جريدة الاسبوع الادبي العدد 1013 تاريخ 2/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

كوميديا دانتي كما عرضتها "قصّة الحضارة" ـــ د.غازي مختار طليمات

للكتب الضخمة من طبقة تاريخ الذهبي وأغاني أبي الفرج رهبة مخوفة, يقف أمامها القارئ وقوف السابح المبتدئ أمام البحر الهائج, يغريه فيه صفاء الماء, ويثنيه عنه هَيْج الموج, فإذا هو جزِع فزِع, أو خائر حائر, لا يدري أيلقي نفسه في عباب الكتاب المهيب أم ينصرف عنه إلى أوشال الكتب المختصرة. غير أنه بعد أن يصارع غمار التيار, ويتقن العوم والغوص, ويتصيّد اللآلئ من قاع البحر يزهد في الضحضاح الوحِل, ويؤثر عليه اللجة النقيّة العَتِّية.‏

وكتاب قصة الحضارة للمؤرخ الأمريكي (ول ديورانت) بأجزائه الاثنين والأربعين واحد من هذه الكتب الموسوعية سنة 1789م, وأولى فيه الفلسفة والدين والأدب والفن والعلم الحظّ الأوفى من عنايته. غير أنه لم يبرأ من تحيز وتعصب لحضارة اليونان والرومان في العصور القديمة والوسطى. ومن تحيز وتعصب لحضارة إيطاليا وفرنسا في عصر النهضة. ومن أبرز الشعراء الإيطاليين الذين أولاهم عنايته دانتي صاحب الكوميديا الإلهية, فبأي عين نظر إلى الشاعر, وبأي روح عرض كوميدياه؟‏

لم يكن أبوا دانتي حينما سمّيا ولدهما (دورانتي ألجيري) ـ ومعناه: حامل الجناح الطويل البقاء ـ يعلمان أن ولدهما سيكون له في أفق الخلود جناح ممدود. أمّا الشاعر نفسه فقد استثقل اسمه واستطاله, فقلّمه ورخّمه, وجعله (دانتي). ودانتي هذا سليل أسرة عريقة من مدينة فلورنسا, أحبّ, وهو يافع, فتاة اسمها (بياتريس), ألهمته هذا الأثر الأدبي الكبير بعد موتها وهي في ريعان الشباب.‏

نظم دانتي ملحمته الضخمة باللغة الإيطالية الشعبية بعد أن كان الشعراء ينظمون باللاتينية, وجعلها مائة قصيدة, واتّبع فيها النظام التثليثي للقوافي, وأدار موضوعها حول الدين والأخلاق, وصبّ أفكاره في قوالب لفظية ذوات أبعاد ثلاثة: بعدٍ حرفي, وبعد مجازي, وبعد رمزي, فالحرفي يصور الأرواح بعد الموت, والمجازي يرمي إلى تصوير حياة الإنسان في الدنيا, ومعاقبته أو مكافأته في الآخرة وفق ما تكتسب يداه. والرمزي يتمثل في جعل الجحيم تعبيراً عن مرور الإنسان بالخطيئة, والمَطْهَرُ إشارة إلى التبرّؤ من الآثام, والفردوس رمز للنجاة عن طريق حبّ الله.‏

ومن ينظر في الأفكار المبثوثة في هذه القصيدة يجد حشداً من الآراء والنظرات تداخلت فيها الفلسفة والفلك والجغرافية والتقويم والتنجيم والطلّسمات والإيمان بالقوى الخفية والتثليث إلى جانب الثقافة العربية الإسلامية مما اقتبسه الغرب من كتب ابن رشد وابن سينا والغزالي والفارابي وصور البعث والقيامة, وألواح رسمت في غفران أبي العلاء ومعراج النبي صلى الله عليه وسلم وتصوّف ابن عربي.‏

لقد خُيّل إلى دانتي أنه لن يبلغ السعادة حتى يجتاز الجحيم, ثم المطهر, ثم تتلّقاه بياتريس في السماء, فتدخله الفردوس, فكيف تصوّر الشاعر هذه المواضع وصوّرها؟ تصورّ الجحيم هاوية سحيقة الغور مظلمة توغل في جوف الأرض, وتتصاعد من بين صخورها الوحشية أبخرة حارّة, وروائح كريهة, وتزمجر فيها رياح عاتيات, لا يفوقها عُتَوّاً إلاّ صراخ المعذّبين, وعلى شفة الهاوية العليا يقيم من لم يؤثر عنهم في حيواتهم خيرٌ ولا شرّ, وعذاب هؤلاء أن تلسع الزنابير وجوههم, ويحرق الندم قلوبهم.‏

وعلى قارب يُدعى ملاّحه (كارون), وفي نهر اسمه (أكرون) يمضي دانتي في صحبة الشاعر القديم (فرجيل) إلى دائرة الجحيم الأولى, فيجد فيها كبار الفلاسفة: أرسطو وابن رشد وابن سينا.‏

ثم يمضي إلى الدائرة الثانية, فيقابل أهل الزنى من طبقة (هلين) و(كليوبترة), فيغمى عليه من هول المشهد, وحينما يستيقظ يجد نفسه في الدائرة الثالثة, فيلقى فيها عبيد الجشع, يأكل لحومهم كلب مفترس كما أكلوا في الدنيا لحوم الأبرياء, فإذا جاز الثالثة إلى الرابعة وجد البخلاء والمبذّرين يعذب بعضهم بعضاً باقتتال لا نهاية له, وفي الخامسة والسادسة صرعى الغضب والكسل, وفي السابعة القتلة مع المنتحرين لاشتراكهم في الاعتداء على الأرواح الحية.‏

وفي التاسعة ـ وهي الدرك الأسفل ـ هوّة يملؤها الجليد, ويدفن فيها خونة الأوطان, فإذا بكوا من شدة العذاب فاضت دموعهم كحبات البَرَد, وهذا التصوير يعني أن الجحيم جمعت صنوف العذاب وكلما أمعن الإنسان في اقتحامها زادته رعباً على رعب, وكأنها تمثل قسوة المسيحية في القرون الوسطى. ولهذا لا يحس القارئ شيئاً من الفرَج إلاّ حينما ينتقل دانتي وفرجيل إلى المطهر. فماذا لقيا فيه؟‏

المَطْهَر مخروط جبليٌّ من سبع طبقات, يتلقّى فيهن الإنسان ألوان العذاب الطفيفة قبل أن يُغْفَر له, ويدخل الجنة. والعذاب في المطهر آنيّ, وفي الجحيم أبدي. وفي المطهر يلقى دانتي الملوك الصالحين العادلين, فيعجب بهم, ويدعو إلى ترسيخ الملكية, ويعدّها أحسن الأنظمة إذا عدلت, ثم يصور ما في الشرفات السبع من عقاب غايته تبرئة النفوس من أدرانها, وغسل القلوب من أوشابها حتى يغدو أصحابها أهلاً لدخول الفردوس.‏

في الشرفة الأولى عقوبة تشبه عقوبة (سيزيف) صاحب الصخرة, وفي الثانية يظهر الحسّاد بثياب خشنة وعيون مغلقة, خيطت أجفانها بأسلاك من حديد. والثالثة والرابعة والخامسة لأهل الغضب والكسل والبخل, وفي كل شرفة عذاب يناسب الذنب ويليق بالمذنب, وفي السادسة يُطهَّر المنهومون المغرمون بالطعام, إذ تهتزّ الفاكهة الذكية الجنية على الأشجار أمام أولئك الجشعين الذين أذهبوا طيباتهم في الحياة الدنيا, فإذا امتدت أيديهم إليها لتقطفها تراجعت. والشرفة السابعة مخصصة للشعراء المجّان الذين غلبتهم الشهوة, ففسقوا, واستغفروا لذنوبهم, فغفر لهم.‏

وفجأة ينكص فرجيل على عقبيه, ويخلي بين دانتي والجنة, ويبشّره بأن عيني بياتريس سوف تهديانه سواء السبيل, وفجأة أيضاً تبرز من بين الحقول جارية حوراء عيناء, تغار من حسنها حِسان الجنان, وهي تغني, وتذكّر دانتي بخطيئة آدم التي أخرجته وذريته من الفردوس, ثم تتعاقب المفاجآت إذْ تهبط بياتريس من السماء, فلا يستطيع دانتي ببصره الحسير أن يراها, ولكنه يُحسّ مرورها حينما تسري في أوصاله قشعريرة تُرعده, وتذكّره حبه القديم.‏

انتهت رحلة دانتي في المطهر, وشرع يتأهّب لاقتحام السماء, ودخول الفردوس ليتذوق الجمال العُلويّ البعيد عن الشهوات, فكيف تصوّر الشاعر السماء والفردوس؟ وكيف صوّرهما؟‏

كلّ شاعر يستلهم صوره من ثقافته وبيئته, ويرسمها على ضوء ما يؤمن به, غير أن دانتي في تصويره السماء والجنة استمد صوره من ثقافته وعقيدته, وأغفل البيئة. فقد تلقّى عن الكنيسة تحريم التصوير, فنزع إلى التجديد, فلم يصور الملائكة والقديسين, أو صورّهم على نحو تعيا بإدراكه الأبصار, وتمثّلهم كواكب نورانية, تسبح في فضاء الجنة, ومع أن الكنيسة الكاثوليكية كانت في زمانه تعترف ببعث الجسم بعد الموت, فقد بالغ دانتي في التجريد, وحرّم ما أحّلت الكنيسة.‏

استرشد دانتي بفلك بطليموس, فجعل السماء تسع كرات مطّردة الاتساع, بعضها يحيط ببعض, وتدور كلّها حول الأرض, وهي في دورانها تسبحّ لله, وتشاركها في تسبيحها النجوم, وما النجوم في اعتقاده إلاّ أرواح الصالحين, تصعدت إلى عليين, وفي مُزْدَحم الأنوار المقدسة: كراتها وأفلاكها ونجومها ينبعث نور بياتريس ليجذب إليه دانتي, ويرفعه إلى الجنة الأولى في السماء الأولى, وهي جنة الذين لم يلوّثوا نقاءهم بذنب. فلا يكاد يبلغها حتى تجذبه قوة صاحبته جذبة قوية, تبلغه السماء الثانية, وهي مثوى الذين كانوا يعملون الصالحات في الدنيا, ويشاركون في الإحسان والبِرِّ.‏

ثم تتعاقب جَذَبات بياتريس, لتنقل دانتي من السماء الثانية إلى الثالثة, فالرابعة, فالخامسة. وفي الجنة الخامسة تقيم أرواح المجاهدين والشهداء في سبيل الحقّ. وفي السادسة ينعم برضوان الله القضاة العادلون, وفي السابعة يزداد جمال صاحبته بياتريس بهاءً وصفاءً, لكنه جمال محرّم على الحبيب, إنها لا تجرؤ على أن تبتسم لدانتي لئلا تحرقه ابتسامتها, وتحولّه إلى رماد بقوة إشعاعها, فتتلقاه بطلعتها الزران, وعفتها الحصان بلا إغواء ولا إغراء.‏

في السماء الثامنة تستيقظ شهوة دانتي, ويتودد إلى بياتريس, فتزجره, لأن هذه العاطفة الأرضية لا تخالط أهل الجنة, فيزدجر, ويلتزم ما ألزمته, وبينما كانت بياتريس تحدّق في جهة من الجهات الممتدة حولها, كأنها تتوقّع ظهور شيء عظيم, أو حدوث معجزة عجيبة تنشق السماء عن ضياء وبهاء, فتقول لدانتي:‏

انظر إلى جيش المسيح المنتصر, فلا يرى الشاعر غير نورموصول بنور, ولا يسمع غير أصداء الغناء, فيدنو من الركب الذي تنبعث منه الأضواء والأصداء, ويُخيل إليه أنه أبصر (بطرس) فيقول له بطرس ساخراً: إن الكرسيّ البابويّ سيظلّ شاغراً أو مدنّساً ما دام (بنيفاس) بابا روما. ثم يختفي الموكب, ويصعد دانتي إلى السماء التاسعة, وفيها الروح الإلهية المجردَّة من الجسد, والأصل الثابت لجميع الأرواح والأجساد, وأصناف الملائكة.‏

ولما كان المخلوق توّاقاً إلى معرفة الخالق, فإن دانتي يحرص أشدّ الحرص على رؤية الله, فيعجز, إذْ تتحول الكواكب النورانية التي تكنفه من كل جانب إلى وردة بيضاء كبيرة تملأ الآفاق, حينئذ, تنصرف عنه بياتريس, وتتخذ موقعها المخصص لها في تلك الوردة, وترسل القديس (برنار) إلى دانتي, لعلّه يقدم إليه بعض العوض, ويرشده إلى أعظم المشاهد السماوية.‏

تلك خلاصة لما كتبه ديورانت في قصة الحضارة عن كوميديا دانتي. أما دراسة هذه القصيدة, والنظر فيما قاله المستشرقون عن تأثر الشاعر بالفكر العربي الإسلامي فله موضع آخر في خاطرة أخرى إن شاء الله.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244