جريدة الاسبوع الادبي العدد 1013 تاريخ 2/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الشعرية من وجهة نظر جيرار جينيت ـــ عصام شرتح

انشغلت الشعريَّة في الغرب, منذ القديم إلى الآن, بمسأَلة الأَجناس الأَدبيَّة, وهو انشغال يتأَتَّى أساساً من التصوُّر الغربيّ ذاته للنص الأدبيّ, عبر العصور والمدارس والبنية النصّيَّة ـ يقول جيرار جينيت في كتابه: "مدخل لجامع النص" ما يلي: "ليس النصّ هو موضوع الشعريَّة, بل جامع النصّ, أي مجموع الخصائص العامّة أو المتعالية التي ينتمي إليها كلّ نصّ على حدة. ونذكر من بين هذه الأَنواع: أَصناف الخطابات, وصيغ التعبير, والأَجناس الأدبية. ولقد اجتهدتِ الشعريَّة الغربيَّة منذ أرسطو في أَن تُشَكّل من هذه الأنواع نظاماً موحَّداً قابلاً للإحاطة بكامل الحقل الأَدبيّ, ولم تتم تلك الجهود من غير التباسات أَهمُّها التقسيم الثلاثيّ المعترف به منذ القرن الثامن عشر, والذي أُسند خطأ لأرسطو نفسه, وهو تقسيم الحقل الأدبيّ إلى ثلاثة "أنماط أساسيَّة" صُنِّفت تحتها الأَجناس والأنواع الأَدبيَّة: الغنائيّ والملحميّ والدراميّ"(1).‏

يقصد جيرار جينيت بالشعريَّة: "نظريَّة عامَّة للأشكال الأدبيَّة"(2), فمن خلال هذه النظريّة يستطيع الباحث في الأَدب المقارن أن يُقَدّم إسهامه فيها من خلال اتِّساع الآداب التي يعرفها وتنوّعها, وقد تركَّز تفكير "جينيت" على مفهوم "النصّ المتعدِّد" أي الطبقات العامَّة المختلفة أو السامية التي يتبع لها النصّ: مثل طريقة السرد والأَشكال العروضيّة والموضوعات والأجناس والرموز والأساليب وكلّ العناصر التي تكوِّن نصّاً خاصَّاً, وتأخذ في الحسبان كلّ نصّ في خصوصيَّته"(3).‏

يقول جيرار جينيت: "ومن الجليّ, فعلاً., أنَّ ما نُسَمِّيه عادة الأَدب من ناحية يتركَّب من أجناس أَدبيَّة, لا تتوقَّف الأدبيَّة ضمنها على أَيَ تقييم, ومثلاً لذلك, فإنَّ مسرحيَّة أو رواية أو قصيدة تنتمي للأدب شرعاً, مهما كان مستواها أو كانت قيمتها, على النحو الذي تنتمي فيه اللَّوحة أو التوليفة الموسيقيَّة للرسم أَو الموسيقى بغض النظر عن نوعيَّتها التصويريَّة أو الموسيقية؛ ومن ناحية ثانية من أَجناس ذات أَدبيّة غير راسخة, كالدّراسة والتاريخ, والخطابة أو السيرة الذاتيَّة, سواء ارتقت نصوصها للمرتبة الأدبيَّة أم لا"(4).‏

وفيما يتَّصل بتحديد موضوع الشعريَّة, فإنَّ "جينيت" يُحَدِّدها بقوله: "إنَّ الشعريَّة تسعى للكشف عن قوانين الإبداع في بنية الخطاب الأدبيّ بوصفه نصّاً وليس أثراً أدبيّاً"(5).‏

فالشعريَّة بخضوعها لنظريَّة الانبثاق ـ أي انطلاقها من النصّ ذاته كونه بنية منفتحة ـ اكتسبت تعدُّديّة في استنباط القوانين وإثراء لمجالها, ذلك أنَّ النصَّ مكتوم في الكلام ولاستنطاق هذا النصّ لابُدَّ من طرائق تختلف من باحث إلى آخر, ولهذا يصبح الحديث عن استنطاقات عدَّة لا استنطاق واحد.‏

لقد أَصْبَح النص فضاءً ذا معانٍ متعدِّدة, وأصبحت الشعريَّة ـ تبعاً لذلك ـ بحثاً في هذا الفضاء, فالنصّ ـ إذن ـ موضوع الشعريّة التطبيقي, أمَّا ما يعنيه "جينيت" بقوله: "ليس النصّ هو موضوع الشعريَّة بل جامع النصّ" فهو كلّ العناصر الداخلة في النص التي تولِّد شعريَّته, وبناء على هذا يُعْنَى "جينيت" لا بالنّص بل بما يُسَمِّيه "التعالي النصّيّ": "أَي ما يجعل النصّ في علاقة خفيّة أم جليّة, مع غيره من النصوص"(6). وبهذا يدلُّ ضمن التعالي النّصيّ, التناصّ "Intertextuality" الذي هو التواجد اللّغويّ لنّص ما في نصّ آخر. ويقع "ضمن التعالي النصّيّ علاقة التداخل التي تقرن النّص بمختلف أَنماط الخطاب التي ينتمي النّص إليها. وفي هذا الإطار تدخل الأَجناس وتحديداتها... وهي المتعلِّقة بالموضوع والصيغة والشكل"(7). ويصطلح "جينيت" على المجموع (جامع النصّ) وفي هذا السياق ـ ومن وجهة نظر أخرى ـ "ليس موضوع الشعريَّة هو مجموعة الأَعمال الأدبيَّة الموجودة, ولكنَّه الخطاب الأدبي نفسه كأصل مُوَلِّد لعدد لا نهائي من النصوص, والشعريَّة فرع من الدراسة نظريّ غُذِّي وخُصِّبَ بواسطة البحث التجريبي, غير أنَّه لا يتشكّل بها, ومن بين مهمّاتها الأَسمى, يجب أن تزوِّدنا الشعريَّة أوَّلاً بالإجابة على السؤال: ما هو الأَدب؟ بكلمات أخرى, يجب أن تحاول إخضاع هذه الظاهرة السيسولوجيّة التي تُدعى الأدب إلى وجود داخلي ونظر, أو لتأخذ مقترباً آخر, يجب تحديد الخطاب الأدبيّ مع الاهتمام بأنماط الخطاب الأُخرى, وهكذا فإنّ مثل هذا التحديد سيمنح الخطاب نفسه نشاطاً باعثاً معرفيّاً, وبذلك ظنّه سيكون نتاجاً لجهد نظري, وبالتالي وعلى مدى معيّن سيكون نتاجاً لحقائق مرصودة.‏

إنَّ الجواب على السؤال الأوَّل سيكون ـ في الحال ـ نقطة البدء والهدف الأَخير, كل شيء في عمل الشعريَّة يجب أن يسهم في هذا الشرح الذي لا يستطيع بوساطة التحديد "التعريف" الثاني, يجب أن تهيئ الشعريّة الوسائل لوصف النصّ الأدبيّ. هذا يعني أنَّها يجب أن تكون قادرة على تمييز مستويات المعنى, لتعيين الوحدات التي تُشَكِّلها, وتصف العلاقات التي تشترك فيها الوحدات, وبمساعدة هذه المقولات الأساسيَّة نستطيع أن نبدأ بدراسة أشكال ما, ثابتة قليلاً, أو كثيراً, نستطيع أن نشرع ـ بكلمات أخرى ـ بدراسة الأنواع أو الأَجناس, ونستطيع كذلك أن ندرس قوانين التعاقب, أَي, قوانين تاريخ الأدب"(8).‏

ومفهوم الشعرية ـ عند جينيت ـ يختلف عن مفهوم الشعريَّة لدى بارت وتودوروف.‏

فالنصّ الشعريّ عند بارت وتودورف ينوء بالمعاني الكامنة. التي يقع كشفها على عاتق تطبيق مبادئ الشعريَّة على النصّ. أمَّا نقطة الاختلاف بينهما ـ بارت وتودورف ـ وبين جينيت فتكمن في أنَّ جينيت يعالج موضوع الشعريَّة على مستوى يبتعد عن وجهة النظر التطبيقيَّة التي تبنَّاها بارت وتودوروف, "فجينيت" يرى أن: "جامع النصّ" هو موضوع الشعريَّة, وقد سبقت الإشارة إلى "جامع النصّ" هذا, ويلاحظ أن مفهومه ينحصر في وجهة تنظيريَّة شاملة على مستوى الأَجناس الأدبيّة وصيغ التعبير وأَصناف الخطابات. نقطة الخلاف تتجلَّى ـ وبعبارة موجزة ـ في تمييز موضوع تطبيقي وآخر تنظيريّ شامل, يُعْنَى الأَوَّل بإجراء الشعريَّة بينما يُعْنَى الثاني بدراسة خصائص متعالية وعامَّة تنتمي إليها النصوص جملةً. يقول جينيت: "إنَّ الشعريَّة إذاً علمٌ غير واثق من موضوعه إلى حدّ بعيد, ومعايير تعريفها هي إلى حدّ ما غير متجانسة, وأحياناً غير يقينيّة. ومن ثمَّ فإنّ اعتبار وإعادة اعتبار التحديات والتقسيمات المتتالية, طوال التاريخ, للحقل الأَدبيّ, يجعلنا متنادين ثانية إلى التساؤل المثير الذي وضعه رومان جاكوبسون منذ عهد قريب في صلب كلّ شعريَّة, وهو: في أيّ شيء تنحصر أدبيّة الأدب؟"(9).‏

وعلى الرغم من التأرجح القائم في مسألة موضوع الشعريَّة "غير الواثق من نفسه إلاّ أنَّ غياب الشعريَّة يُؤَدِّي إلى مزالق ومخاطر كثيرة, فليس بوسع الناقد أن يمارس حرفة علمية ومنهجيَّة حينها, كما أنَّه ـ بالتأكيد ـ سوف يكون ذا أحكام مسبقة لا تستند إلى أسس منهجيَّة وسيكون النقد ـ في حالة غياب الشعريَّة ـ مجموعة بديهيَّات عقليَّة كامنة وغير عمليّة"(10).‏

ونشير إلى أنّ الأعمال الأُولى "لجيرار جينيت" قد أخذت طابعاً بلاغيّاً خاصّة في كتابيه "أشكال 1" و"أشكال 2", لقد فرض نفسه كأَحد الممثِّلين الرئيسيِّين للشعريَّة الحديثة من خلال كتابه: "أشكال 3" الذي شهد حفاوة عالميَّة واسعة لأنَّه ليس: "مجرَّد دراسة للأَنواع والأَشكال بالمعنى البلاغيّ والشعريّ للعصر الكلاسيكيّ بل لأنَّه عبارة عن استقصاء لمختلف احتمالات الخطاب"(11).‏

إنَّ الأعمال والأَشكال الموجودة هي حالات خاصَّة وبالتالي فهناك تركيبات مفتوحة يمكن استقراؤها. وعلى هذا النحو يقابل "جينيت" شعريَّته المفتوحة بشعريَّة الكلاسيكيِّين المغلقة". وعندها يميِّز بين العلوم التابعة للدّراسة الأَدبيَّة كتاريخ الأَدب وتفرُّعاته, كالسيرة ونقد المصادر والمؤثِّرات. وأَصل وغنى الأَعمال الأَدبيَّة, والنقد ودراسة العمل الأدبيّ الخاصّ, إن الوظيفة الأساسيّة للنقد تكمن في "إقامة حوار مع النّص ومع نفس واعية أو لا واعِيَة فَرْدِيَّة أو جَمْعِيّة, مُبْدِعة أو مُتَلقِّية"(12). الشعريَّة ـ من وجهة نظر جينيت ـ هي استكمال للنقد, تقيم معه علاقة متبادلة ضروريَّة.‏

وقد وقف "جيرار جينيت" في كتابه: "الأدب من الدرجة الثانية"(13) حول مصطلح "التطريس" و"التداخل النّصيّ أو التعالق النصّيّ" وقد سعى "جينيت" في هذا الكتاب, إلى الربط بين التجاوز النّصّيّ ومختلف المقولات العامَّة أجَناساً أَدبيَّة وأَنماطَ خطاب وصيغَ تَلفُّظ, وعرض فيه لمختلف المظاهر التطريسيَّة تفصيلاً وهي المظاهر التي وزَّعها إلى قسمين سمَّى الأوَّل منها التوظيف الإبداعيّ, ويندرج ضمنه توظيف اللّغة في النصّ أو النصّ في النصّ أو في فنّ رافد, ويدخل ضمنه التطريس والثاني هو التوظيف التقييمي, ويندرج ضمنه النصّ فيما يُسَمَّى "النقد" بمفهومه العام.‏

أمَّا في كتابه: "الطروس" فقد وقف "جينيت" عند أهمّ المصطلحات الداخلة ضمن مصطلح "التطريس" منها: "1 ـ التناصّ: وهو الوجود الفعلي لنصّ في نصّ آخر: "والترافق: أي علاقة النصّ بما يصاحبه مثل: "العناوين والتمهيدات, والعبارات التوجيهيَّة والتوضيحات. والتماسات الأُخرى" 3 ـ العلاقة النقديَّة: هو التعليق الذي يقوم فيه نصّ على نصّ آخر وقد أَطلق عليه مصطلح "النصيَّة الأوليّة". 4 ـ النصّيَّة الضَّامَّة: هي العلاقة التي تضمَّ نصّاً إلى نصّ سابق". ويُقَدّم هذا الكتاب لوحة متكاملة للشعريّة ومصطلحاتها, والتطريس وأشكاله, وهو أفضل كتب جينيت, لأنَّه لا يكتفي... بتصنيف وتعريف وتغيير المصطلح فقط, بل لأَنه يُوَضِح مجالاً ضخماً من الأَبحاث.‏

أخيراً: لقد قدَّم جيرار جينيت إيضاحات مهمّة ضمن مصطلحه "التعالي النصّيّ" حول مسألة المحاكاة والمعارضة, إذْ يقول: "أضع أيضاً ضمن "التعالي النصّيّ" أنواعاً أخرى من العلاقات, وأهمُّها فيما أعتقد: علاقة المحاكاة وعلاقة التغيير. وتعطينا المعارضة والمحاكاة الساخرة فكرة عنها بل فكرتين متباينتين, ولأَنَّني لم أعثر على مصطلح أفضل فقد أَطلقت على هذا النوع من العلاقات مصطلح "النظير النصّيّ" الذي هو التعالي النصّيّ بالمعنى التام, وأخيراً أضع ضمن "التعالي النصّيّ" علاقة التداخل التي تقرن النصّ بمختلف أنماط الخطاب التي ينتمي إليها وفي هذا الإطار تدخل الأجناس وتحديداتها وهي المتعلقة بالموضوع والصيغة والشكل وغيرها وقد اصطلحنا على المجموع: "جامع النصّ" و"الجامع النصّيّ" أو "جامع النسج"(14).‏

في النهاية:‏

إنَّ الشعريَّة ـ من وجهة نظر جيرار جينيت ـ مَفْتوحة, تُعْنَى بالشفرات الكامنة في بنية النصّ, إنَّها ترى النصَّ غير منعزل ولكنّه تركيب مفتوح, وبهذا يلتقي مع الناقد "أمبرتو إيكو" الذي أَثار قضية نقديَّة مهمة هي "مسألة النصّ المفتوح", إذ يكون للقارئ دور مهم في تكميل دلالة النصّ في أثناء القراءة, هذه النظرة إلى النصّ تُوْصَف بأَنَّها نظرة ديناميَّة يجتمع فيها النصّ والقارئ والشفرات العميقة لتكمِّل بعضها بعضاً. وتمتدُّ جذور هذه النظرة إلى أُطروحات جاكوبسون وتينيانوف اللَّذين نبذا النزعة الذاتيّة للمدرسة الشكليّة, وهكذا فإنَّ حضور الشعريَّة هي ـ من وجهة نظر جينيت ـ الحلّ الناجح للبداية في بلورة دراسات أدبيَّة علميّة تستأصل شراذم الآراء الانطباعيّة والحدسيّة.‏

الحواشي:‏

(1) جينيت, جيرار, 1986 ـ مدخل لجامع النصّ, دار توبقال للنشر, تر: عبد الرحمن أيوب. ط2, ص2.‏

(2) هنري باجو ـ دانييل, 1997 ـ الأدب العام المقارن, تر: غسان السيد, اتحاد الكُتاب العرب, ط1, ص191.‏

(3) المرجع نفسه, ص191.‏

(4) جينيت, جيرار, 1986 ـ مدخل لجامع النص, ص9.‏

(5) المرجع نفسه, ص91.‏

(6) المرجع نفسه, ص90.‏

(7) المرجع نفسه, ص91.‏

(8) Ducrot and todorov. Encgclopedic Dictionary of the sciencesef language p. 79.‏

(9) مدخل لجامع النصّ, ص10.‏

(10) Frye, Northrop – Anotomy of criticism princeton University press princeton, New jersey, 1971, p.22.‏

(11) تادييه, جان إيف 1993 ـ النقد الأدبيَّ في القرن العشرين, منشورات وزارة الثقافة, دمشق تر: قاسم المقداد, ط1, ص349.‏

(12) المرجع نفسه, ص349 ـ 350.‏

(13) Gerard Genette, palimpsestes, la litterature au second degre editions du seul, 1982, p. 126.‏

(14) مدخل لجامع النصّ, ص91.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244