جريدة الاسبوع الادبي العدد 1013 تاريخ 2/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

رؤية في مفهوم التسامح والتعصب ـــ د.محمد الجبر

يبدو أن العلاقة بين مفهومي التسامح والتعصب ليست علاقة تضاد حدي فحسب, وذلك بما يجعل من حضور أحدهما نفياً لحضور الآخر, وإنما هي علاقة تولّد في بُعدٍ من أبعادها الذي يتجاور فيه التضاد والتولد؛ لكن من منظور التعاقب السببي الذي يغدو به غياب التسامح, وهيمنة التعصب إلى درجة الكارثة باعثاً جذريّاً على البحث عن نقيضه الذي يغدو ترياقاً له, ووسيلةً حاسمةً في المقاومة والمواجهة وعلاج الآثار التدميرية على السواء, وقد تعلمنا من المتحمسين للجدلية التاريخية أن كل ظاهرة تنطوي على نقيضها, وأن اللحظات التاريخية المعتمة, أو حتى حالكة الظلمة, لا تخلو من بصيص ضئيل من الضوء الذي ينفذ عبر الثغرات, ويؤكد حضوره كالأمر الذي يطرحه مبدأ الرغبة في وسط السطوة القاهرة القمعية لمبدأ الواقع, ومعروفٌ تاريخياً أمر الحروب الدينية التي ترتبت على حركات الإصلاح الديني في أوربا, وما اقترنت به هذه الحركات من تعددية مذهبية, أفضى التعصب إلى كوارث دفعت على التفكير في مواجهة لهاو والبحث عن خلاص من آثارها المدمرة التي حفرت حضورها الدامي في الوعي الأوربي في القرن الخامس عشر, وكان مفهوم "التسامح" نتيجةً لهذا الحضور الدامي ومواجهةً له, مواجهة بدأت بسيطة, مهمشة مقموعة, لكنها لم تلبث بفعل التراكم والإلحاح أن تحولت إلى حركة فكرية, بدأت من المعتقد الديني, وبسبب الصراعات المقترنة بتأويلاته وفهم نصوصه, ولكنها لم تقتصر عليه, أو تنحصر في مداره المغلق ـ ففارقته إلى غيره من مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية والإبداعية. وكانت النتيجة انتقال المفهوم من مرحلة النشأة الدينية التي انبسطت عبر القرنين السادس عشر والسابع عشر إلى التطور والشيوع الأوسع في المرحلة المدنية لمفهوم التسامح الذي انطلق من القرن الثامن عشر, متلازماً مع الدعوات الليبرالية والأحلام الديمقراطية المقترنة بصعود الطبقة الوسطى من ناحية, وازدهار حركة الأنوار فيما يعرف بعصر العقل من ناحية ثانية, وسعْي الفلاسفة والمفكرين الدائب إلى تأسيس الدولة المدنية, المستقلة تماماً عن الدولة الدينية والسلطة الدينية على السواء, والقائمة على مبدأ الفصل بين السلطات واحترام التعددية التي يلزم عنها حق الاختلاف. وفي الوقت نفسه, مبدأ تداول السلطة وتدوير النخب. وهو المبدأ الذي لم ينطلق تنفيذه إلا مع ترسخ الممارسات الديمقراطية, والاستقلال الكامل عن السلطة الدينية, خصوصاً في توجهها المذهبي الذي لا يخلو التعصب له من قمع المغايرة.‏

وقد حدث في تاريخنا الحديث بعض ما يشبه التاريخ الأوربي لانبثاق مفهوم التسامح والحركات المقترنة به, سواء في الازدواج الذي ينطوي على التداخل الذي يصل بين المرحلة الدينية والمرحلة المدنية للمفهوم, أو التمييز الأخير الذي جعل المفهوم قيمة إنسانية أساسية, لا سبيل إلى تأسيس العالم الحديث وتأصيل وجوده دونها, وإذا كانت المرحلة المدنية تدين للحضور الفكري لأمثال جون ستيورات مل, وإلى التأصيلات النظرية لأمثال كارل بوبر الذي جعل التسامح علامة المجتمع المفتوح وقانونه المعرفي الأول, وجعل التعصب أول أعداء المجتمع المفتوح والقانون القمعي للمجتمع المغلق الذي ينبني على الدمج والتشابه, ويرفض الاختلاف والتنوع والتعدد, وإذا كانت الكلمة الإنجليزية Toleration لا تزال تحمل الملامح الدلالية للمرحلة الأولى الدينية للمفهوم, فميل دلالتها إلى التخصيص الذي يقترن بالسياسات الدينية, وعلاقة الأديان واحدها بالآخر, بل علاقة المذاهب الدينية المتصارعة أو المتباينة داخل الدين الواحد, ومن منظور تباين التأويل النصي, واختلاف التقعيد الفقهي والأصولي, أقول: إذا كانت كلمة Toleration تحمل سمات التخصيص المقترنة بالتأصيل الديني الأول للمفهوم, في تعاقب الدلالات المتراكمة حوله والملازمة له ـ فإن كلمة Tolerance تحمل دلالة العموم المقترنة بالمرحلة المدنية اللاحقة للمفهوم, والتي تضم ـ إلى جانب الدلالة الدينية ـ الدلالة السياسية والدلالة الاجتماعية والدلالة الثقافية, وذلك في جماع الدلالات التي تدور في فلك العموم الذي يجعل من كلمة Tolerance دالة على اللين والمرونة والمسامحة والتساهل وتقبّل الآخر, واحترام الاختلاف بوصفه الأصل الطبيعي للعلاقة بين الكائنات والظواهر والمواطنين والمواطنات, فضلاً عن العلاقة بين الحاكم والمحكوم التي ينبغي أن تكون موازيةً للعلاقة بين تيارات الفكر والإبداع ومذاهب المجتمع وفئاته وأحزاب السياسة ومصالحها وإبداعات الفنون وأنواعها وأجناسها داخل تياراتها التي تؤسسها ثقافة الاختلاف وتأصلها, ويبدو أن شيوع دلالة العموم من ناحية, فضلاً عن تزايد الوعي الإنساني بكوارث التعصب التي أدّت إلى حروب طاحنة على المستويات الكونية والقومية والوطنية, جنباً إلى جنب تصاعد أشكال التمييز السياسي والعرقي والاجتماعي, وقد أدى ذلك كلُّه إلى اهتمام اليونسكو بمفهوم التسامح بصفته قيمة إنسانية لابد من تأكيدها في مواجهة كوارث التعصب العالمية. ولذلك أوصت اليونسكو من طريق خبرائها ومؤتمراتها, وقبلت التوصية الأمم المتحدة التي دعت إلى أن يكون عام 1995م عاماً للتسامح على امتداد الكرة الأرضية, الأمر الذي كان يعني التزام الدول الأعضاء في هذه المنظمة الدولية بإقامة المؤتمرات وإعداد الكتب والأبحاث عن مفهوم التسامح والترويج له, وجعله منطلقاً لزمن واعد من العلاقات الإنسانية في جوانبها المتصارعة سياسياً واجتماعياً وثقافياً, وفي مؤسساتها الإيديولوجية والمعرفية والإعلامية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244