|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الوعي الأصولي ـــ أ.د.يوسف سلامة بما أن العالم ـ بالمعنى الواسع والشامل لهذه الكلمة ـ ذو طبيعة هشة ومطاوعة, فإن من شأن ذلك أن يجعله في موقع الوسيط أو الوساطة فيما بين الصور المختلفة للوعي. ولاشك في أن هذه الوساطة لا تحيل إلا إلى شيء واحد هو أنها مدار الصراع بين أولئك البشر الذين يتسم وعيهم بأنه (وعي واضع). ولئن لم يكن (الوعي الواضع) إلا التعبير عن الرغبة في الإرتقاء بالعالم أو الوساطة إلى مستوى تطلعاته وأفكاره وأشواقه وأحلامه, فإن (الوعي الأصولي) هو ذلك (الواعي الواضع) الذي تقهقر أمام (وعي واضع) آخر, ففقد نتيجة لذلك المقدرة على أن يصوغ العالم على النحو الذي يريده. ونتيجة لهذه الهزيمة على الضبط, فإن (الوعي الواضع) المتقهقر أو المهزوم يهرب من المواجهة الفعلية مع شروط العالم الجديد الذي يصوغه غيره إلى (الماضي) أو (الذاكرة), فيقيم بذلك تطابقاً لا شعورياً بين الوجود الحقيقي من ناحية وبين الماضي أو الذاكرة من ناحية أخرى. ومن ثم فإنه يقيم تطابقاً آخر بين الماضي أو الذاكرة وبين الماهية أو الجوهر, فتصبح ذاكرته منطوية على هذا التطابق الزائف بين الماهية والجوهر من ناحية ويبن الذاكرة والماضي من ناحية أخرى. وهذا يعني أن ماهية (الوعي الأصولي) تستلزم التضحية بالوجود الحق أو بالحاضر الحي لحساب جوهر وماهية مثبتين عند حد من التطور لا يستطيعان تجاوزه وما هذا الحد إلا الذاكرة نفسها. ويترتب على ذلك أن تصبح بديلاً للوجود الحي, فينجم عن ذلك أن يكون الوجود الذي يعيشه (الوعي الأصولي) وجوداً زائفاً يخلقه بنفسه بأكثر ما يمكن له في الحقيقة أن يبرهن حتى لنفسه على أنه وجود أصيل وحقيقي. وعلى ذلك (فالوعي الأصولي) وعي شقي لأنه يشعر بمرارة الإغتراب عن طبيعته الحقيقية, بل عن طبيعة كل وعي يستحق هذه التسمية عن جدارة ـ فالوعي الحق أو الحقيقي لابد له أن يكون مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً (بالهنا والآن), أي باللحظة الراهنة من لحظات الزمان لأنه بذلك فقط يكون (وعياً واضعاً). ومن هنا فإن إحساس الوعي الأصولي بالمرارة أو بالشقاء ناجم عن هذا الانقسام على الذات أو الازدواج الذي يجعل الوعي الأصولي يدخل في نضال عقيم مع العالم وفي صراع لا جدوى منه يتمثل في رغبته في نفي الحاضر وإنكاره وتجريده من كل قيمة, والنظر إليه على أنه زائف ووهمي ولا جوهري متطلعاً من وراء ذلك كله إلى أن يفرض على الحاضر أو يضع فيه أو يخلع عليه ماهيته الوهمية المتمثلة في التطابق الزائف الذي يقيمه بين الماضي والذاكرة من ناحية, وبين الجوهر والماهية من ناحية أخرى. وعلى ذلك فإن الثقافة التي تسيطر على أفكار (الوعي الأصولي) وتنتجها هي ثقافة الماهية التي لا يعني تبنيها سوى شيءٍ واحدٍ هو التضحية (بثقافة الوجود), وما تعنيه هذه التضحية هو الانغلاق على الماضي وعدم الانفتاح على الحاضر فيصبح الماضي, نتيجة لذلك هو الحاضر بينما يتم إنكار الحاضر ونفيه لحساب حقيقة وهمية لا يمكن استعادها إلا بالطريقة نفسها التي يستعيد بها المرء ذكرياته الشخصية من غير أن يكون قادراً على الخروج بها من حيز التذكر والتوهم والتخيل إلى حيز الوجود والواقع والحياة. وسيظل (الوعي الأصولي) حبيس أوهامه تلك ما استمر على إصراره في التنكر للحاضر ووضع الحقيقة في الماضي ومحاولة فرضها على الحاضر بصورة وهمية. وبعبارة أخرى سيظل الوعي (أصولياً) ما دام يمنح الثقة والاعتبار لثقافة الماهية والجوهر. ولكنه في اليوم الذي يخرج من أوهامه تلك, أي عندما يتحول من ثقافة الجوهر والماهية إلى ثقافة الوجود والحياة, فإنه عندئذ سيتحول تحولاً جذرياً من كونه (وعياً أصولياً) إلى اكتساب صورة خلاقة من صور الوعي الممكنة, ألا وهي صورة (الوعي المتمرد). |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |