جريدة الاسبوع الادبي العدد 1012 تاريخ 24/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

لقاء مع الأديب والناقد التونسي الدكتور عثمان بن طالب شرط الإبداع هو التواصل مع الناس ـــ وحيد تاجا

الإبداعات الثقافية في الساحة التونسية؟‏

الأسباب وراء تطور القصة بشكل خاص في تونس؟‏

انعكاس أزمة الرواية الغربية على الرواية في تونس؟‏

العلاقة بين السياسة والحداثة الشعرية؟!‏

اتكاء الشعراء التوانسة على النص القرآني؟‏

هذه النقاط شكلت أهم المحاور في لقاءنا مع الأديب والناقد التونسي الدكتور عثمان بن طالب.. أستاذ مادة النقد الأدبي في الجامعة التونسية, ورئيس تحرير مجلة (المسار) الأدبية في تونس.‏

* هل يمكننا الحديث عن الإبداعات الثقافية في الساحة التونسية؟‏

ـ قدمت الحركة الأدبية في تونس إسهامات جيدة في مجال الإبداع السردي, القصة بشكل خاص, فضلاً عن بعض محاولات التجديد في الكتابة الشعرية, حيث أن الثقافة الشعرية في الوطن العربي منذ الخمسينات وهي في مرحلة مخاض وتجديد وبحث عن أشكال جديدة وذلك بتأثير من الغرب ومن تقيمات النقاد العرب مع محافظتها في ذات الوقت على نوع من التواصل الداخلي مع التراث. ولكن المفارقة أنه رغم أهمية التجربة السردية في تونس إلا أنها تكاد تكون مجهولة في الوطن العربي...‏

* ما هي الأسباب وراء تطور القصة بشكل خاص في تونس؟‏

ـ يعود السبب في رأيي إلى ظاهرتين: ظاهرة تاريخية وظاهرة اجتماعية.‏

الظاهرة التاريخية هي أن الفن القصصي ليس له مرجعيات جمالية في التراث العربي, حيث إن الثقافة العربية هي ثقافة شعرية بالأساس. أما الجانب الآخر, فهو أن القصة كنص سردي قصير يعبر عن حالة معينة وعن مناخ متعلق بوضع معين ويكون شاهداً على المشهد الخارجي ضمن الحالة التي يعيشها الكاتب.‏

* ولكن من المعروف أن لتونس حضورها المتميز على صعيد الرواية أيضاً.. وأنت لم تتحدث إلا عن القصة؟‏

ـ هذا صحيح فإن ما يكتب من روايات في تونس يمكن تصنيفها كنصوص روائية عالمية مثل روايات (محمد الهادي بن صالح) و(فراح الأحور) لأن هذه الروايات انطلقت من تجربة متمرسة على الفن السردي فقد اختزل هؤلاء الكتاب التجارب القصصية المتميزة وحاولوا أن يطوروها بنفس جديد وروح إبداعية جديدة تخرج من مجال القصة الضيق إلى مجال الرواية الرحب, على اعتبار إن الرواية تطرح مشروع التغيير, أما القصة فهي هذا الوصف وهذا التجسيد للواقع من خلال رؤية نقدية ضيقة, لكن الرواية بتشكيلها للبناء البنيوي النفساني للمناخات الاجتماعية, وتشكيلها للأشخاص وللمعطيات الاجتماعية المعقدة وتوزيعها للقيم حول الشخصيات, وبالتالي فهي تدخل إلى فضاء الرواية مفهوم التجاوز وطرح البديل, ومفهوم تطوير النظرة الثقافية من مرحلة الاستنتاج الوصفي إلى مرحلة التشكيل الواعي للواقع.. لتجاوز هذا الواقع, وفي اعتقادي أن الجيل الذي حمل لواء القصة في تونس سيحمل لواء الرواية أيضاً, لأنه هو الجيل المؤهل أن ينتج نصاً روائياً متميزاً, يستفيد فيه من المراجعات الغربية ومن التراث المحلي...‏

* من المعروف أن الرواية الغربية مرت بأزمة حادة.. فهل انعكست هذه الأزمة على الرواية التونسية؟‏

ـ أزمة الرواية الغربية تمثلت في اللغة وفي تشكيل البنية السردية, وقد جاء هذا نتيجة مراجعة نقدية لسيطرة المنظومة الفكرية البرجوازية التي صبغت فن الرواية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين في الغرب. ولكن مع بداية الخمسينات وقعت ثورة نقدية في فرنسا وفي إنكلترا وفي أمريكا على هذا الفن السردي باعتبار أنه يعبر عن البنية الأيديولوجية للمجتمع الرأسمالي, وأن من ينتج هذه الثقافة, وهذه الرواية يعمل حتماً في حقل هذا الوعي المهمين للطبقة البرجوازية. ولهذا عندما وضعت المراجعات النقدية في الغرب تمردت على مفهوم الدلالة مثلاً, وركزت على مفهوم الدال, فأصبحت الكتابة تبحث عن الأشكال وتكسر النسق السردي وتبحث عن الشخص السلبي.. بمعنى أنه وقع تفجير للكتابة السردية من الداخل, وهذا الشكل الجديد للكتابة برز عند (آلان روب غرييه) و(جان كوكتو) وحتى (أراغون) في أواخر حياته وصل إلى هذه المرحلة.‏

* وكيف برز انعكاس هذا الأمر على الرواية التونسية؟‏

ـ كانت المفارقة الملفتة للنظر هي أننا في تونس لم نتأثر بهذه الأزمة وهذا التيار الذي استمر ما يزيد عن العشرين عاماً.. والسبب يعود في رأيي إلى وعي النقد الأدبي في تونس في مرحلة الستينات والسبعينات, حيث أن جميع النظريات الغربية الأدبية كانت تنعكس كلها بشكل مباشر في الجامعة, انطلاقاً من العلاقة المميزة والحميمة التي كانت وما زالت تربط الجامعة بالساحة الثقافية في تونس, لم يحدث التأثير المتوقع لأزمة الرواية الغربية... ولم نر بالتالي روايات من نوع عشرات الروايات التي ظهرت في فرنسا. كنا نقول أننا بحاجة إلى فن سردي لأنه على صعيد الكتابة الروائية أو القصصية ينطلق من فهم الواقع العربي والمحلي لنستطيع فيما بعد تجاوز هذا الواقع..‏

* لكن من المعروف أن الحركة الشعرية في تونس لم تسلم من هذه التأثيرات؟‏

ـ هذا صحيح. وللحركة الشعرية في تونس مسار خاص, فالموجة الأولى للشعر الحديث (وهو مصطلح زمني أكثر منه مصطلح نقدي) أي فترة الأربعينات, وهي المدرسة الرومانسية التي كان من أهم روادها (أبو القاسم الشابي) وكان لها علاقة وثيقة بحركة الرفض للاستعمار, وحركة رفض الهيمنة الثقافية الأجنبية, وليس من الغريب أن هذا الشعور ولد وترعرع في الجنوب التونسي, حيث إن لهذه المنطقة في تاريخ تونس حضوراً ثقافياً ومجابهة لثقافة الآخر أكثر من منطقتي الساحل والشمال. وقد كان من الصعب على جيل الستينات, أي جيل الاستقلال, أن يتجاوز هذه القيم الأدبية ـ الفكرية الحضارية والملتصقة بمفهوم التحرر الوطني.. ومع نهاية الستينات أراد بعض الشعراء التونسيون أن يعبروا عن نوع من القطيعة مع هذا الموروث الشعري ـ الفكري, الذي كان يعبر في الوقت ذاته عن تواصل سياسي, لأن مرحلة الستينات كانت مرحلة المعارضة السياسية.. وتجربة الاشتراكية الدوغمائية المختلفة التي لم تستطع أن تفهم آليات الإنتاج الحقيقي في مجتمع ينتمي إلى العالم الثالث, مجتمع عربي ـ إسلامي له خصوصيته وتاريخه, فأسقطت على المجتمع التونسي تنظيماً اقتصادياً ـ سياسياً ليتلاءم مع واقعه, مما أحدث ردة فعل جماهيرية من الفلاحين والعمال, وفي الفترة ذاتها (63 ـ 70) تخرج الجيل الذي دخل الجامعة في أواخر الخمسينات واحتل مواقعه.. وأفرز حركة كبيرة هي حركة الطليعة الأدبية والتي تميزت بتعبيراتها الحادة على مستوى النظرية الشعرية ممارسة وكتابة ونقداً, وبدرجة أقل على الصعيد المسرحي.. ومن أهم شعراء هذه المرحلة (الحبيب الزناد) و(طاهر الهمامي)...‏

* يلاحظ أنك ربطت بين الرفض الجماهيري والمعارضة السياسية وبين رفض الأشكال الشعرية؟‏

ـ إن جيل الشباب الذي رفض الأشكال الرومانسية في الشعر والشعر الكلاسيكي.. كان في الواقع يرفض نمطاً معيناً من المجتمع اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.. وجاء تعبيره عن هذا الرفض عن طريق الشعر, كما حدث بالنسبة للرواية الغربية, وجاءت أشكال شعرية فيها الكثير من الهوس والشطحات, أي تغلب فيها الدال على المدلول, وبالتالي فقد أضاع القارئ العادي الذي كان يريد أن يتواصل مع ثقافته وإبداعه.. أضاع تلك الإشارات والفوانيس التي تقوده إلى جمالية النص وإلى مضامينه, حيث أن هذه الإشارات بقيت في ذهن الكاتب الذي كان رفضه للمضامين القديمة متضمن رفضه للأشكال, وكان في تفجيره لهذه الأشكال يبحث عن مضامين جديدة, إلا أنها جاءت باهتة وغائبة في كثير من الأحيان, وهكذا فشلت حركة الطليعة لأنها لم تستطع أن تقدم مضامين أخرى تكون كبدائل نقدية لمضامين القديمة, وفي ذات الوقت استمرت فيه القطيعة بين التواصل الثقافي ومشروع المجتمع الجديد. وفي مرحلة السبعينات والثمانينات جاء جيل جديد استخلص الدروس من فشل الطليعة وتجربة التجديد الشكلي في الشر, ولم تكن له عقدة (الشابي) حيث أنه لم يكن على اتصال مباشر مع تلك الفترة.. ولا عقدة (المسعدي) الذي كان يعتبر مؤسسة في الكتابة السردية. لقد استطاع هذا الجيل أن يتحرر من هذه الأمور. فهو يريد أن ينخرط في الحداثة الشعرية ويبحث عن أساليب جديدة لكتابة الشعر العربي ويطورها باستمرار, ويعبر في الوقت نفسه عن حساسية المجتمع التونسي الجديد الذي يبحث بدوره عن قيم جديدة متأصلة ومنفتحة في آن معاً.‏

* ولكن لا تزال الأشكال الشعرية بكافة اتجاهاتها متعايشة ومتواجدة حتى الآن في الساحة الثقافية التونسية؟‏

ـ هذا صحيح ففي تونس كما في معظم الأقطار العربية تتعايش ثلاث اتجاهات شعرية, وهذا لا يعني عدم تصادمها أحياناً.. الجيل الذي تمسك بالقيم الشعرية العربية على مستوى التفعيلة والبيت. والدعامة النقدية لهذا الجيل تتمثل في الجامعة التونسية, ويمثلها الناقد الأدبي (جعفر ماهر) و(نور الدين سمور) ويحاول هذا الاتجاه أن يطور القصيدة من خلال الصور ومن خلال المواضيع, مع المحافظة على الشكل الذي يعتبر الرمز الدال على خصوصية الشعر العربي.‏

الاتجاه الثاني يكتب الشعر القديم والشعر الحر, فالشكل بالنسبة إليه ليس مهماً بقدر الاهتمام بالمضمون, وهذا الاتجاه متقوقع في صفوف اليسار, ويمثل هذا الاتجاه (طاهر الهمامي) ولكن الجيل الذي نراهن عليه كما أسلفت وهو النثر في الساحة الثقافية وفي وسط الشباب خاصة. وأهم ممثلي هذا الجيل (منصف المزغني) و(محمد الصغير ولد أحمد) و(يوسف رزوقة) و(محمد عمار شعابنة) و(محمد الخالدي) هذا الجيل اطلع على كافة الدراسات والنظريات النقدية الحديثة, وتشبع من التراث واطلع كذلك على التجارب الشعرية والتجديد في العراق وفي سورية وفي لبنان, وتبنى قضية تجديد الشعر العربي والقصيدة العربية بخصوصية تونسية دون أن يقع في فخ الالتزام المباشر والخطابية..‏

* أشرت في أكثر من موقع إلى القصيدة الناجحة.. فما هي هذه القصيدة؟‏

ـ القصيدة الناجحة هي التي أستمتع بقراءتها وتحثني على الغوص في مضامينها وأبعادها, والبحث المتعمق في خلفياتها, وتترك بداخلي انطباعات هي عبارة عن إيحاءات وجسور لوجود الوعي والتواصل مع الكاتب.. ثم انطلاقاً من كل هذا أتساءل عما أطمح إليه وأريده من هذا النص الذي لابد أن يساهم في تطوير الوعي عندي, وإن لم أتمكن من الوصول إلى هذا فمن الأفضل أن أذهب وأسمع أغنية فلكلورية وانتهى الأمر.. فالشعر هو شكل من أشكال الإبداع, وهذا الإبداع أول ما يتمثل في إقامة الجسور والتواصل مع الناس أي مع قراء الشعر ومتذوقيه وإلا فإن القصيدة تبقى ضرباً من الجنون والنرجسية لدى الشاعر, فما معنى أن أكتب قصيدة لا يستطيع أحد أن يفهمها.‏

* في دراستك حول الشعر التونسي أشرت إلى اتكاء الشعراء التوانسة على النص القرآني هل يمكن إيضاح هذا؟‏

ـ منذ سنوات قمت بمحاولة أخذت فيها عدداً كبيراً من القصائد تمثل مجمل الاتجاهات الشعرية في تونس, إن من ناحية الالتزام السياسي أو الأدبي, وبحثت في مضامين هذه النصوص انطلاقاً من تمثلها للتراث القومي والشعبي, وقد اعتمدت عدة نقاط في دراستي هذه:‏

1 ـ إن التراث الشعبي وتمثلاته حاضرة وواردة في خلفيات هذه النصوص وفي مضامينها.‏

2 ـ كيفية تعامل الشعراء مع هذه الخلفيات وهذه المضامين.‏

3 ـ هل هناك اتجاهات فكرية معينة ركزت على هذه الناحية أو تلك, واتجاهات أخرى أهملتها ووصلت إلى استنتاج مفاده أن جميع هذه الاتجاهات وهذه الكتابات, على اختلاف مشاربها, تتمثل التراث الشعبي من خلال علاقتها بالموروث الواعي أو اللاواعي من نص القرآن الشريف, إلى النصوص العربية القديمة, وأن هناك استنساخ للنص القرآني وحوار معه. وبمعنى آخر فقد أثبتت هذه الدراسات اتصال هؤلاء الشعراء بالتراث كمرجعية يستلهمون منها إشارات وعناصر يتبنون من خلالها خصوصية النص وهويته.‏

* من المعروف أنه في مرحلة السبعينات برزت في تونس دعوة للكتابة باللهجة العامية أين وصلت هذه الدعوة الآن؟‏

ـ كان من الأشياء التي نادت بها حركة الطليعة في نهاية الستينات إدخال اللهجة العامية في النص الأدبي, وكان هذا من باب تطوير الأشكال والثورة على المضامين.. لكن وقع لهذه الدعوة تصدٍّ كبير, وخصوصاً على مستوى الجامعة باعتبارها مؤسسة محافظة.‏

وشخصياً, لست مع الشعر الذي يكتب باللهجة العامية, فاللغة العربية الفصحى هي الأساس والأبقى.‏

* هل لكم من إضافة أخرى؟‏

ـ إن ما تحدثنا عنه من حركة أدبية وفكرية في تونس يجب أن ينظر إليها كجزء لا يتجزأ من حركة النهضة العربية, والحركة الأدبية في تونس بقدر ما تحرص على أن تكون مستقلة عن السلطة, لأن هذه الاستقلالية هي مجال الإبداع والحرية, بقدر ما تحرص على أن يتقلص دور الكاتب والمبدع الموظف ويقوي دور المثقف المبدع, إن تقلص دور هذا وتطور دور ذاك هو نتيجة لمناخ الإبداع والديمقراطية في تونس, وعندما تغيب الديمقراطية يغيب الإبداع. ونحن كتاباً ومثقفين في تونس على قناعة تامة أنه لا مجال لنجاح المشروع الديمقراطي التنموي السياسي دون تعميق التجربة الفكرية الثقافية انطلاقاً من استقلاليتها وحريتها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244