جريدة الاسبوع الادبي العدد 1013 تاريخ 2/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

حاجتنا أشد إلى نقد الذات! ـــ د.خير الدين عبد الرحمن

استعادة زمام المبادرة مهمة ملحة تتجاوز النخب إلى الأمة بأسرها على امتداد القارة العربية. يقتضي أداء هذه المهمة الوعي بأنها تزداد صعوبة يوماً بعد يوم. فقد صار الفارق الجوهري بين الأفكار الفعالة والأفكار الصادقة شديد الالتباس, في زمن طغيان التكنولوجيا وطفرة المعلوماتية وثورة الاتصالات والتواصل, بحيث كثيراً ما تكون فعالية الأفكار المغرضة والمسخ والمخربة المدعومة تقنياً أشد وأقوى من فعالية الأفكار الصادقة. يتضاعف الالتباس بانتشار النفاق السياسي Political hypocrisy حيث اعتاد البعض ممارسة الحكم, لا السياسة ـ علماً وفلسفة وفناً وقيماً ومؤسسات ـ وحرص هذا البعض على تطويع المواطنين وافتعال ولائهم ولو جاء نفاقاً سافراً, بدلاً من توعيتهم وتربيتهم على ممارسة المواطنة التي يفترض بها أن تكون في معظمها وجوهرها ممارسة سياسية واعية سليمة. زاد في التأزم ما استشرى بديلاً عن التصويب والتغيير من رضوخ للأمر الواقع الذي يفرضه العدو, أو أدوات الغزاة المحلية, وتسويق هذا الرضوخ باسم الواقعية السياسية Realpolik, والترويج للإذعان المتسلسل والتفريط المتفاقم باسم العقلانية, بديلاً للدفاع عن الذات والمصير ومقاومة الغزاة.‏

جوهر المعضلة الفشل في بناء القوة, وأساسها وحدة الأمة التي جرى اختزالها من واقع في متناول اليد إلى هدف بعيد. ثم جرى مسخ هذا الهدف أملاً, وسرعان ما اختصر الأمل حلماً, وأخيراً جاء زعم الحلم وهما والدعوة إلى نبذه بالتالي مع سائر الأوهام التي كانت منذ حين حقوقاً ثابتة ومصيراً مشتركاً, على نحو ما جرى التعامل مع هدف الأمة في تحرير فلسطين. لم يسبب تغليب الأنانية القطرية والسلطوية والمصالح الضيقة العابرة على مصير الأمة الهزائم والانهيار أمام الغزاة فقط, بلا انعكس فشلا لبرامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية, وتدهوراً ثقافياً وسلوكياً أيضاً.‏

سقطنا في فخ الجدل والتلاؤم إزاء عشرات من مبادرات ومشاريع التسوية مع العدو الصهيوني التي كان كل منها فخاً يبعدنا أكثر عن الجدية في خوض الصراع, وغرقنا في تنافر بيني, بحيث تسربت الأرض والحقوق والطاقات من بين أصابعنا. وأهدرت السنوات والعقود بين سعي بعضنا وراء سراب وتحذير آخرين من عبث ذلك السعي. وغاص كثيرون في رمال الإحباط, حتى عزفوا عن الاكتراث بالشأن العام والمصير العام بدعوى العزوف عن السياسة. انتشر هذا العزوف في زمن بات معه التسييس العميق Fundamental politicisation للمجتمعات سمة رئيسة من سمات عصرنا, في رأي المنظر الألماني ديتر سينغهاس, أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بريمن, في كتابه "الصراع داخل الحضارات", وهو بالمناسبة كتاب انتقد صراع حضارات الصهيوني الأمريكي صموئيل هنتنجتون.‏

***‏

نشرت صحيفة معاريف الإسرائيلية (في عددها الصادر يوم 1/1/2003) تقريراً بالغ الخطورة يجاهر بأن هناك خارطة طريق أخرى هي أم الخرائط ومنبع توجهاته, وجوهر المخططات التي تم البدء بتنفيذها عبر معاهدة سايكس ـ بيكو سنة 1916, لتفتيت العرب بشراً وأرضاً وقدرات, ثم تصريح بلفور المتكامل مع تلك المعاهدة والمؤسس للتبني الغربي الرسمي المعلن لاغتصاب فلسطين, وصولاً إلى ما تلاحق ضد العرب من تدمير وقمع ومسخ قيمي ونهب وفرض تبعية وإدامة تخلف. جوهر تلك الخريطة التي تحدثت عنها صحيفة معاريف إقامة حلف عالمي ضد الإسلام لتدميره, وشن الحرب على المسلمين طوال سنوات القرن الحادي والعشرين, وما بعده من قرون أيضاً إذا اقتضى الأمر. سبق للشيخ رائد صلاح, رئيس بلدية أم الفحم السابق, ورئيس الحركة الإسلامية في أراضي فلسطين التي اغتصبت منذ العام 1948, أن فضح الحلف العالمي الذي خططت الحركة الصهيونية له وجندت العديد من الدول والقوى في صفوفه, فلم تتحمل سلطات الكيان الصهيوني كشفه بعض أسرار ذلك الحلف فاعتقلته, وراحت تمدد اعتقاله فترة بعد أخرى. تلاحق افتضاح مزيد من أسرار الحلف على ألسنة بعض منظريه وأطرافه وأدواته والعميان السائرين في ركابه. ثم تولى مراقبون يتابعون تطورات تشكيل ونشاط هذا الحلف فضح المزيد من أهدافه وأطرافه وخططه. قال ماكس زينغر مثلاً, مؤسس معهد هدسون للدراسات الاستراتيجية وأبرز مؤسسي تيار المحافظين الجدد الصهاينة المسيطر على الإدارة الأمريكية الحالية: "إن الهدف من التوجه الاستراتيجي الأمريكي الجديد ليس فقط تغيير الأنظمة الحاكمة في الدول العربية والإسلامية, وإنما دعم المتعاونين مع الغرب والمتأثرين والمرتبطين بفلسفته وإيصالهم إلى السلطة. إن الولايات المتحدة تعمل بنشاط وقوة لدفع الغرب بأكمله إلى الانخراط في حرب تضمن خنق التيار الإسلامي". أما ريتشارد ميلسون فأكد أن الولايات المتحدة تركز حالياً بشدة لتكريس مزيد من تنافر المصالح العربية ـ العربية, بحيث تزيل أي قلق لدى إسرائيل, وأن الولايات المتحدة ستكبل الدول العربية بمجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية التي تجعل كلا منها تحت رحمة إسرائيل, وتمنع أي تعاون فيما بين تلك الدول.‏

قطع الرئيس جورج بوش أي شكوك واهية عندما حذر يوم 6/10/2005 من إمبراطورية إسلامية تمتد بين أسبانيا وإندونيسيا! ودعا الإنسانية بأسرها إلى مشاركة الولايات المتحدة في حربها لمنع قيام إمبراطورية إسلامية يهدد وجود الإنسانية قاطبة كما زعم (!), تجاهل بوش الواقع الموضوعي لتمزق وتخلف وضعف العالم الإسلامي الذي جعله نقيضاً لباقي العالم, وراح يدعو الإنسانية بأسرها لخوض حرب منع إقامة (إمبراطورية) الإسلام المزعومة, مثلما تجاهل أنه أعطى بلاده "حقاً ورسالة سماوية موهومة" لتفرض بالابتزاز والقوة العسكرية الأمريكية الطاغية والهيمنة الاقتصادية الأمريكية الباغية إمبراطوريتها الواقعية ـ لا المزعومة ـ شاملة العالم كله!‏

تابع الصهيوني الأمريكي واسع النفوذ توماس فريدمان, اللعب المدمر على الوتر الطائفي والعنصري, فختم مقالته في صحيفة نيويورك تايمز (29/9/2005) التي نشرتها في نفس اليوم بالعربية صحيفة الاتحاد (أبو ظبي) بعنوان (سنة العراق بين المحصلة اللائقة وحصاد الريح) قائلاً بالحرف: "يجب علينا أن نسلح الشيعة والأكراد وأن نترك السنة يحصدون الريح"!‏

أما من المراقبين البعيدين, فقد أكد البروفيسور الصيني لي سونج كيانج, المتخصص بالحضارة العربية ومؤسس معهد الحضارة العربية في شنغهاي, أن عداء الولايات المتحدة للإسلام متجذر وشرس, وهي تعمل بكل الوسائل لافتعال مزيد من الخلافات بين الدول الإسلامية, وصرفها عن إدراك الخطر الحقيقي والرئيس الذي يتهددها, متمثلاً بالحلف المعادي للعرب والإٍسلام الذي تقوده الولايات المتحدة بتحريك من الصهيونية, ولجعل التضامن والتنسيق بين العرب والمسلمين في مواجهة ذلك الخطر مستحيلين, المشكلة الكبرى هي إمعان أغلب الأنظمة الحاكمة للدول الإسلامية في الجهل أو التجاهل, والعمى أو التعامي, والعجز أو التعاجز, إزاء تصاعد الحرب الأمريكية ضد شعوبهم.‏

***‏

نقد الذات شرط جوهري لصحوة توقف التشتت والانهيار العربي, وتمهد لنهوض يتصدى للغزو الذي استباحنا أرضاً وبشراً وقيماً وعقيدة ومصيراً. باتت هذه الصحوة الهم اليومي للإنسان العربي, إلى جانب لقمة الخبز, لاستعادة بعض الكرامة والوزن.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244