةِ تعود لذلك الهارب المسافر فتناجيه: ـ لماذا تبحر بعيداً آخذاً معك الجمالَ والحبَّ, ولمن تترك الحورية التي عشقت, أيّها المهاجر ما جاء بعد هربك إلا سفنٌ محمّلةٌ بالكُرهِ والسّلاح والنّفايات القذرة, أيُّها الهارب إذا صدئ قلب حوريّتك ستتوه في البحار ولن تغنيك موانئ الدنيا. كانت كل أدعيتها تذهب أدراج الرّياح, فتلقي مرساتها في قَعْر الألم وتستسلم للحزنِ, لكنها لا تكفُّ عن التحديق في الأفق ولا عن استجداءِ صوتٍ بعيد من صدفةٍ تلصقُها على أذنها. نسي الناس جميعاً ذلك البحار وما نسيت, سخر الجميع من أملٍ دفنوه وبقي حيّاً نابضاً في رأسها. استسلم البعض لسطوة الحيتان, وانتسب آخرون للطفيليات وبقيت هي مع الأسماك النّبيلة تصارع التيّار في الأنهار باحثةً عن مسقط رأس الحريّة في بحر الحياة... لم تهربْ, ولم تعد تتسوَّلُ حفنةً من الذكريات في مخيّلتها, بل صارت تخاف عودته, فالعائدون لا يرجعون كما ذهبوا, يأتون دائماً وقد علاهم غبار الحياة وأخفى معظم معالمهم القديمة, ويغدو احتمال تقبّل العائد الجديد بكل تغيّراته واهياً. سنواتٌ أخرى مضت قبل أن تحسّ بالمدّ والجزر يصخبان في قلبها. ركضت إلى الشّاطئ باحثةً عن قمره, كان ربّاناً مفتول الزّندين أسمر كما عَهِدَتْهُ, لكنَّ السفن كانت غريبةً, أشرعتُها ملوّثةُ بالدّم, ومجاديفها من عظام النّاس الذين قُتلوا في موانئ العالم الطّيب, نظرتْ إليه مستفسرةً خائفةً, اندفعَ إليها, عانقَها, كانتْ متصلَبة كلوحٍ من الجليد, غامَتْ نظرةٌ خائبة الأملِ في عينيه. بادرَها: ـ ألم تشتاقي إليَّ؟ ألم تنتظريني؟ ردّت بصوتٍ خافتٍ: ـ انتظرتُكَ وحدَكَ!! فمن هؤلاء؟! أجابها بفخرٍ: ـ هؤلاء البحّارة سيحمونني, لن أهربَ ثانيةً, سنعيش كما نريد, سينشرون أشرعة السَّلام على حياتنا, دفعتهُ بقوّةٍ, لم تستطعْ أنْ تلتفتَ إلى الواقفين وراءَها لتقول لهم بفرحٍ وثقةٍ: ـ ألم أقل لكم إنّه عائد؟ اقتربَتْ منه, همستْ في أذنه: ـ أتعلم كيف تشكَّلت البحار؟ فاجأه السُّؤال, رانَتْ على شفتيه ابتسامة حنينٍ مُرٍّ, هزَّ رأسَهُ بالإيجاب, ودون أن تنتظر جواباً أكملَتْ: ـ من عرق البُسَطاء! أتذكر؟! أتعلم أيُّها البحَّار ماذا كانوا يفعلون حتّى سال كلّ هذا العرق من أجسادهم؟ نظر مستفهماً, فردَّتْ وهي تشيرُ إلى الجبال: ـ كانوا ينشِئون جبالاً كهذه من حُطام السُّفَنِ المحمَّلةِ بالهاربين العَائدين بصحبة الغرباء. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |