جريدة الاسبوع الادبي العدد 1013 تاريخ 2/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

قصّتي في النهار ـــ جودت حسن

أنا إسماعيل ديب من قرية "عين حفاض" وعمري ثلاثون عاماً؛ أحبُّ الحياة ودراستي في علم النفس؛ لكنّني أخاف الذهاب إلى الجامعة لأنني فقير وأقضي وقتاً طويلاً في تحضير قميصي وبنطالي لأظهر في هيئةٍ معقولةٍ أمام فتياتِ النهار هناك في الجامعة.. صحيحٌ أنّني في السنة الأخيرة وسوف أتخلّصُ من خجلي نهائياً عندما أزور أوَّل مدرسة ثانوية؛ لكنَّ هذا الأمر لن يتمّ بدون التخلّص من جزمة الكاوتشوك اللعينة التي بهدلتْني في قلب الجامعة.. قصّتي تحبّ أنْ تُروى... يجب أنْ تُروى مع أنّها ثقيلة الوَطءْ بسبب الجزمة اللعينة..! هل يجدرُ بي استعارة حذاء من الجيران؟ هذا لن يحدث.. يكفي أنّني رتّبتُ قميصي وبنطالي بوضعهما تحت الفراش مدّة أربعٍ وعشرين ساعة!‏

أمّا الجزمةُ التي من الكاوتشوك فسوف أتدبّرُ أمرها.‏

قلتُ للجزمة:‏

ـ ماذا أفعلُ بكِ؟‏

قالت الجزمة بحياد وبرودة دمّ:‏

ـ ادهنّي..‏

ـ كيف أفعل ذلك؟ هل نسيتِ أنَّكِ "غوما"؟‏

قال الجزمة وهي تتباهى بطولها:‏

ـ ضعْ بنطالكَ فوقي.. لن يراني أحدٌ..!‏

قلت وقد امتلأتُ بالفرح:‏

ـ لقد وجدتُها ـ بلى .. هذه هي بالضبط!‏

أيّتها اللعينة التي قد يفضحني منظرها في وسط الجامعة في وسط النهار وبين الفتياتِ الأقمار..! قالت الجزمة وهي لا تفكّر بشيءٍ تقريباً:‏

ـ سأكون سعيدة بالذهاب إلى الجامعة ورؤية فتيات النهار هناك, ولكن, اجعْلني ألمع بقليل من البويا.. أنتَ طيّب يا إسماعيل.. قليلٌ من البويا لن يخربط لكَ عالمك الجميل.. ثمّ إنّها سنتْكَ الأخيرة.‏

وعليكَ أنْ تكتفي بمناظر البطّ الأبيض هناك.. سوف تتزوّج واحدة من هنا من قرية "بصلّوح".!‏

دهنتها بقليلٍ من "البويا" لتبدوَ كحذاءٍ, ثمّ وضعتُها في الشمس لمدّة ربع ساعة و.. انتعلتُها أخيراً.. ثمّ سافرتُ في باصات الهوب التابعة للدريكيش.. ونمتُ في الباص ـ أغمضتُ عينيَّ على حلمٍ جميل.. ستنتهي الامتحانات كلُّها في مدّة شهر, وسأصبح مدرّساً, وسأشتري ثياباً جديدة من صافيتا أو طرطوس.. وسأتزوّج واحدة من هنا كما قالت الجزمة.. لقد قالت الحقيقة مع أنّها جزمة.‏

هل تصدّقون أنَّ جزمة قادرة على اتخاذ قرار في مثل هذا المستوى...؟ اللعنة...! قبل أنْ أنسى, عليَّ أنْ أروي الفصلَ الأخير من فصول الجزمة.. وصلتُ إلى الجامعة.. وكنت منتصب القامة تماماً؛ ولم أنظرْ إلى تحت إلاّ عندما ضحكتْ أكثر من فتاةٍ وهي تنظرُ أمامي على العشب... أهناك شيء يثير الضحك؟‏

لقد أخفيتها تحت البنطال؟ كيف يمكن أنْ تبهدلني في وسط الجامعة والفتيات والعشب..؟ ونظرت إلى الأسفل, إلى قدميّ, إلى الجزمة اللعينة.. كان بنطالي ملوّثة بالبويا.. وكان منظراً يثيرُ الوصفَ والرثاء على حدٍّ سواء... وتعرّقتُ مثل أبطال دستويفسكي..! لا مفرّ..! إلى أين أهرب والامتحان يبدأ بعد ربع ساعة!!؟ قلت للجزمة وأنا أكزّ على أسناني:‏

ـ أيّتها اللعينة.. لقد بهدلتِني!‏

قالت ساخرة وكانت سعيدة برؤية فتيات الجامعة والعشب:‏

ـ أنتَ بهدلتَ نفسك... هل سمعت في حياتك أنَّ مجنوناً يدهن جزمة بالبويا؟‏

قلت وأنا أكزُّ على أسناني:‏

ـ أيّتها اللعينة.. سأعود إلى القرية.. قريباً سأعود..! وأنا أحضِّرُ لكِ منذ الآن حفلةً تليق بقامتك الخلّبية.. سأحرقَكِ وأتفرّجُ عليك بكلّ برودة دم...!‏

قالت الجزمة وهي تكاد تنفجرُ بالضحك:‏

ـ لقد رأيت الجامعة وفتيات النهار وانتهى أمري.. لستُ آسفُ على شيءٍ بعد ذلك..!‏

وعندما جلستُ في قاعة الامتحان, كان صوتها ما زال يرنُّ في أذنيّ بدويٍّ لعين: "لستُ آسف على شيءٍ بعد ذلك".. عندما عدتُ إلى القرية خلعتُها على باب الدار... وذهبتُ باحثاً عن الكبريت.. وكنت أسمعها تقول بلا مبالاة:‏

ـ لم أعُدْ أهتم بشيءٍ.. ألا يكفي أنَّ أستاذاً دهنني بالبويا وشاركتُهُ في النظر إلى فتيات العشب في قلبِ الجامعة...!.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244