|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
أسباب غضب شباب فرنسا وهجومه على الرأسمالية ـــ توفيق المديني إن التظاهرات التي شارك فيها أكثر من مليون شخص, وشملت أطيافاً اجتماعية من الموظفين وطلاب الجامعات وتلامذة الثانويات مع النقابات واليساريين في مختلف أنحاء فرنسا خلال النصف الثاني من شهر مارس الماضي, يمكن وصفها بأكبر حركة تمرد اجتماعي تعيشها فرنسا منذ العام 1995 فالمتظاهرون الذين قدموا استعراض قوة جديداً ضد القانون حول "عقد العمل الأول" الخاص بالشباب, الذي يسمح للشركات بطرد العمال الشباب من العمل خلال عامين من عقد الخدمة الأول من دون إعطاء أي سبب, تعكس تظاهراتهم ميولاً راديكالية بعيدة الدلالة. فالجمهور في الشارع يتحدى شكلاً من أشكال الاقتصاد الرأسمالي, الذي يعتبره قسمٌ كبير من الفرنسيين ـ إن لم يمكن الأكثرية ـ خطراً على القواعد الوطنية للعدالة, والأكثر من ذلك: المساواة, وهي القيمة الموروثة عن الثورة الفرنسية, والتي تنفرد بها فرنسا بين الدول الديمقراطية: "الحرية والمساواة والأخوة". وعلى الرغم من أن فرنسا شهدت في خريف 2005 ثورة شباب الضواحي الذين لم يكملوا دراساته الجامعية وتظاهروا للتعبير عن أوضاعهم السيئة, ورغبتهم في الاندماج فإنه اليوم, ومن خلال المظاهرات ضد عقد العمل الأول, نجد أن الطلاب الذين يتمتعون بمستوى تعليمي أرقى هم الذين يعبرون عن خوفهم من نظام التوظيف الجديد. وخلف هذه اللوحة الاجتماعية القاتمة, يرتسم قلق وجودي, يشاطره الأهل, بشأن دخول أبنائهم إلى عالم الرشد. والحال هذه, الجميع في مأزق: الوضع الحالي غير مقبول في ظل ارتفاع معدل البطالة, ورفض الشباب الإصلاحات الواحدة تلو الأخرى المقدمة من قبل السياسيين, في إطار ردة فعل للحماية أو الدفاع. لقد تدهورت الحالة الاقتصادية لحملة الشهادات الجامعية في عام 2001, ما بين فترة تخرجهم من الجامعة والوضع الحالي, فقد انتقل معدل البطالة في صفوفهم من 12% في مارس 2002 إلى 8% في مارس 2003, قبل أن يرتفع من جديد إلى 11% في مارس 2004, وهذا الخوف من تدهور أوضاعهم الاجتماعية, هو الذي دفعهم إلى الالتحاق بالشباب العاطلين عن العمل, إذ إن أياً منهم لا يشعر أنه بمنأى من الخطر الذي يحدق بالجميع, حتى وإن كانت نسبته ضعيفة لحملة الشهادات الجامعية, من الشباب الآخرين. بيد أن التأثير السلبي للحالة الاقتصادية وغياب آفاق الخروج من النفق المظلم يجعلان الصدمة السيكلوجية أسَيّة... ويدفعان حاملي الشهادات الجامعية من الشباب إلى القبول بشروط عمل مؤقتة دائماً. ولأن المصاعب الاقتصادية للشركات الفرنسية هي التي دفعتهم أيضاً إلى قبول أشكال التوظيف المؤقتة والقليلة التكاليف, وحسب المجلس الاقتصادي والاجتماعي (يوليو 2005), وظفت الشركات الفرنسية 800000 متدربّاً سنوياً, منهم 60000 إلى 120000, حسب التقديرات, يتطابقون مع وظائف العمل ذات الدوام الكامل, أما العروض المتعلقة بالدورات فهي مصاغة في الأعم الأغلب كعروض عمل, منشورة على السندات عينها لهذه الأخيرة ومدارة من قبل أجهزة اختيار الموظفين بطريقة مماثلة. وهناك قسم كبير من الشباب عيّنوا لفترة اختبار تدوم نصف شهر من قبل أرباب العمل الذين وظفوهم. أما الدورات التدريبية فهي تمدّد بانتظام, لكي يوقع الشاب المتدرب في النهاية على عقد عمل محدود (من ستة أشهر إلى سنة), وبالمقابل, نادراً ما تتجاوز المكافأة الحد الأدنى من أجر العمل (السميك), حتى للذين يحملون شهادات جامعية (باكلوريا +5)! وعندما تكون المكافأة أقل من الأجر الأدنى بنحو 30% يكون رب العمل معفياً من تحمل الأعباء الاجتماعية. وأبعد من هذه العتبة يحصل المتدرب على حقوق التقاعد... ولكن لا على حقوق البطالة وفي الحقيقة تبدو الدورة التدريبية أكثر جاذبية لأرباب العمل من عقد العمل المؤقت الذي طرحه رئيس الحكومة دومينيك دوفيلبان. العامل الثاني الذي يشرح لنا تطور هذا الشعور بعدم الثبات في العمل, يكمن في تغيير الترتيب الذي يتعرض له الشباب حملة الشهادات الجامعية عقب دخولهم سوق العمل, والذي يمتد أكثر فأكثر إلى ما أبعد من هذه التجربة الأولى, وهكذا, فإن مركز الدراسات والأبحاث حول التوظيف والتخصيص, قد حسب أن معدل حملة الشهادات الجامعية الذين وظفوا بعد ثلاث سنوات من تاريخ تخرجهم من الجامعة في مستوى أقل من مستوى من الشهادة التي تفتح لهم سوق العمل بشكل طبيعي, قد انتقل من 22% في عام 198 إلى 43% في سنة 1997 بالنسبة للبكالوريا +2, أي الحاصل على شهادة ديبلوم جامعي, ومن 36% إلى 45% بالنسبة لحملة الشهادات الجامعية من الليسانس فما فوق. لقد تنامى الشعور بالقلق من قبل حملة الشهادات الجامعية الذين يدخلون سوق العمل حديثاً, والسبب في ذلك أن معظم التحقيقات التي قام بها الخبراء حول الحياة المهنية خلال السنوات القليلة الماضية تظهر مدى تخفيض قيمة الشهادة الجامعية كأداة حماية ضد البطالة والعمل المؤقت. فالشباب من حملة الشهادات الجامعية باتوا على قناعة أن مزاولة التعليم الجامعي لا يعطي امتيازاً في سوق العمل والسبب في ذلك أن هذا الجيل الجديد يتحمل وزر الإسقاطات المدمرة للعولمة الرأسمالية المتوحشة, فضلاً عن أن أفاق النموذج الاقتصادي الفرنسي تثير العديد من التساؤلات. ولقد ازداد هذا القلق الفرنسي داخل أوساط الجيل الجديد إثر عملية التوسع الذي شهدها الاتحاد الأوربي, بعد وصول أعضائه إلى 25 عضواً. والفرنسيون ليسوا وحيدين في هذا الهمّ. فالشكل الملائم لمستقبل الرأسمالية ظلّ موضع نقاش في ألمانيا على الدوام, وهو يتسبّب اليوم في اضطراب عمالي واسع, واللجنة الأوربية تبحث هذا الأمر بعد توسيع الاتحاد, وتخليه عن طابعه "الاجتماعي" لاقتصاد الرفاه. وحتى في بريطانيا, حدث في الأسبوع الماضي أوسع إضراب منذ عشرينات القرن العشرين, حول مسألة المعاشات التقاعدية. كان الفرنسيون دائماً ضد "الرأسمالية المتوحشة". وفي استطلاع دولي, رأى 74% من الصينيين أن اقتصاد السوق هو أفضل صيغ الاقتصاد وأشكاله, في حين لم يحظ في فرنسا إلا بنسبة 36%, وكذلك في ألمانيا إلى حد ما! بيدَ أن السؤال الأساسي يبقى: عن أي رأسمالية نتحدث؟ منذ السبعينات كان هناك تغييران كبيران في النموذج (الأميركي) للرأسمالية. الأول أن "حامل الأسهم" بعد النيوديل في الولايات المتحدة, حلّ محله في حقبة ما بعد الحرب الثانية, نظام للتعاون العام, والمسؤولية الشاملة في الصيغة السابقة كان المبدأ أن الشركة عليها واجب تأمين العاملين فيها لسائر النواحي, إضافة إلى واجبها تجاه المجتمع (بما يعني بشكل رئيسي دفع الضرائب المفروضة على الشركات) وقد حلّ ذاك النظام الصيغة القائلة أن إدارات الشركات مسؤولة عن إيجاد "قيم" قصيرة الأمد للمالكين من خلال تقييم الأسهم, والأرباح الفصلية, وكانت نتيجة هذا النظام الجهد المستمر لخفض الأجور ومنافع العمال (بما كان يؤدي أحياناً إلى سرقة معاشات التقاعد وجرائم أخرى), وكسب الأنصار السياسيين والرأي العام لصالح خفض الضرائب على الشركات, والتي تذهب إلى تمويل الحكومة, والمصالح العامة, وباختصار؛ فإن النظام في الدول المتقدمة, منذ الستينات, تحول لأخذ الثروة من العمال, ومن عطاءات الحكومة, وتحويلها إلى حملة الأسهم, وإلى إداريي الشركات. إن النقد الذي ينصبّ من جانب جيل الشباب الجديد في فرنسا, لاسيما من حملة الشهادات الجامعية, الذي وجد مساندة قوية من النقابات العمالية, التي وجدت في هذه التعبئة الشعبية ضد عقد العمل المؤقت متنفساً جديداً للنضال النقابي, إذ تسمح هذه المعركة ضد قانون العمل الأول أخيراً للنقابات بإيجاد موقع قدم داخل أوساط الشباب, هو في الحقيقة نقد موجه لهذا النمط من الرأسمالية التي يديرها رؤساء ومدير الشركات, الذين يسيطرون على مجالس الإدارة, وهم أكبر المستفيدين من العولمة الرأسمالية المتوحشة, ولا يُراقبون إلا من جانب مديري قروض الاستثمار, الذين يهتمون أيضاً بزيادة الأرباح, وليس بالدفاع عن العمال أو المصالح العامة (وقد استعمل جون بوغل, الاقتصادي الأميركي المعروف هذه الحجة في كتابه الأخير عن الصراع على روح الرأسمالية). إن الإسقاطات المدمرة للعولمة تتمثل في التطورات التي أحدثتها في المجتمعات الرأسمالية ذاتها, من خلال وضع العمال في الدول المتقدمة في منافسة عميقة مع العمال في أفقر الدول على ظهر الأرض, واستمرار الأجور في الانخفاض لتصل إلى الدرجات الدنيا فعلاً. ولا تخرج مظاهرات فرنسا عن هذا السياق. وبعد أسابيع من الاحتجاجات التي أثارها قانون عقد الوظيفة الأولى, والتي هددت بشكل مباشر السلطة التنفيذية الفرنسية وصعّبت من رحلة رئيس الحكومة دومينيك دوفيلبان نحو قصر الاليزيه, توجه الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى الشبان يوم 31 مارس الماضي, معلناً عن حل وسط لنزع فتيل الأزمة, عبر موافقته على القانون, شرط إدخال تعديلين أساسيين عليه. ويعتبر موقف شيراك وسطياً بين دوفيلبان والنقابات, فهو لم يكن قادراً على التخلي عن شريكه والتراجع عن قانون صوتت عليه الغالبية البرلمانية اليمينية المؤيدة له, ولا كان قادراً على مواجهة الشارع الغاضب الذي يستعد لرفع وتيرة التظاهرات والاضطرابات. ولكن من غير المنتظر أن تقبل النقابات والتنظيمات اليسارية هذا التعديل, خصوصاً أن أحزاب اليسار التي تداعى 12 منها أمس لمواجهة القانون, بدأت تجد في هذا التحرك الجامع لحركات وتنظيمات طلابية ونقابية كثيرة, فرصة ذهبية لتحسين شروطها السياسية قبل حوالي 13 شهراً من الانتخابات الرئاسية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |