جريدة الاسبوع الادبي العدد 1013 تاريخ 2/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

التخلف.. أين نجده ـــ غسان الرفاعي

تعاني أكثر من ثلاث أرباع دول العالم من مشكلة التخلف, التي تتجلى مظاهرها في الركود الاقتصادي والاجتماعي للسكان وانخفاض مستوى الدخل القومي وما يتبعه من انخفاض في مستوى المعيشة, الاستبداد السياسي, والتأخر الثقافي والعلمي.‏

وتتعدد التفسيرات المتعلقة بشأن التخلف, فترى النظرية الاقتصادية أن أكبر صورة للتخلف تتجلى في تعطل وسائل الإنتاج في المجتمع وبالتالي ضعف استغلال الثروات المتاحة وانتشار البطالة والفقر بين السكان وظهور الأزمات الاقتصادية من تضخم وركود وارتفاع سعر القطع وغيرها.‏

ويرى علم الاجتماع أن التخلف في التأخر الاجتماعي للسكان, وضعف وعيهم الثقافي, فتضعف الأفكار التقدمية التي من شأنها تطوير المجتمع, وتظهر بصورة واضحة الأعراف والتقاليد وتتضاءل قيمة الثقافة وينتشر بين السكان الفساد الخلقي والاقتصادي كطريقة للتعايش مع المجتمع الذي ينتمون إليه.‏

وتظهر صورة التخلف بصورة واضحة في الحياة السياسية من خلال الاستبداد السياسي والدكتاتورية وما ينجم عنها من آثار سلبية تسحب المجتمعات إلى الوراء.‏

أما العلم فلا يجد طريقاً للظهور نتيجة انتشار الفقر وضعف الوعي لدى السكان والعجز الاجتماعي والاقتصادي.‏

ولننظر بصورة أعمق إلى دولة متخلفة, ونلاحظ قطاعاتها بشكل مفصل.‏

فقطاع التعليم على سبيل المثال يعاني من قدم أجهزته وعدم قابليتها للتطور, فالمناهج لا تتماشى مع متطلبات الجيل أو العصر, فليس هناك من هدف سوى النجاح بالامتحان, الطلاب يقتلهم اليأس, يدرسون ولا يعرفون الهدف من دراستهم, والإمكانات التعليمية ضعيفة لا تفي بالغرض المطلوب منها, أما المعلمون فلا أعتقد أن حالهم أفضل من باقي عناصر الجهاز التعليمي, وما ينطبق على التعليم الأساسي ينطبق على التعليم الأكاديمي.‏

أما قطاع الاقتصاد فنجد أن أجهزته غير قادرة على إدارة العمليات الاقتصادية بشكل فعال, فيظهر بصورة واضحة التخلف في مجال الزراعة والصناعة والتجارة, إما لعدم القدرة على استغلال الموارد المتاحة بشكل كاف, أو لضعف تنظيم أو إدارة أي عمل اقتصادي يخدم الاقتصاد الوطني, فمثلاً أي منتج محلي لدولة متخلفة لا يستطيع الصمود في الأسواق المنافسة سواء لضعف الجودة أو ارتفاع التكلفة, ومن الصور الواضحة للتخلف هو توفر الثروات الوفيرة في البلاد, مع عجز سكانها عن استغلال هذه الثروات, فتغوص في براثن الثروات الوفيرة في البلاد, مع عجز سكانها عن استغلال هذه الثروات, فتغوص في براثن الفقر, وتظهر بها المشكلات الاقتصادية التي من شأنها أن تدمر السكان, أما سياسات البلد المالية والنقدية فتبقى عاجزة لا تتماشى مع طبيعة البلاد ومنطق التطور ولا مع حاجات السوق.‏

وإذا نظرنا في الحياة السياسية نلاحظ سيادة الدكتاتورية والاستبداد السياسي الداخلي, في حين يتجلى بصورة واضحة الضعف السياسي في مواجهة الدول المعادية.‏

وعلى صعيد الأنظمة والقوانين فسواء منها الاقتصادية أو الاجتماعية لا تنسجم مطلقاً مع الحياة الاقتصادية والاجتماعية للسكان, بل ربما تتعارض معها, وقد تقف عثرة في وجه التطور الاقتصادي والاجتماعي للبلاد, ونجد أن القاعدة القانونية نتيجة قدمها وعدم تماشيها مع الحياة العصرية تصبح لعبة في يد القائمين عليها يوجهونها كيفما يشاؤون.‏

ونتيجة لما سبق يتجلى الفساد الإداري والاجتماعي بأبشع صوره, فتضعف قوة الأخلاق, وتنتشر الرشوة كطريقة للتعايش الاقتصادي بين السكان, وتزداد قوة الأعراف والتقاليد ويضعف التنظيم الإداري داخل البلاد إلى أن يصل إلى حد الفوضى وبالتالي بدل أن تبنى البلاد على العلم والتنظيم والقانون, تبنى على الفوضى والفساد وشريعة الغاب.‏

ولكن هناك نظرة أعمق للتخلف ربما يصعب رؤيتها, فعندما ينتشر التخلف في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية, نجده يتغلغل ليصبح عرفاً داخل نفوس سكان البلد, فنجد التخلف يتجسد في سلوك كل مواطن مهما كانت صفته, فيظهر رجل العلم المتخلف, والمثقف المتخلف, والسياسي المتخلف, والأكاديمي المتخلف, ورجل الدين المتخلف, مثلما يظهر الموظف الفاسد, وشرطي السير الفاسد وغيرهم ممن تتضح عليهم صورة التخلف.‏

والسؤال كيف يكون الأكاديمي متخلفاً أو المثقف متخلفاً أو رجل العلم أو رجل الدين متخلفاً أو غيرهم من الأشخاص الذين ينتمون إلى طليعة المجتمع.‏

لنلاحظ وظيفة كل منهم ونرى أين يكمن التخلف؟‏

الإنسان الأكاديمي, مهمته طرح العلوم الجديدة ومراقبة حركة المجتمع سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو الفكرية, ليكشف عن مواطن الخلل ويطرح وسائل معالجتها, والسبل الكفيلة لتفعيلها, ولكن نجد في الواقع أن مهمة الأكاديمي التقليدية تنحصر في إعادة طرح أفكار ومحاضرات متداولة منذ عدة عقود دون أن يضيف عليها شيئاً أو يعدل بها شيئاً, ودون أن يظهر أي أثر لهذه الأفكار في الحياة المعاصرة, والأكاديمي الأكثر تفوقاً تكون مهمته تسخير علومه لخدمة قضية ما قد تكون غير عادلة, أو لا تحقق مصلحة المجتمع, والنتيجة أن المجتمع يسير والإنسان الأكاديمي يقف متفرجاً غير قادر على وضع فكرة واحدة من أفكاره قيد التطبيق, ونلاحظ في البلاد المتخلفة الفجوة الكبيرة بين ما يوجد في الكتب والمؤلفات من أفكار وبين ما هو مطبق منها على أرض الواقع.‏

ورجل العلم نتيجة تناقضات المجتمع التي يعيشها يصبح همه تسخير علمه لأغراضه الشخصية, وليس لخدمة المجتمع, فإذا وصل قطاع علمي في العالم لدرجات متقدمة مثلاً, نجد رجل العلم في الدول المتخلفة لا يحصل منها إلا أقل الدرجات التي تكفيه للتعايش مع مجتمعه, دون أن يظهر منها أي أثر في تطوير المجتمع, وإنما يظهر فقط تفوق هذا العالم على أفراد مجتمعه.‏

والسياسي الذي مهمته طرح قضايا بلده سواء الداخلية منها أو الخارجية والدفاع عنها, نجده في الدول المتخلفة تصبح له أغراض أخرى قد تكون بعيدة عن المصلحة الوطنية.‏

ونفس الكلام يطبق على رجل الدين الذي لا يتكلم سوى بالأمور السطحية ويتجاهل الأمور الجوهرية, والمثقف الذي يمارس حرب النظارات من خلال أفكار سطحية لا تحرك ساكناً في المجتمع.‏

والنتيجة أن هؤلاء جميعاً الذين يشكلون قادة لأي مجتمع ينتمون إليه, يكونون في المجتمع المتخلف عاجزين غير قادرين على تحريك ساكن, شأنهم شأن أي فئة من باقي فئات المجتمع التي تظهر عليها صورة التخلف بشكل أوضح.‏

والمشكلة الأكثر تعقيداً كما يبدو لي؟‏

حين يحاول أحد الأشخاص التخلص من هذا السكون, أو القفز فوق أسوار العجز فسيجد أن عقبات هائلة تقف عائقاً بينه وبين ما يطمح إليه, فإذا حاول طبيب إدخال تقنية طبيبة حديثة مثلاً فقد يجد عقبة اقتصادية كبيرة سواء خاصة به أو خاصة بالسكان قد تمنعه عن إدخال هذه التقنية أو إذا حاول مفكر طرح فكرة جديدة لتطوير المجتمع فربما يجد معارضة كبيرة وقد تتجاوز حدود المعارضة الفكرية, رغم أن مبدأ حرية الرأي والتعبير حق إنساني تصونه كافة المذاهب لكنه في كثير من الأحيان لا يجد مكاناً على أرض الواقع.‏

وهكذا يجب أن ندرك أن تحريك أي ساكن في بلد متخلف يحتاج لإمكانات كبيرة كي تتفوق على قوى التخلف الموجودة داخل هذا البلد. من قوى اقتصادية واجتماعية وعقائدية وغيرها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244