جريدة الاسبوع الادبي العدد 1013 تاريخ 2/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الحب... مرة أخرى ـــ عبد الباقي يوسف

راشدة, المرأة التي تعيش فيض ثراء العزلة, التي تجرأت وطرقتَ بابها لأول مرة بأنامل راعشة بعد أن أقنعتك أختك بضرورة الذهاب إليها ولو من باب التعرف على امرأة لها خصوصية في هذه المدينة, فهي طبيبة ماهرة لها خبرة جيدة في التعامل مع الصحة النفسية, وأكدتُ لك بأن زوجها أيضاً منذ سنتين لجأ إليها عندما داهمته بغتة نوبة اكتئاب, كان أحياناً ينسى نفسه في الحمام ثلاث ساعات, ينسى بأنه زوجها, يفقد شعوره بالمكان, بيد أن راشدة قدمت له العلاج الجيد الذي أذهب عنه ذاك الوسواس اللعين.‏

وقفت أمام باب العيادة المغلق, قرأت اسمها على اللوحة المضيئة امتدت يدك تطرق بابها وكلك تردد, عندما وقعت عيناك عليها لأول وهلة, لا تدري لماذا أحسست بأنك ترى إنساناً جديداً لا ينتمي لهؤلاء البشر الذين تراهم كل يوم, امرأة وكأنها أتت من كوكب آخر, لفت نظرك إنها تداوم بين الحين والآخر إلى حك صدغها بسبابتها. امرأة لم تكن شبيهة بالنساء, كانت تبدو رجلاً, وتبدو امرأة في وقت واحد, ولا تدري لماذا رحت تتملا وثيقة الاختصاص التي حصلت عليها من فرنسا, لكنك بعد أن عرفت بأنها في الأربعين من عمرها, وأنت تركز على تاريخ الميلاد جيداً دون أن تجعلها تلحظك, كأن تلك الوثيقة لم تعد تعنيك, لم تعد تلفت انتباهك, وحتى لو لفتت انتابهك فإن نظرك لا يقع منها إلا على تاريخ الميلاد. بعد قليل أدخلت إليك الممرضة اللبقة الغارقة في هدوء كأساً من عصير الليمون وانصرفت.‏

لم يكن بوسعها أن تخفي علامات الإرباك وهي تحدثك, وربما أدركت بأنها لن تنجح في إخفائها عن شخص امتلأ بالحياة وأحس بأنها لم تعد أكثر من ورقة خريف مرمية على ساقية جافة. كل سؤال كان يوحي لك بأنها تريد أن تتعلم منك, بدت شديدة التعطش لمعرفة ما تعرفه وهي التي لم تكن عرفت شيئاً من الحياة. بعد شهرين من العلاج, طلبت إليك أن تتعرف على الأجواء التي تعيش فيها. ترى الأركان التي تجلس وتمارس حياتك اليومية فيها, ترى غرفة لبنى وصورها وأغراضها, وذكرياتكما معاً, هناك كانت المفاجأة التي لم تكن تتوقعها عندما تحدثت لك عن وقائع حياتها الشخصية وصارحتك بأنها لم تعرف حضن الرجل حتى ذاك العمر, لم تعرف لحظة واحدة من الحب, لم تشعر بأنها عاشت يوما ًواحداً بسعادة.‏

تمتمت لك نفسك: رغم كل هذه الخبرة والسفر ولقاءات العمل لم تتعرف على رجل, كيف أمضت هذه المرأة حياتها على هذا النحو, هل حقاً يمكن لامرأة بلغت الأربعين لم تسمع قط كلمة حب من رجل, لم يخفق قلبها نحو رجل, لم تشعر بأن قلب رجل خفق ولو خفقة واحدة لحبها؟‍‍!‏

إنه شعور الحرمان الدائم الذي يلاحقها كشبح, اعترفت لك, أو كما ترى صارحتك بأنها وإن كانت تقدم العلاج لمرضاها, بيد أنهم أيضاً يقدمون لها علاجاً عندما تغرق في عوالمهم الأكثر حساسية وإحراجاً وتطرح عليهم أسئلة لا تعنيهم بشيء قدر ما تعنيها.‏

إنها تتجنب أن تسمي الأشياء بأسمائها في مواقع عديدة, تكتفي بالإلماح, والقفز بين الكلمات دون تكملتها, دوما تترك فراغات في الحديث.‏

عندما زرتها لأول مرة في بيتها فوجئت بعجوز تتمتع بلياقة بدنية تستقبلك وترحب بك بحرارة كأنها على معرفة مسبقة بك. ولدى جلوسك وتأملك في سمات وجهها أدركت بأن راشدة نسخة من هذه المرأة التي أنجبتها. كانت امرأة غارقة في الصمت وكأنها تشرد بحسابات غيبية لا تريد لأحد أن يكتشفها, فقط جسدها كان موجوداً حتى أن راشدة أكدت له بأنها قد لا تسمع شيئاً مما يقولاه, وقد اعتادت منها هذه العادة التي لا تريد أن تفسدها عليها, فهي منسجمة مع هذه الحالة, وأحياناً لا ترى الناس ولا تخرج من البيت سنة كاملة, بل إنها ترفض حتى مشاهدة التلفاز لأنه فقد عنصر التسلية منذ أن بدأ عصر الألوان فيه كما تقول. فجأة مال إلى راشدة وهمس: ما اسم أمك يا دكتورة؟‏

أجابت وهي تحدّق فيها: هتون.‏

عندئذ وبعد نحو نصف ساعة من الجلوس نهضت العجوز واختفت قيلاً لتظهر ثانية تحمل سفرة عليها دراق وموز وكرز.‏

سارعت راشدة تخبره بأنها لا تسمح لأحد أن يغير هذا التقليد لديها, فهي مصرة أن تقدم الضيافة بيدها لأي ضيف, أو أي زائر, أو أي داخل إلى هذا البيت حتى لو كان مراقب المياه, أو الكهرباء, كما أنها لا تأذن لأي داخل أن يخرج دون ضيافة حتى لو كانت حبة ملبس نهض أسام واقفاً على قدميه وهو يتناول ضيافته من يدها شاكراً إياها على الجهد الذي بذلته, فهزت رأسها وعادت تجلس في ذات الموضع.‏

بعد نحو نصف ساعة أخرى مدت العجوز يدها إلى صحن الفاكهة الموضوع أمامها, وراحت تقشر موزة, ثم مدت راشدة يدها إلى حبة كرز من صحنها, ومد أسام يده إلى حبة دراق من الصحن الصغير الموضوع أمامه. أخذ الجو شكل حفلة صغيرة وعندئذ تناهى رنين خافت يُسمع بالكاد, نهضت راشدة إلى جهاز الهاتف, لبثت دقيقتين تتحدث دون أن تخرج منها نبرة صوت واحدة حتى أن أسام ركز سمعه ليختلس حرفاً واحداً من حديثها, أو حديث محدثها بيد أنه لم يفلح. عادت إلى موضعها وراحت تمد يدها إلى حبة دراق.‏

***‏

مضى شهر على اللقاء وهو يسعى ما بوسعه أن يبتعد عنها بيد أنه يعترف أمام نفسه بفشله, وربما حتى لا يعتاد اللقاء أخذ التواصل يأخذ شكلاً جديداً, فهو عندما يشعر بقوة شوق يلجأ إلى كتابة رسالة طويلة ويرسلها إلى عنوانها في البريد الإلكتروني, واعتاد أن يتلقى كل يوم منها رسالة تنتقي فيها ما تقع على أخبار ساخرة من المواقع فتزوده بها. تقول له إنها تفيق كل يوم في الخامسة صباحاً, تفيق وكأنها على موعد مع ملاك يأتي فيربت على كتفها لتستفيق, ولا تستطيع أن تغفو لحظة واحدة بعد ذلك, فعودت نفسها على الجلوس إلى الإنترنت حتى التاسعة صباحاً, ثم تفطر مع أمها وتنزل العيادة, لذلك عودت نفسها على النوم مبكراً, عندما تبلغ الساعة العاشرة ليلاً تكون غارقة في النوم, تلك الساعة التي يبدأ هو بداية سهرة جديدة تطول حتى الثالثة صباحاً.‏

في آخر رسالة الكترونية أرادت يتحدث بعض الشيء عن رأيه في علاقتهما وتسأله إن كانت مجنونة أم عاقلة في هذه العلاقة؟‏

عند الثانية صباحاً وهو يشعر بقوة الشوق ويتخيلها نائمة جلس إلى الحاسوب وكتب إليها:‏

عندما يتدخل العقل في مشاعر الحب فإنه أو ما يفعل به هو أن يُفقده معناه وقيمته الروحية خصوصية الحب تكمن في أنه يحيل الأشياء المستحيلة إلى واقع يحيل اللاممكن إلى ممكن, قوة الحب تكمن في مدى قدرته على طرق أبواب اللاواقع وإحالته إلى واقع يعترف به الآخرون وكأنه أمر سحري وخيالي لا يملكون إلا الاعتراف الواقعي بحقيقة حدوثه في اللحظة الأولى التي يرضخ فيها الحب للواقع فإنه في تلك اللحظة يفقد ميزته وعذوبته الواقعية, وفي تلك اللحظة يكتشف الشخصان بأن الذي بينهما لم يكن حباً, ويكتشفان بأن الحب النبيل يزداد رسوخاً في كل الظروف, إنه القيمة الكبرى التي تزداد تألقاً وتعمقاً كلما واجه تقلبات الزمن.‏

في الحادية عشرة نهض, غسل وجهه بماء بارد, أحس بشهية لقطعة حلوى, فتح البراد, غمس قليلاً من الخبز في علبة العسل وتناولها واقفاً.‏

يبدو بأن الإنسان مهما تقدم في السن والخبرة والتجارب سيبقى يحتفظ بشيء من المراهقة في أعماقه تمتمت له نفسه بهذه العبارة, وأخرج جهاز الهاتف الخليوي يتصل بها ليسمع ولو نبرة واحدة من تلك النبرات التي لم يعد قادراً على احتمال لحظة أخرى دونها. قال فور أن تناهت تلك النبرات إلى سمعه: اكتشفت شيئاً أردت أن أخبرك به, اكتشفت اليوم بأنك الياسمينة الوحيدة في هذا العالم.‏

صمتت تشرد بعمق في عبارته واكتشافه, تخيلت نفسها للحظات ياسمينة حقيقية على شجرة لكن من الطرف الآخر بدا التشتت واضحاً في نبراتها, وبدت الكلمات تقول عكس ما توحي به النبرات, أرادت أن تعبر بأنها لا تريد أن تحتل مكاناً ليس لها, أن تستمع كلمات جميلة لم تكن لها لولا غياب لبنى. كانت تريد أن تكون هي المرأة الأولى التي يُقال لها هذا الكلام. لم يشأ أن يستمر في الحديث فشكرها وأغلق الجهاز شارداً بكل كلمة بدرت منها, لكنها بعد خمس دقائق رنت هاتفه رنتين وأغلقت فأدرك بأنها تريد أن يتصل بها لتقول له شيئاً, لتضيف شيئاً إلى ما قالته, وسوف تكون مستعدة فيما لو اتصل هو بها, فلم يتردد من إجراء الاتصال فقالت فور ذلك بأنها تريد أن يبقى ذاك الحديث الجميل لذكرى زوجته حتى لو كانت بعيدة عنه. ومرة أخرى أحس بإرباك نبراتها, وأن النبرات ذاتها كانت تقول خلاف ما تقوله الألفاظ, فأغلق الخط مرة أخرى, لكن بعد دقائق معدودة أجرت ذات الاتصال ولم تغلق حتى فتح الخط وصارحته بأنها سعيدة بهذه الكلمات, وهي بالفعل تعتبر هذه الكلمات بمثابة ذهب تقدم به إليها ليعبر عن حبه ورغبته لتكون رفيقة دربه.‏

عندما أغلقت السماعة قالت بأنها اليوم في الثانية ظهراً تنتظر زيارة إحدى صديقات دراستها من الجزائر, وهي تقوم حالياً بزيارة القطر للسياحة برفقة زوجها, لقد عزمتهما على تناول الغذاء في إحدى المطاعم الجميلة في المدينة.‏

عندما بلغت الساعة الخامسة أحس بقلق وهو يتخيلها خارج البيت, هل عادت, ما الذي وقع, هل ستستضيف ضيفيها ليناما عندها في البيت, أم أنهما سيعودان. هل تناولت طعاماً نظيفاً ومضى كل شيء على ما يرام. ترى أين هي الآن؟‏

رفع سماعة الهاتف الأرضي واتصل لترد أمها وتقول بأنها خارج البيت. أحس بقلق بالغ وهو يتخيل بأنها من المفترض أن تكون قد عادت لو كانت الأمور على ما يرام أخرج هاتفه الخليوي واتصل بها ليسأل إن كانت بخير, فقالت بأنها ما تزال تتجول برفقة ضيفيها في أحياء المدينة القديمة: أنت تعرف يا أسام بأنني مجنونة بحب الأحياء القديمة وأريد أن أتجول بضيفي في تلك الطرقات.‏

قال: ما أزال لا أعرف ما الذي دفعني للاتصال بك يا سيدتي.‏

قالت: أحقاً ما تزال لا تعرف؟‏

عندما أغلقت السماعة قالت لها صديقتها الجزائرية: سعة الحرية التي تتمتع بها المرأة العازبة هي أوسع مما تتمتع به المرأة المتأهلة في بلاد الشرق الأوسط.‏

قالت: لكن عندما تشعر المرأة بأن أحداً لا يوليها اهتماماً, تشعر في تلك الهنيهة بأنها امرأة ناقصة الأنوثة, الرجل هو الذي يجعلها تمتلئ أنوثة, فأراد زوج صديقتها أن يعلّق قائلاً ببسمة طفيفة: كما أن المرأة هي التي تجعل الرجل يمتلئ رجولة.‏

وهي تمضي يعتريها إحساس بالأنوثة, إحساس بأن رجلاً ما في الطرف الآخر يندفع بكل قوة الرجولة نحوها. وتخيلت في لحظات غرفة النوم, فستان الزفاف, ثم نظرت إلى إصبعها وتخيلت خاتم الزواج كذاك الذي في إصبع صديقتها, تخيلت أنها تشاهد حفلة زفافها على شريط الفيديو. تسافر مع أسام لتمضي شهر العسل في مدن وعواصم مختلفة من العالم, ثم كل سنة تمضي إجازة برفقته في البلدان التي لم تزرها من قبل حتى تجوب العالم, ومن جديد اعتراها ذاك الإحساس المرعب بضعف المرأة دون رجل, بوهنها وهي تقف وحيدة عارية في ليل شتائي عاصف دون أن تكون يدها بيد رجل, وحتى لو لم تنجب فيكفي أنها تقف جوار رجل يمكن له أن يتحول إلى طفل في أي لحظة تنظر فيها إليه وتشعر بحاجة إلى أن تكون أماً سوف يكون بمقدورها أن تمارس عليه أمومتها وهي تضمه إلى صدرها. أسام, لقد جاء في هذا الوقت ليثبت لها بأن الحياة تخفي مفاجآت لم تكن بالحسبان, جاء ليغير كل نظرة كانت تنظرها إلى الحياة.‏

إنها قوة الحب يا راشدة, قوة الحب التي لم يعد يحتملها فدفعته ليتصل ويطمئن عليك, وليس بوسعك أن تخفي قوة الحب التي تدفعك نحوه, وإلا ما الذي حدث يا راشدة, من المفترض أنك تجوبين بصديقتك وزوجها في شوارع المدينة القديمة, جسدك فقط هو الذي يجوب, لكنك في واقع الأمر تجوبين برفقة أسام في أماكن أخرى.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244