جريدة الاسبوع الادبي العدد 1013 تاريخ 2/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ديمقراطية القتل والهيمنة ـــ أ.د.حسين جمعة

ما زالت الحكومة الأمريكية متمسكة بتقريرها السنوي منذ صدوره لأول مرة قبل (25) عاماً؛ وما زالت تزعم فيه أنها تدافع عن حقوق الإنسان وتدين انتهاك الدول والمنظمات الدولية لهذه الحقوق؛ ولم تخجل لحظة واحدة في وضع هذه الحكومة أو تلك المنظمة في القائمة السوداء وفق معاييرها الخاصة بها، على حين لم تذكر يوماً ما شيئاً عما تفعله سيدة العالم وشرطيه من انتهاك لقيم العدالة، وما تمارسه من قتل وتدمير ونشر للمآسي بين الشعوب باسم الفضيلة والديمقراطية. وكذلك مازال تقريرها السنوي يلازم الصمت عن جرائم الإبادة البشعة للكيان الصهيوني التي يرتكبها بحق الشعب العربي الفلسطيني؛ في الوقت الذي تشيح كلماته عن أتباعها الموالين لها في هذه الدولة أو تلك. ولا شيء أدل على ذلك كله من آخر تقرير لها وهو التقرير الصادر عن عام (2005م) والبالغ (290) صفحة تعرّضت لـ (149) دولة، إذ صنفتها في ثلاث فئات أولى وثانية وثالثة، وفي الفئة الثالثة تقع الدول الأكثر عداءً للسياسة الأمريكية، ومنها سورية وإيران والسودان، فضلاً عن فنزويلا وكوريا الشمالية.‏

فالإدارات الأمريكية المتتابعة تغفل ـ عمداً ـ ذكر أي شيء لا يرضي السلوك الصهيوني الإجرامي داخل الأرض المحتلة وتفسره على أنه دفاع عن الذات؛ وكذلك لا ترى في ما تقوم به في العراق وأفغانستان أو ما قام به جنودها من تعذيب الأبرياء وقتلهم أينما حلُّوا إلا دفاعاً عن النفس. وإذا ما اشتدت صيحات العالم الحر، وصراخ المقهورين المستضعفين ووصلت إلى المنظمة الدولية، ومنظمات حقوق الإنسان وأثبتت بالوثائق والصور جرائمهم البشعة سارعت إلى تخليص جنودها أو جنود ربيبتها (إسرائيل) باتهامهم بالجنون أو ما شابه ذلك.‏

ولعل عدداً من المطلعين على ما أوردته صحيفة (واشنطن بوست) وقناة (إي بي سي) يدرك كم من الفظائع قد ارتكبت بحق السجناء في (غوانتانامو) و(أبي غريب) وغيرهما من السجون الأمريكية المنتشرة في العراق والعالم دون أن يسمح لهم بالدفاع عن أنفسهم أو تكليف من يدافع عنهم.‏

وفي هذا المقام لا نريد أن نتحدث عن نشوء الدولة اللقيطة في عام 1948م ولا عن شبيهتها في النشأة (الولايات المتحدة) التي ظهرت للوجود عام (1777م) ثم راحت تتدفق عليها أخلاط شتى من طلاب الرزق؛ وإنما نريد أن نركز على الرَّدْح السياسي، والدعارة الفكرية التي تمارسانها في كل مكان حول إشاعة الديمقراطية في العالم ولا سيما في منطقتنا من أفغانستان إلى العراق إلى الصومال والسودان ولبنان وفلسطين. فأمريكا تصمُّ آذان العالم بالحديث عن الديمقراطية والحرية والتعددية وإقامة المجتمع المدني وتصدر لوائح الاتهام كل عام إلى كثير من دول العالم المستضعفة, ولكن الممعن في كل ما تفعله مع ربيبتها إنما يعني إشاعة الموت والدمار في كل أرض وصلت إليها أقدام جنودهما؛ ومن ثم يعيثون فساداً في الأرض والعباد. فهي تشيع الفوضى، ثم تبدأ بقتل مدروس منظم للأبرياء سواء أكان اغتيالاً أم قتلاً مباشراً لأفراد أو جماعات، شيوخاً ونساء وأطفالاً لتنفيذ ما ترمي إليه من رسم صورة جديدة للعالم تبنته منذ تأسيس مشروع أكسفورد وانتهاء بمفهوم النظام العالمي الجديد، الذي يتبنى في أصوله الكبرى نظام الشرق الأوسط الكبير. ومَنْ ينظر إلى مفهوم الديمقراطية الأمريكية يجد عجباً ولا سيما حين يشدد بوش على إقامة الديمقراطية الملبية لطموحات إدارته في العراق إذ يقول: " على البلدان المجاورة للعراق بذل مزيد من الجهود للمساعدة، وسنعمل باستمرار مع أصدقائنا في محيط العراق لتشجيعهم على دعم هذه الديمقراطية الجديدة".‏

فالديمقراطية الجديدة التي تبغيها أمريكا ينبغي أن تكون موافقة لمصالحها وإلا حاربتها. ولا شيء أدل على انكشاف زيف الديمقراطية الجديدة مما جرى في ممارسة الشعب العربي الفلسطيني لمبدأ الديمقراطية؛ فلما اختار هذا الشعب نوابه بملء إرادته في (25/1/2006م) وكانوا لصالح منظمة (حماس) سارعت أمريكا وربيبتها إلى رفض الديمقراطية لأنها لم تكن على مقدار ما فصّلته لهذه الديمقراطية. وبدل أن يقف الغرب إلى جانب الديمقراطية الفلسطينية الشريفة التي أشرف عليها بنفسه حين أرسل (1000) مراقب برئاسة الرئيس الأمريكي الأسبق ( جيمي كارتر) فإنه هو الآخر تنكر لما جرى، وساند الولايات المتحدة بمنع المساعدات الدولية والشعبية عن الشعب الفلسطيني، بحجة أن منظمة (حماس) لم تعترف بالدولة اللقيطة.‏

ومن ثم أليس إيقاف المساعدات عن الشعب الفلسطيني إرهاباً وقتلاً جماعياً؟ ألم يحصل هذا القتل الجماعي من قبلُ حين حاصرت أمريكا والغربُ الشعبَ الليبي والشعب العراقي ومشى في ركابهما كثير من الحكومات والأنظمة؟‏

أليست المجازر التي يقوم بها جنود أمريكا والكيان الصهيوني وعملاؤهم في فلسطين والعراق أسلوباً همجياً من الجرائم الوحشية المدانة بكل المبادئ والمواثيق؟ أليست الديمقراطية الاستباقية هي التي تركت في العراق (8) ملايين أرملة نتيجة لحروب ثلاث تعرض لها، حصة بغداد من الأرامل يزيد على (400) ألف أرملة، وفق ما نشرته الكفاح العربي في (10/6/2006م)؟.‏

أما الأيتام والمشردون فحدّث عنهم ولا حرج، فسكناهم الشوارع بعد أن تهدمت بيوتهم، وهواؤهم المخدرات التي يتنشقون ريحها، ورزقهم من دنس العصابات التي ملأت شوارع العراق.‏

إذاً أصبح الهدف واضحاً؛ فالحقيقة التي لا يمارى فيها أن هناك حرباً جديدة تشنها الإدارة الأمريكية والصهيونية؛ إنها الحرب العالمية الثالثة التي يقودها بوش الابن ضد كل من ينتمي إلى الشرق من عرب ومسلمين وهنود وصينيين للهيمنة عليه بعد أن سقط الاتحاد السوفييتي، وكل هذا يقع تحت سمع العالم وبصره، وبحجة إشاعة الحرية والديمقراطية.‏

لقد بدأت هذه الحرب بإبادة منظمة للحلقة الأضعف الممثلة بالعرب والمسلمين؛ والمثل العربي يقول: عليك أن تضرب الضّعيف ضربة قوية عجيبة يطير لها قلب القوي الشجاع فيتراجع عن مواقفه. ما يعني أن استمرار الهيمنة الأمريكية ـ الصهيونية على العالم لحساب شركات رأس المال والاحتكار في الغرب لا يمكن أن تكتمل من دون عملية تزييف كبرى لمفاهيم الحرية والديمقراطية، ومن ثم ممارسة قتل الشعوب وإرهابها.‏

وإذا لم يكن هذا الأمر كله مخططاً مسبقاً بناء على مشروع أكسفورد الذي قسم العالم إلى أربع دوائر الأولى غربية أوروبية أمريكية ـ والثلاث الباقيات يتمحور فيها الإسلام؛ وهي عربية إيرانية, وإسلامية هندية, وإسلامية صينية، وبناء على مشروع الشرق الأوسط الكبير فلماذا تقع هذه الجرائم الجماعية الهمجية في الرمادي والفلوجة وحديثة وبعقوبة والضفة الغربية وغزة. ومن هنا نتساءل:‏

لو أن أمريكا سخَّرت التكاليف الباهظة للقتل والإرهاب والإجرام لصالح شعبها فهل سيبقى لديها (37) مليوناً من الفقراء وفق تقرير التعداد العام للسكان لسنة (2005م) الصادر عن مكتب الإحصاءات الأمريكي، اللهم إلا إذا كانت أموال تلك الجرائم مدفوعة من خزائن الدول العربية، أو أنها ستدفع من ثروات الأرض العربية عامة والعراقية خاصة؛ ولا سيما أن هناك عمليات سطو منظمة على هذه الثروات منذ وقت بعيد؟‏

وفي هذا المقام نذكّر بأن هناك أكثر من مليون وربع من سكان الولايات المتحدة باتوا على عتبة الحاجة الشديدة.‏

لهذا نقول: كان الأولى على الإدارة الأمريكية ألا تمارس القتل والإرهاب للهيمنة على الشعوب باسم الديمقراطية بل أن تحقق العدالة في بلادها وأن تسعى إلى قيادة العالم نحو تنمية اجتماعية اقتصادية تحقق لأبنائه الكرامة الإنسانية، ولكن الذي يظهر أن الإدارة الأمريكية ليست عدوة للشعب الأمريكي ولشعوب العالم فقط بل هي عدوة لكل أنماط القيم والمبادئ الإنسانية؛ وما الديمقراطية التي تتبجح بها إلا ديمقراطية القتل والهيمنة لصالح الشركات الاحتكارية الكبرى.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244