|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
النهر والمجرى ـــ هيثم بهنام بُردى كان من العسير ـ أيامئذٍ ـ أن أستجلي مغزى ذلك السؤال الذي بدأ كبيراً عصياً مثل طلسم قديم لِمَ بكى سمير....؟ وتزاحمت الأسئلة في رأسي كطنين الزنابير.... هل تبكي الأشياء؟ البيوت؟ الزقاق؟ المدن؟ الطيور؟, وهل يبكي الكبار, هل يبكي أبي؟ لم أعاين أبي يبكي البتة, منذ فقهت الحياة وحتى تلك اللحظة وأنا ابن تسعة أعوام. الرجال لا يبكون هكذا كنتُ أردد مع نفسي دوماً عندما ألمح الدموع السخية الناصعة وهي تنسفح من عيني أمي العسليتين الألقتين وتنساح مثل الندى الفجري على خديها الورديين, وكنت أتساءل وأنا أتابع أنامل أمي وهي تمسح الدمع المتجمع على الغمازتين بلمح البصر, ولِمَ البكاء؟ وتطرق الأسئلة رأسي بإلحاح, هل يبكي بيتنا المهجور؟ أتنتحب غرفتي الصغيرة الباردة؟ أيشهق طواره الواسع؟, أتنشج شجرة التوت العملاقة؟ وكان السؤال يعقب السؤال؟ واللغز يلاحق اللغز, ووجه سمير المتغضن وهو في طريقه إلى الاختفاء بين راحتي يديه اللدنتين, كان يتعملق أمامي, كالزقاق, كالسماء, كالدنيا.. *** قال أبي وثمة فرح في عينيه مثل جزيرة خضراء. ـ هل انتهيت؟ أجابته أمي وأناملها تمسح العرق المتفصد على الجبين المتعب. ـ لملمت كل شيء. فجاء صوت أبي من الزقاق. ـ سآتي بـ (البيك آب), أحضري اللوازم الخفيفة قبل كل شيء. خاطران فحسب جالا في ذهني عندئذٍ ـ وأنا واقف كالأبله وسط الحوش وتحيطني من الجوانب صناديق وبقج وأكياس مملوءة بالملابس والأواني وأبواب خشبية مشرعة بوجه السماء تفصح عن أحشاء غرف مسكونة بالوحشة والصمت والحزن على فراق الأحبة ـ الأول: أن الأمر واقع لا محالة وإننا بعد ساعات سنكون في بيت جديد وزقاق جديد وصبيان جدد,... والثاني الذي وضعني في موقع مؤسٍ وحزين, هو أني سأفارق سمير, وربما إلى الأبد رغم وعودي الكاذبة أو العاجزة بأننا سنتزاور دوماً بعد أن يستقر بنا المقام في البيت الجديد, ولكني ـ الآن ـ لستُ متيقناً من تحقيق ذلك لأسباب, أحدها البعد الكبير بين زقاقينا, مشيت نحو فيء التوت وقرفصت أتأمل الحمامة, كانت ساكنة تلوذ بالصمت, أدخلت إصبعي بين قضبان القفص الخشبية, فهجمت ـ مثل نمر جريح ـ تنقر أصابعي بقسوة, وتذكرت سمير... ـ الحمائم ما خلقت للأقفاص يا أسعد... فأرد محاولاً طمس الدافع الحقيقي لقصدي. ـ أخاف عليها من الهر. فيقول بصوته الذي هو مزيج بين الطفولة والرجولة المبكرة. فيقول بصوته الذي هو مزيج بين الطفولة والرجولة المبكرة. ـ الحمائم لها أجنحة يا صديقي, لها أجنحة... ولكنها تعود إلى أصدقائها. ثم يربت على كتفي ويقول بحنان: ـ كن صديقها يا أسعد, ولا تكن مثل الشرطي حسن. ارتعدت للحظات وأنا أحدق في فم الزقاق ثم قلت في زعل. ـ يعني أنا... فقال في تأكيد.. ـ إذن أطلق سراحها. ومددت أصابعي نحو باب القفص, ففتحته وأدخلت يدي, انزوت الحمامة خائفة مستوفزة وقد أشهرت أظفارها متأهبة. أمسكتها من جناحيها وأخرجتها, استكانت بين يدي وثمة في عينيها نظرة, لم, ولن أستكنه مغزاها أبداً, ربت على ريشها الملون بحنان ثم قبلتها من رقبتها, وأفردت يدي في حركة خاطفة وأطلقتها, طارت وتهالكت على غصن قريب وكأني بها قد نسيت الطيران, ولما استوت ـ أخيراً ـ جالسة على أرجلها المغطاة بالريش رشقتني بعيون بها حور, ثم أفردت جناحيها لزرقة السماء, زفرتُ بقوة وشعرتُ بإحساس فياض من الهدوء والفرح, ثم خرجتُ إلى الزقاق. *** ـ هل ستذكرني يا أسعد؟ ـ سمير..! قد تبرق الدنيا, وقد لا تمطر, المطر يظل لصيقاً بالبرق لا يمكن الفصل بينهما, والسماء التي ظللتنا طوال الفصول الأربعة, وهذه الحيطان الآجرية التي تشكل في توازنها وتطاولها معالم زقاقنا الحبيب, وبيوتنا, وأهلنا, ورجالنا, و.... و.... أن تنسى فلن تنسى, سمير, خالد, سعدية, أحمد, جاكلين, عامر, جورج.... والكثير من الأجساد الغضة والوديعة السارحة في أفيائها تمارس أجمل طقس, الطفولة... أن أنسى فلن أنسى عنتر الذي كنته (كنتم ترشحونني لهذا الدور لطولي الفارع وجسدي الممتلئ, فكنت أذهب إلى المطبخ متسللاً وأنا أحاذر أن لا أوقظ أمي وأبي وقت القيلولة, وأعمد إلى القدر فأقشط السخام الأسود وأصبغ وجهي بالسواد وأخرج إلى الزقاق صائحاً. ـ أنا عنتر, أين شيبوب؟ فيقفز سمير وقد لف رأسه بعصابة حمراء وتمنطق بسيف خشبي, ورقص أمامي مثل الشيطان ثم نبدأ اللعب وتوزيع الأدوار, الملك زهير والأمير شاس, وعبلة, وغالباً ما تكون جاكلين لملاحتها, وعمارة, وشداد, وزبيبة, و....), وكنا نمثل, آه يا سمير, ما أجمل الصبيان وهم يمثلون, يأتي التمثيل ويتجسد ـ عند الصبيان ـ وجهاً آخر للحقيقة, للحياة, لا تكّلف ولا تصّنع ولا زيف... ماذا أنسى يا سمير, فهل ينسى النهر مجراه, وهل ينسى أسعد مجراه, هل ينسى سمير. *** وإذ تبتعد سيارة (البيك آب), وأنا ملقى في مؤخرتها مع الأشياء بأهمال, رأيت تلويحة اليد, يد سمير وهي تفتر تدريجياً ثم تتهالك صاغرة بجانبه وثمة في وجهه ووجوه الأحبة الآخرين الواقفين بجانبه, ذلك الحزن الطفولي الصادق العميق, وقبل أن تنعطف بنا السيارة رأيتُ سمير يجلس متهالكاً على أسفلت الزقاق, ثم يجهش بالبكاء. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |