جريدة الاسبوع الادبي العدد 1012 تاريخ 24/6/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

في ذكرى وليد قنباز ـــ رضوان الحزواني

رحل وليد قنباز إلى العالم الأسمى يوم الخميس 10/3/2005, لكن خياله لم يرحل, لم يزل على منبر المركز الثقافي بطلعته البهية ونبرته المحبّبة وكلماته الذهبيّة محاضراً وشاعراً, ما أزال أراه إلى جانب وجيه البارودي يسكبان في سمعنا أعذب الأشعار وألطف الأحاديث, وكأني به أراه يتأبط ذراع الشاعر وهما ينزلان درج المنصة, فكيف يرحل اليوم ويغادر المنبر؟

أذكر يوم قدّمت له مجموعتي الأولى (على المرفأ) وفيها بدايات تجربتي الشعريّة, زارني في بيتي بعد يومين يوجهني توجيه الأب الحاني ويوضّح مالي وما عليّ فكان لذلك أكبر الأثر في نفسي.

ثمّ كانت لنا لقاءات لا أجمل منها ولا أعذب, وما لبث أن سقط طريح الفراش, وغلبه المرض, ولكنه كان مثال الصبر رغم اشتداد وطأة المرض حيناً بعد حين, وصار عاجزاً عن ذبّ ذبابة تضايقه لكنّه ظلّّ طلق المحيّا, باسم الثغر.

عاطفة الحبّ تغلغلت في ثنايا قصائده, حبّ الجمال والإنسان والحياة, ويشهد الدكتور عبد السلام العجيلي بذلك فيقول: "أهنّئك بصورة خاصة على فيض الحب الذي ينبجس من قصائدك: حب البنين والبنات وحب الرفاق, وحب الوطن, وحبّ الحياة بكلّ ما فيها.. إنه حب ملأ نفسك بالرضى, ولوّن بالغبطة كلّ ما تراه عيناك, وإنها لغبطة تُعدي قارئك فيغتبط ويرى كلّ شيء حوله باسماً".

ويطول بنا الحديث إن أردنا بسط ذلك, وحسبنا أن نتحدّث عن حبه لمدينته حماة, فقد شغفت قلبه حباً, فأهداها مجموعته الشعرية (الحبيبة والعشيقة) فهي مدينة المجد يغفو الزمان بمقلتها وكأنّ أشجار عاصيها ضفائر حسناوات, وصدى نواعيرها هزار ملهم, وهي هدية الخلاق للدنيا حيث يقول:

هذي حماة مدينة المجد التي

 

 

يغفو بمقلتها الزمان ويحلمُ

أشجار عاصيها ضفائر خرّدٍ

 

 

وصدى النواعير الهزار الملهمُ

نزلتْ على الدنيا هديّة خالقٍ

 

 

في أيّها طوّفتَ أورق موسمُ

حماة ـ كانت ـ في حياته كلّ شيء, يتملّى مفاتنها, يذرع شوارعها, يتنزّه في رياضها وعلى شاطئ عاصيها, يمنحها حبّه وفكره.

مليحة القدّ لو مرّ الزمان بها

 

 

لنالَه من هوى أعطافها سَكرُ

هي التي سكنت قلبي وباصرتي

 

 

وهي العيون التي في طرفها حورُ

وجريدة حماة جريدة (الفداء) تذكر زاويته (بصراحة) ينتقد ويعلّق ويوجّه بروح المحبّ لها, المشفق عليها لتكون لؤلؤة الزمان, ولكنه في شعره يصوّرها أروع تصوير, فهي لؤلؤته الفريدة كلّما قبّلها ازدادت تألّقاً وازداد بها شغفاً.

وحماة لؤلؤتي الفريدة, كلّما

 

 

قلّبتها في خاطري تتألّقُ

نزلت على العاصي, ولولا كبرها

 

 

في لجّه الجذاب كادت تغرقُ

قالوا: جننتَ بحبها, فأجبتهم

 

 

إنّي بحبلٍ من هواها موثقُ

ولسوف أبقى هائماً في حبها

 

 

ما دام في جنبيّ قلبٌ يخفقُ

وإذا كان الشاعر مفتوناً بجمالها ورياضها وعاصيها ونواعيرها؛ فإنّه يأسى إذا ألمّ بها مكروه, فعندما شحّ ماء عاصيها وتوقّف بعضها عن الدوران وتحطّم بعضها وتناثرت أخشابها, وأصابها الإهمال, أسرع إلى المسؤولين يناشدهم كي ينقذوها يقترح حلولاً شتّى قد تكون حلولاً مثالية لا يمكن تنفيذها, ولكنها سعي صادق لإعادة الحياة إليها, ومراراً راح يطالب بصرف طبيعة عمل لنجّاريها فعملهم لا مثيل له في الوطن ويستحق كلّ تقدير, ولكنّه كان في شعره أروع تصويراً لمأساتها:

فلله أعراس النواعير أصبحتْ

 

 

سراباً, وأضحت بالجهالة مأتما

يمرّ بها العاصي فيشهق حسرة

 

 

وكانت تساقيه فيرقى إلى السما

وتسأل عنها في الرحاب حجارةٌ

 

 

ولا من مجيب.. أصبح الدهر أبكما

فناعورة غابت, وأخرى تبدّدت

 

 

وثالثة بالصمت تجرع علقما

ثمّ ما يلبث أن يفدّيها بكل ما يبديه ويخفيه فهي ملهمته وهي شذى المواسم في أشعاره:

حماةُ, فداك ما أبدي وأخفي

 

 

فأنت شذى المواسم في لحوني

مررتُ على النواعير الحزانى

 

 

وكان بها الأنين صدى أنيني

فظلي بين أضلاعي حنيناً

 

 

وقعت به على قلبٍ أميِن

والشاعر شديد الفخر بماضي مدينته العريق وأمجادها السالفة, ولقد قدّم كثيراً من المحاضرات عن رجالاتها وتاريخها وآثارها:

ماذا سأذكر من روائع أمسها

 

 

وشموسها في كلّ عصرٍ تشرقُ

فأبو الفداء حضارة ومفاخر

 

 

وعلى مدى الدنيا جناح يخفقُ

ثمّ يذكر من أعلامها الأديب الشاعر ابن حجة الحموي والمؤرخ الجغرافي ياقوت الحموي والشاعر المحلّق ابن مليك الحموي, وأبرز شعراء سورية في عصره محمد الهلالي.

رحم الله وليد قنباز لقد كان علماً من أعلام الأدب والثقافة في حماة, طارت شهرته إلى الأقطار العربية ولاسيّما في استطلاعاته الجميلة عن أماكن تجمع بين التاريخ والآثار والآداب نشرها في المجلاّت العربية وعرف بين الجميع متحدّثاً يأسر لب السامع بطلاوة الحديث وجاذبية الإلقاء, وهاهو ذا نزار قباني يخاطبه فيقول: "... ولقد خفت ـ يا وليد ـ أن تسرق دمشق على حصان كلماتك الجميلة, وغزلك الدافئ, فتذهب معك إلى حماة... وتتركني مطموراً تحت ثلوج لندن... ولكن الله سلّم... فشكراً على شهامتك, وطهارة غزلك, وعفتك اللغوية والجمالية".

صحبته أحياناً إلى عدد من معاهد حماة وثانوياتها نلتقي بالطلاّب لقاءات أدبية نسمعهم ونستمتع إليهم, فكان حريصاً على توجيه المواهب الشابة, يحبّب السامعين بالأدب, وكان وجهاً محبوباً, منبسط المزاج, يملأ المكان بشراً وحبوراً بما أوتي من خفة الظلّ وحضور البديهة, وظرف الدعابة وبثروته الواسعة من محفوظاته الأدبية حتى ليخيل إلى السامع أنه في ذلك أشعر مما يرويه من شعره.

وبراً به أنشأ أبناؤه موقعاً في الانترنت:WWW.Konbz1. Jeeran. Com

وقد تضمّن سيرته الذاتية وطرفاً من أعماله, وأملنا أن يعملوا جاهدين لكي ينشروا فيه أعماله الأدبية الكاملة.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244