جريدة الاسبوع الادبي العدد 1013 تاريخ 2/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

التناص الإبداعي في روايات عبد الكريم ناصيف تمازج الحب والعاطفة والرؤية الوطنية ـــ عبد الكريم السعدي

لقد جسّد كاتبنا العربي نجيب محفوظ واقع الحياة المصرية من خلال ثلاثياته ورواياته الأمر الذي خلق منها عالماً سينمائياً واسعاً امتد ليشمل الوطن العربي كله.‏

والأديب عبد الكريم ناصيف كان له هذا الحظ والباع الطويل في شموخه واتساع أفقه المعرفي الأمر الذي أكسبه صفة الشهرة والمكانة الفريدة في مجاله الإبداعي الفكري والروائي المتجدد.‏

والأمر اللافت للنظر هو ذاك الشيء الذي يعتمده كاتبنا المتجذر في الإبداع وهو تواضعه أي أنه لا يضع فهرساً لإصداراته الأدبية والفكرية في نهاية كل كتاب يرى النور ويكتفي بعد طباعته باسم الكتاب وربما لمحة عن مضمونه, وهذه ميزة في هذا التواضع الأدبي الذي تفرَّدَ فيه هو وحده أيضا ًولأن مجمل مؤلفاته تحتاج عدة صفحات, لهذا اكتفى بما يقدم وترك للقارئ متعة التوصل بروح جذابة ترصد الحدث بقالبه الرشيق ومن هنا تكون عظمة المبدع المتألق المتواضع بابتسامة مشرقة وروح حانية تتمتع بالتبسط والمؤانسة إضافة إلى التواضع والإبداع والثراء الفكري والغنى الثقافي.‏

ولا مجال هنا لذكر كل ما أنتج الكاتب وإنما سأكتفي بتقديم إطلالة على عمله الروائي الأخير (وجهان لعنقاء واحدة) الصادر عن منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق ـ عام 2004م والذي ضم (269) صفحة من الحجم الكبير وبصفحة خلفية للغلاف بلون أبيض تعلوها صورة المؤلف وتعريفاً مختصراً عنه دون تفصيل وإسهاب وذكرٍ لأسماء تلك الأعمال المتنوعة في مجالات الأدب والفكر والمسرح والدراسات والنقد والترجمة.‏

أما الغلاف من الواجهة الأمامية فهو لوحة جميلة لصورة عنقاء يعلوها العنوان (وجهان لعنقاء واحدة) وفوقها اسم المؤلف.‏

ولعل اللوحة الأمامية لعنوان الرواية تكون خير دليل على مضمونه لتجانس العنوان مع شكل اللوحة في تطابق مهيب رائع وبألوان فيها التمازج ما بين الأخضر الغامق إلى الفاتح منتهياً بألوان الأصفر والأحمر والأبيض تنسجم في احتراق لاهب ضمن إطار أسود يبرز اللوحة بانقضاض العنقاء, وجناحاها مشتعلان وكأن الكاتب يوحي منذ البداية للقارئ بأمر جلل تحكيه الرواية وتجذبه إليها ليتلقف كلماتها وعباراتها وجملها بعينيه دونما استئذان من صاحبها والعنقاء طائر منقرض أو هو أسطوري وخرافي ولكنه يمثل حقيقة مرة في عصرنا هذا لندرة وجوده وكما قال الشاعر (و... الغول والعنقاء والخل الوفي) فقد جمع الشاعر عدة أمور في بيت شعر دلالة على عدم وجود تلك المخلوقات في عصرنا هذا ولأن الوفاء كما العنقاء والغول وغيرها لا يمكن تلمسها أو التصديق بوجودها ولأن الإنسان أصبح يفتقر للحقيقة الصادقة في عصر العولمة والأفكار المنسحبة على واقعنا المتقلب فيا لها من أحجية؟!‏

ورواية الكاتب عبد الكريم ناصيف تبتدئ بالانسيابية والعفوية والاسترسال مصحوبة برشاقةٍ العبارة منسابة كنسيم صبح باكرٍ في ربيع وثاب منطلق من عقال الأسْرِ والتعقيد والتقييد.‏

"قال: ما أروعها بنتاً تشبهكِ يا حبيبتي!! قال مازن وهو يُمسد أعلى بطني براحة كف ملؤها الدفء والحنان!!"‏

ثم تدفق غدير العبارات على سجيته متماوجاً مع ألحان شخصياته الحالمة إلى أنّاتٍ حزن وحرقة وتوجع أبرزت مضمون العنوان بكل تجلياته وأبعاده واحتراقه الرمزي.‏

ولاشك في أن الرمزية في العمل الروائي واضحة عبر سياق استعراض أحداثها وملابساتها وعمودها الفقري المنسحب على امتداد الرواية بحب وردي تنامى وتصاعد مغزولاً بوشائج الحنين ولحظة اللقاء ونفحة الإحساس الوطني للرواية مشفوعة بالحس المأساوي في أعماق الرواية من جهات عدةٍ ومفازات متشعبة كثيرة.‏

لهذا كان: الأسلوب: في الرواية صارماً دقيقاً يلتزم بالضبط الرمزي موحياً بأحداثِ جسام ومشاكل تطل من خلف ستار المشاهد الروائية يحتضن الشخصيات بكل تفاعلاتها وتواصلها وتنافرها وتآلفها وتباعدها فهناك أحداث توزعت في أكثر من مكان وزمان وظروف ارْبَدَّ فيها جَوُّ الحب والحنين حتى غدا مأساوياً مفجعاً بكل تداعياته وإرهاصاته.‏

كحب ناجيه لهمام ابن أختها التي توفيت أمه بحادث فكفلت ابنها بعدها في مودة غريبة عجيبة وكره همام لمازن زوج ديمة ابنة خالته أشد البغض وخوف عمه زوج ناجيه من تصاريف الحياة وأحداث الزمان التي نكبته بوفاة العديد من أولاده الذين ماتوا إبان الولادة أو بعدها ولم يسلم منهم سوى ديمة ابنته, رقيقة العود ضعيفة البنية التي نجت من تنافر دم والدها ووالدتها بعد زواجهما.‏

والأسلوب في واقع الحال يتسم بالجدة والحداثة والابتكار وهذا ليس غريباً على أديبنا عبد الكريم ناصيف حيث جدد في تصميم الرواية ووزعها إلى ثلاثة أقسام: ـ أو ثلاثة وجوه, الأول هو وجه الفتاة, والثاني وجه الفتى, والثالث وجه العنقاء, وفي هذا المحتوى اندرج كل العمل الروائي من أحداث وتداعيات وتوافق وتصادم وتأثر وتألم...‏

وقد سارت الرواية على هذا الأسلوب السردي للأحداث بخط جديد وروح متطورة خلاقة تبرز المتناقضات وتصور الواقع بالحرف الصادق والعبارة الملتزمة والحس الأمين على مشاعر الإنسان والبوح للوطن على ترامي أبعاده ومسافاته.‏

وإن كان الأسلوب حاملاً للعمل الأدبي الروائي المر.‏

فالزمان: أخذ على عاتقه تحديد الهوية للأشِخاص والوقت الذي انحدرت فيه الأحداث نحو التفاعل والحركة الدؤوب في كل مسارات الرواية التي تنضح بالمكابدات في عصر كان للمآسي سهم كبير ومساحة واسعة من الوقت في القرن العشرين وما تلاه من تفجيرات (11) أيلول المشؤوم وما جرَّ على العالم وخاصة العربي من ظروف ومفارقات وأحداث جسام إضافة إلى بعض الأحداث الأخرى الفرعية التي تولدت من جرَّاء ذلك وقبله كحادث السيارة التي تفجرت في أسرة أخت (ناجية) ولم ينج منها غير ابن شقيقتها (همام) وقد احتضنته خالته ولكن الظروف كان لها شأن آخر حيث تزوجت ديمة من مازن الذي لا يحبه همام وكانت تعيش فيما بعد بعيدة عنه في دمشق.‏

لذلك فالزمان استقبل هذه الأحداث في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين.‏

أما المكان: فهو المساحة والرقعة التي نسجت عليها الأحداث حركتها واعتملت في بوتقتها ما بين مدينتين هامتين هما: ـ (دمشق ـ وبغداد) وشاطئ نهر الفرات شمالاً من سورية ولكل من هاتين المدينتين تاريخ عريق, وهما توأمان بروحين في جسد واحد.‏

وكما جمع المكان المدينتين فقد جمع قلبين متباعدين, وديمة التي أحبها همام معها قصور في القلب وخطر من جراء الحمل والولادة وهي تعيش في دمشق مع زوجها مازن إضافة إلى منطقة الفرات التي تعيش فيها ناجية (أمها) وزوجها صاحب الدكان وهمام ابن الأختُ ولكن الأحداث اتسعت دائرتها لتشمل الخليج والبقعة العربية شرقاً وغرباً وهذا المكان هو ميدان الصراع الذي ولدّ الحب والذي تلقى ضربات هولاكو القديمة والجديدة.‏

ليجتاح التاريخ والحضارة من فوقه وليجتث الإرث الأزلي لأمة عاشت عليه أحقاباً وسنين وأزماناً.‏

أما الشخصيات: فقد تعامل معها الكاتب بحقيقة صادقة وبحسٍ وجداني عالٍ حيث أطلقها في مساحة الزمان والمكان ضمن الإطار المرسوم لها لتنسج العديد من الأحداث المتلاحقة وتملأ الفراع بتفاعلاتها المتولدة من طبيعة الصراع الروائي ولاشك أنها كثيرة ولكن الاختصار في هذا المقام ضروري ومن هؤلاء (همام ومازن ونور الدين وناجيه وديمة و"صدام حسين" الرئيس العراقي الأسبق والقائمة تطول.‏

ولعل الشخصيات ساهمت بجهد كبير في إدارة الصراع حيث تأزم بابتعاد ديمة عن همام وحبهما الذي شغل قلبيهما زمناً بقولها: ـ إنها تكره زواج الأقارب... وهذا ما باعد بينهما لتكون زوجة لمازن فيما بعد في دمشق علماً أن الزواج بحد ذاته خطر عليها لضعف بنيتها فكيف إذا اجتمع زواج وحمل ثم ولادة.‏

وفي الفترة التي أنهت حياة الحب العذري عند ديمة وواراها القبر جاءت جثة الشهيد همام من أرض المعركة يحملها نور الدين رفيق همام المقرب إليه لتدفن بالقرب من قبر ديمة وتنتهي الأحداث بعنقاء لها وجهان وجه المأساة الإنسانية والحب الذي فرق حبيبين بدعوى زواج الأقارب والابتعاد عنه إلى وجه الحرب التي طحنت حضارة بغداد وأقامت مأتماً في كل حي ودماراً في كل مكان واستنزافاً لخيرات الوطن دون رقيب أو حسيب من معتدٍ غادرٍ لا يرعوي ولا يتوقف. ودمشق الحزينة التي نافحت عن أختها بكل محفل ومكان ولا تزال فقد هالها ما حدث وآلمها ما آلت إليه الحال بعد أن دق ناقوس الخطر منذراً الوطن العربي كله بالتنبه واليقظة والحذر.‏

والمهم في الأمر أن همام شارك كباقي الشبان الذين هبوا لنصرة الوطن المستهدف حتى كان استشهاده دون تغسيل وليدفن بالقرب من قبر حبيبته ديمة.‏

أما اللغة: ـ فقد شرع الكاتب ببنائها لبنة لبنة بعمل هندسي وبفسيفساء رائعة وبلغة محبوكة بدقة العارف وحوار الحاذق ولكنها منسجمة متراسلة متدفقة والكاتب مبدع يتعامل معها بكل أناة وتؤدة وسهولة ويسر, لا ترتقي للصعب ولا تنحدر في البساطة والسطحية كقوله:‏

"كنت أعلم أن من الصعب على زوجي أن يترك المحل.. من الصعب عليه جداً أن يعيش في بيت الصهر... أن يقتلع من جذوره الفراتية وينغرس على ضفاف بردى حتى ولو أياماً فقط...".‏

فهذه العبارة لا تسمح بالتكلف ولا تغرق في الغموض ولا تنحو للبساطة المفرطة.‏

إذاً كانت اللغة هي الوعاء الذي احتوى كل أحداث الرواية بزمانها ومكانها وأسلوبها وتفاعلاتها بأريحية هادئة وحوار متوازن ومتلاحق وسريع حسبما يقتضي الموقف والحدث الدرامي الذي بزغ نجمه في سوريا عالياً منافساً في الساحة العربية دون تراجع فكان له الحضور والثبات والمقدرة والتواجد على كل صعيد ومجال.‏

والرواية "وجهان لعنقاء واحدة" مفصل وتاريخ لزمان يحتاج للمبادرة والنهوض لنفض غبار القهر الذي ألم بقطر شقيق هو العراق بعد فلسطين.‏

ولعل الكاتب في الصفحة الأخيرة وبعبارته في نهايتها تعطي صورة صادقة عن عنوان لوحة الكتاب "وجهان لعنقاء واحدة؟‏

حين يقول: على لسان الأم مخاطبة "إني هنا أبكيكما الدموع الغزار... أبكي معكما العراق الذبيح والحبيبين الراحلين ديمة وهمام ابن خالتها الوحيد ذلك الذي قتلت من أجله, أشعر أنني بعدكما, أدخل, كما دخل العراق, النار, أنني, مثلما يحترق العراق, أحترق... فهل يأتي يوم نخرج فيه, أنا والعراق, كما تخرج العنقاء من الرماد؟‏

هل يأتي يوم نَفرِدُ فيه أجنحتنا, كما تفرد العنقاء جناحيها وتطير؟"‏

وهناك صرخة مدوية في الرواية تدق في كل حين هي (يمَّا) أي يا أمي نعم جسد الكاتب بهذه الفقرة كل العمل الذي قدمه للقارئ ملتزماً بلغته الجميلة وعلامات الترقيم والفواصل والتنقيط والتعجب والاستفهام مدققاً في كل أمر ملتزماً بكل شيء ليخدم عمله الإبداعي.‏

ثم مؤكداً على دور الأمل الذي يجب أن يزرعه الكاتب في نفوس قارئي روايته.‏

ولئن كانت العنقاء أسطورية خرافية إلا أنها من ناحية أخرى تمثل بجناحيها خيط الأمل.‏

وما هذا العمل الروائي إلا إنجازاً للكاتب يُتوِّجَهُ الغلاف بمعناه ولوحته, مع النهاية في ختام روايته بتطابق إبداعي رائع جميل مع الخاتمة الصاعقة شكلاً ومضموناً.‏

أما من حيث التناص الإبداعي بين الروائي الكبير عبد الكريم ناصيف والروائي الرائع نجيب محفوظ فهناك أمور كثيرة تلاقى عندها كل من الأديبين الروائيين وفي أهم الأمور ومعظم الأمور الحياتية ذلك أن الإبداع خط قد يلتقي فيه كل من كان عنده رؤيا ناضجة واستشراف للأحداث وبعد أفق وقراءة دقيقة تتجانس فيها الأحاسيس مع المنطق والتصور والعقلانية لكن مع اختلاف المضامين المطروقة وحسب المعايشة للواقع سلوكاً فكريا ًوعملاً أدبياً ونهجاً حياتياً يبرز لأي كاتب سماته الخاصة والشخصية, إضافة إلى نقاط التلاقي والتقاطع والتناص الإبداعي.‏

والحقيقة أن الأديبين, الروائي عبد الكريم ناصيف والروائي نجيب محفوظ عملا على مسارات الحياة كافة تقريباً وهي الاتجاه الاجتماعي والاتجاه السياسي والاتجاه الوطني والاتجاه القومي والاتجاه التاريخي وربما كانت بعض أعمالهما تجمع بين عملين أو هدفين في رواية واحدة أو ربما يكون هناك أكثر من هذا في عمل روائي واحد لظروف الأحداث التي يعيشها الواقع العربي في كل قطر سواءً في مصر أو في سوريا أو غيرهما. مما يكسب أي كاتب القدرة على الظهور والتفوق والحضور ذلك لأن هذا النهج يكون عملاً مركباً ومعقداً يحتاج من الروائي المبدع إلى الكثير من الجهد والتركيز لينهض بروايته التي تجمع العمل المتراكب والمركب في إطار واحد ضمن البوتقة الهادفة العاكسة لظرف معين كالنهج التاريخي والسياسي والاجتماعي والحب والكره وما إلى ذلك.‏

والرواية التي يكون فيها الصراع العاطفي قوياً ربما يكون فيها صراع طبقي أيضاً أو اجتماعي أو وطني أو... أو...‏

ومن هذا المنطلق كان التناص الإبداعي عند الروائي عبد الكريم ناصيف في معظم رواياته مع الأديب الروائي نجيب محفوظ على النحو التالي من التفصيل والتمييز.‏

أ ـ روايات نجيب محفوظ.‏

منها ثرثرة فوق النيل, التي تعالج موضوعات المخدرات في المجتمع المصري في العوامات فوق نهر النيل وضمن مجتمع الطبقات والهروب من الواقع الحياتي إلى عالم التعاطي والانسحاب للإدمان بعيداً عن مشاكل الحياة الاجتماعية القاهرة والمؤثرة والظروف المعاشية شديدة الفقر مع الإشارة في معظم الروايات إلى حياة المقابر والسكن بين الأموات لتصاعد أعداد الشعب المصري وضيق ذات اليد. والإشارة إلى الثورات كثروة 1919م وتلاقي الأديان في هذه الظروف مضافاً لذلك الروايات التاريخية.‏

التي جسدت واقع مصر السفلى منها والعليا كرواية.‏

ـ بجماليون‏

ـ وزقاق المدق‏

ـ وخان الخليلي‏

ـ أما السمان والخريف‏

ـ واللص الكلاب وغيرها‏

فهي روايات بوليسية وتعالج مواضيع نفسية كرواية الأديب عبد الكريم ناصيف في البدء كانت الحرية ولا مجال هنا لتعداد كل إصدارات الكاتبين حصراً وتسميتها ونكتفي بما ذكر لنخلص بالنهاية إلى التقاطع بين الأديبين الكبيرين.‏

فيما كتباً كماً وكيفاً.‏

كذلك من حيث تناول المواضيع وقراءة الأحداث ومعايشة كل منهما لواقعه كان هذا الإبداع والحضور الأدبي على الصعيد المحلي والعربي والعالمي علامة فارقة في سجل كل منهما دون أدنى شك.‏

2 ـ الروائي عبد الكريم ناصيف تناول الحياة في سوريا بكامل أبعادها وحيثياتها فاستعرضها بأشكال عدة وبمناح كثيرة هي:‏

أ ـ أفراح ليلة القدر الرواية التي جمعت العمل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في آن معاً لتعالج قضايا التغيير الاقتصادي في سوريا وما جرى من ظهور طبقة طفيلية تعمل في السمسرة وسيطرتها على مقدرات الوطن وهبوط طبقة المثقفين وانهيارها.‏

وهذه السمات امتلأت بحوادث وشخصيات شحنت الرواية بالحركة والانفعال والتنوع والحياة عبر بناء روائي متين ومشوق.‏

والشواهد على ذلك كثيرة في الرواية, والفقرة التالية توضح الثراء الفاحش.‏

القول: ـ البيت على حديقة الجاحظ.. بسبعة عشرة مليوناً.. معي سبعة وتعطيني أنت عشرة ملايين.‏

وفي مجال آخر حول التغير الطبقي والسمسرة والانتقال من واقع الزراعة إلى واقع الحياة الجديدة حيث يقول الأخ لأخيه:‏

ـ يعني لم تعد بحاجة لثمن البذار؟ قال وهو يخرج مبلغاً من المال كان قد طواه بعناية في جيبه...‏

ـ أي ثمن بذار؟ بل أي بذار؟ رد متضاحكاً, مشيراً بقرفٍ إلى مال أخيه.‏

ـ ماذا يا رجل؟ تكلم... أهلكتني!! قال وهو يعيد المال إلى جيبه..‏

ـ لا بذار بعد اليوم, بل لا فلاحة ولا زراعة.. قد بعت الأرض!!‏

ـ بعت الأرض لتأكل بثمنها دجاجاً وشواءً؟‏

ـ بل بعتها لأقبر الفقر!!‏

وفي مجال آخر يجري الحوار مع أميرة وسمير على صفقة يكون فيها طلب الزواج هو المقايضة.‏

ـ وماذا إن اكتشفوا ذلك التزوير؟ ألا يودي بك إلى الهاوية؟‏

وارتجفت أميرة وهي تتصور نفسها مكبلة بأغلال يسوقها ضابط الأنتربول الدولي.‏

إلى أن يقول سمير: أريد ما هو خير من النسبة والأرباح من المحل.‏

ـ ماذا؟ قل, سمير, كاد صبري ينفد.‏

ـ نتزوج.‏

ـ الأحداث متلاحقة في الرواية ضمن صراعها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.‏

أما في رواية (في البدء كانت الحرية) التي تصور الصراع في الحياة الزوجية بالقهر والقيود والأغلال إنما هي رواية تحليلية نفسية واجتماعية وعاطفية فماذا يحدث حين يتحول الحب إلى قيود وأغلال؟ حين تصبح علاقة الرجل بالمرأة, تلك العلاقة الإنسانية الجميلة, علاقة عبد بسيده وشيء بصاحبه؟‏

حين يصير صكَّ الزوجية صَكَّ ملكية والحياة ساحة للصراع والزوجان فيها غالب ومغلوب وآسر ومأسور؟..‏

تلك هي المسألة التي يواجهها سهيل الشحود, وبسلسلةٍ من الأفعال وردود الأفعال, يتحول ذلك الرجل الرزين الرصين إلى طائش أرعن يفقد زمام أمره ويطلق النار على أقرب الناس وأحبهم إليه..‏

وماذا بعد؟ السجن, المحاكمة, دعاء الجنون, ثم الفرار إلى عالم جديد وحياة جديدة كلها مخاطرات ومغامرات, يضطر فيها لأن ينسلخ عن جلده, ينسلخ حتى عن اسمه..‏

إنها رواية تحليلية نفسية تحاول, التغلغل إلى أعماق الإنسان, الغوص في متاهات لا وعيه, تتبع أدق سلوكاته وأفكاره علها تتعرف إلى ذلك الكائن العجيب الغريب الذي يكره القيود حتى لو كانت من حرير والأقفاص حتى لو كانت من ذهب لأنه يحب الحرية, يتعشق الحرية ويتعلق بها حتى لو كان فيها عذابه وهلاكه..‏

الحرية لديه هي الحلم والمنية, البداية والنهاية, أقنوم الأقانيم وقدس الأقداس بغيرها لا يشعر بسعادة ولا يهنأ بحب ولا ينعم بحياة..‏

وفي هذه الرواية أحداث كبيرة شيقة ومثيرة, تجسد المقولة "في البدء كانت الحرية" ومن هذه الأمثلة: تبارك اسمك الجميل, تقدست صفاتك البهية, يا أنت يا أيتها الحرية ـ وسهيل الشحود كان يردد مزمور الحرية هذا, كما يدعوه, وهو يسير على الرصيف شبه الخالي شارداً عن كل ما حوله..‏

وفي هذا يعلق أنور زميل شحود بقوله.‏

ـ أنت كتلك التي أراقت الحليب على التراب ثم انكبت عليه تجمعه فقالت:‏

ـ سهيل ليس حليباً, ترد عليه ثريا مستفزة مستثارة.‏

ـ بل هو أكثر شفافية من الحليب, مشاعر الإنسان أكثر شفافية من الحليب, وإذا ما أريقت مرة ضاعت إلى الأبد, وفي النهاية سهيل وهو يمسك بيد روشان وكأنهما يرددان لإله السماء مزموراً جديداً من مزامير حريته القديمة.‏

ـ في البدء كانت الحرية.. فتتابع روشان: وما أجمل الحياة, حين يجتمعان: الحب والحرية.‏

وفي وجهان لعنقاء واحدة: ـ تمازج الحب والعاطفة التي ملأت جو الرواية من بدايتها حتى نهايتها مع الروح الوطنية التي تتمنى للعراق الشقيق الاستقرار والأمن والتخلص من الاستعمار الأمريكي الجديد والعولمة والنظام العالمي الجديد الذي طرحته الحكومة الأمريكية كرموز بديلة عن الحرية والاستقرار ليكون التدخل في شأن الدول وخاصة في العالم العربي هو من أولويات مصالح أمريكا لتصادر الوطن والنفط والحريات والثروات والأمن والأمان إضافة إلى تدمير التاريخ والاستبداد والقهر وذلك ما عرضته شاشات التلفاز حول سجن (أبو غريب) وغيره.‏

وفي هذا يقول همام: ـ الأنذال ـ السفلة.. يريدون أن يدمروا كل شيء.‏

صاح أحدهم فتبعه الثاني.‏

ـ هي ذي المرة الثالثة هم حاقدون على العراق!!‏

ـ ليحمك الله منهم يا عراق.‏

ـ أواه.. يا أهلنا هناك! ماذا سيحل بكم؟‏

وفي مجال آخر من العلاقات العاطفية التي قامت بين أشخاص الرواية والحياة الزوجية ـ عندما تقول ديمة لزوجها مازن وهي في حالة وضع.‏

ـ لكن إن مت اذكرني دائماً يا مازن.. لا تنسني حبيبي.‏

ـ ما هذا الذي تقولين ديمة؟ أنت ستعيشين.. ستأتين لي بفتاة حلوة مثلك وتربينها.. بعزك ودلالك ستربينها.‏

ـ أجل.. سآتي لك ببنت.‏

ـ بنت.. صبي.. تدخلت وأنا أشعر أن الكلام يتعبها وأن أنفاسها تتقطع.. لا يهم.. المهم تقومين لنا بالسلامة.‏

وفي مكان آخر من نهاية الرواية يتم حوار بين أبي ديمة وأمها:‏

ـ مات همام إذن؟ سألت زوجي وأنا أحشر نفسي معه بجانب السيارة ننظر إلى الجسد المسجىَّ في الداخل.‏

ـ بل قولي قتلوه!! العلوج الأوغاد قتلوه.. أليس كذلك يا بني؟ مخاطبة نور الدين صديق همام:‏

أما في رواية الطريق إلى الشمس: ـ ثلاثية عبد الكريم ناصيف الأديب المبدع فهي من عدة أعمال وروايات الجزء الأول الطريق إلى الشمس بعنوان ـ 1 ـ (تشريقة آل المر) والطريق إلى الشمس الجزء الثاني ـ 2 ـ بعنوان (شرق/غرب) والطريق إلى الشمس الجزء الثالث ـ 3 ـ بعنوان (الجوزاء) وهذه الثلاثية تتقاطع مع ثلاثية نجيب محفوظ.‏

1 ـ بين القصرين ـ والسكرية ـ وقصر الشوق ـ هذا عدا عن الثلاثية الثانية للروائي عبد الكريم ناصيف المد والجزر وقد صدر منها الجزء الأول بعنوان (الصعود) والثاني بعنوان (الانكسار) إضافة إلى مواجع الشتات ـ وأفراح ليلة القدر ـ وفي البدء كانت الحرية والعنقاء وغيرها وما يهمنا هنا هي الثلاثية الروائية الطريق إلى الشمس والتناص الإبداعي مع ثلاثية نجيب محفوظ التي نال عليها جائزة نوبل العالمية آنفة الذكر ولنبدأ بالجزء الأول من الطريق إلى الشمس جـ 1 تشريقة آل المُرّّ التي تنم رغبة في التأريخ للمجتمع العربي السوري, تأريخاً فنياً, زمن الحرب العالمية الأولى, ومن ثم تصطنع مجتمعاً قروياً جلياً, وبطلاً فيه, لتصور من خلال ذلك ظلم الأتراك وطغيانهم وتضامن العرب أيام المحن واتحادهم في مواجهة الأتراك والطبيعة, وتحليهم بالشجاعة والمروءة.‏

حيث هذه الرواية تؤكد ذلك الانفصال بين العرب وأعدائهم, ملء صفحاتها وتصوير اجتماعي وطني قومي للنضال من أجل الحياة الحرة الكريمة, وبيان عن البطولة الشعبية المسكونة في التاريخ. وهذا ما يجسده المقطع الثاني عن العلاقة الاجتماعية بين الأفراد والجو والظروف.. "لكن إن كانت هناك نتائج سلبية للثلج طويل الأمد فقد كان هناك نتائج إيجابية أهمها على الإطلاق أن عزيزاً لم يفاتح نرجس وأباه وأمه بمشروع سليمان المنصور. وفي مقطع آخر: ـ اسمعي شمس: قال لها ذات ليلة وهو يحاول أن يستدرجها من كهوف صمتها.‏

أنت تعلمين كم أنت غالية علي, وكم أود أن أحقق لك ما تشائين, لكنك تعلمين أيضاً أن زواجك من عزيز مستحيل.‏

وفي مجال آخر.. بدا لعزيز في لحظة من اللحظات وكأنه رهن التحقيق لدى الأمير طراد ـ تلتحق بالثوار! ـ أجل يا أمير ـ وبكل إكبار شد على يده من جديد مبدياً إعجابه ببدوي يفكر على هذا النحو.‏

وفيما تقدم يظهر التأريخ الاجتماعي والتلاقي بين المجتمع المدني والقروي زمن الحرب والانخراط فيه.‏

ولعل الجزء الثاني من رواية الطريق إلى الشمس شرق/ غرب يصور المنعطف التاريخي في سورية, خلال الحكم العربي الفيصلي بعد الحرب العالمية الأولى ثم قدوم الاستعمار الفرنسي ومقاومته حتى منتصف العشرينات, وعبر ذلك تُقدم الرواية صوراً من الإقطاع والاضطهاد والحياة الفلاحية الريفية والحياة البدوية والأحياء الشعبية المدنية وعلاقة الشرق بالغرب ومعاناة المرأة ودور المثقفين في النضال الوطني ويعتمد الكاتب المشهدية. حيث تبدو العناية بالمكان, وتتوفر للشخصيات عناية مميزة بتصوير تطوراتها وتعرجاتها وانكساراتها ومعاناتها الشخصية والعامة. وفي هذا بعض الفقرات التي تدل على ذلك.‏

ـ شمس تعرف عادات.. تفهم تقاليد.. وأنا أريد من يشرح لي عادات... تقاليد... مع ذلك أنا سعيد بك... عزيزي... شيف سرجان عزيزي.... أنت تعجبي شيف سرجان وفتح عزيز عينه دهشة.‏

ـ لكنني لست شيف سرحان كابيتان.. أنا مدني.. تاجر سمنة وجبنة..‏

ـ سيفيل!؟ رد الكابيتان ضاحكاً ضحكة صفراء, لا.. لا.. الكل يقول إنك عسكري ممتاز... عزيز.. إنك رجل نشيط.. تحب السياسة.‏

وفي هذه الفقرة تصوير واقعي لوجود الاحتلال الفرنسي في سوريا ومدى العلاقة التي تربط ذلك الاحتلال بأفراد الشعب وتوضيح أن عزيزاً يعمل في المقاومة عسكرياً وعليه الابتعاد عن المدينة.. وأن الإقطاع ترك له ركائز من العهد العثماني بعد رحيله مثل خالد آغا ووجود عائلات تركية, وكردية, وأعجمية في المجتمع بالإضافة إلى اقتطاع الأراضي للاقطاعيين الذين يوفرون على السلطة عناء التعامل مع الفلاح.‏

أما في الجزء الثالث والأخير من الطريق إلى الشمس (الجوزاء) فهو يرصد تبلور الوعي الفكري في سورية من خلال تأثير الشخصيات بالأحداث وتأثرها, وصولاً إلى الوعي القومي ومن خلال إشارات إلى شخوص فاعلة, إضافة إلى عرض تباين في أسلوب التفكير والحياة بين كل من الشرق والغرب, حيث العبارة التالية.‏

ـ عزيز, الاستعمار واحد في سورية, في فلسطين.. الاستعمار واحد, نقاتله هنا كأننا نقاتله هناك.‏

ـ الحرية تؤخذ ولا تعطى. قال البطحيش بحرقة وألم, والاستقلال لا يُنال إلا على جسر من التضحيات.‏

ـ نعاود معركتنا إذن؟‏

ـ بالتأكيد.. سورية يجب أن تتحرر.. البلدان العربية كلها يجب أن تتحرر.‏

وهكذا فالروايات التي كتبها الأديب الكبير عبد الكريم ناصيف تتقاطع في معظمها مع روايات الأديب الروائي نجيب محفوظ خاصة الثلاثيتان ـ الطريق إلى الشمس عند عبد الكريم ناصيف بأجزائها الثلاثة (تشريفة آل المُرّ, وشرق/ غرب, والجوزاء) مع ثلاثية نجيب محفوظ (قصر الشوق, وبين القصرين, والسكرية) لأن كلاً من هاتين الثلاثيتين تؤديان نفس الغرض من حيث استعراض الأحداث والشخصيات وتناول المضامين والأفكار والسياسة والكفاح ضد الاستعمار والحياة الاجتماعية وخاصة الإقطاع الذي تركه الاستعمار العثماني للوطن العربي وتحديداً في سوريا ومصر الذي جسد حالة من تفاوت الطبقات والتعاون مع المحتل في كلا البلدين إضافة إلى التأريخ لعهد كان متساوقاً في زمن واحد بين الدولتين سوريا ومصر قبل الحرب العالمية الأولى وبعد الحرب العالمية الأولى وهذا التاريخ يُظهر بوضوح مدى التناص الإبداعي لتلك الأحداث التي درجت في روايات الكاتبين الكبيرين. وهذا إذا ما أضفنا إلى الثلاثيتين الأعمال الروائية (عند كل منهما) العديدة والكثيرة التي فاقت التصور خلافاً للإنجازات الأخرى في الألوان الأدبية التي تناولها الأديب الروائي والشاعر المسرحي والقاص عبد الكريم ناصيف والروايات عند نجيب محفوظ تجاوزت الثلاثين رواية وهذا كم هائل في حياة كاتب وقد استهلك عمره في تناول القضايا الاجتماعية والفكرية والتاريخية والسياسية والوطنية والقومية والعاطفية وسخر قدراته الخلاقة في تصوير تلك المفارقات والحوادث والأحداث والفوارق الطبقية والمجتمعية ضمن رواياته التي تلقفها عالم السينما وجسدها أفلاماً انسحبت على الواقع المصري وانتقلت إلى العالم العربي قاطبة وخاصة القضايا الاجتماعية مثل تعاطي المخدرات والفساد الخلقي والشحادة والصراع الطبقي والتسجيل التاريخي الذي أظهر مصر كدولة بتاريخ عريق عبر آلاف السنين منذ العهد الفرعوني والهكسوسي والإسكندر المقدوني مروراً بالعصر الإسلامي وما بعده إلى الاستعمار الفرنسي ثم العدوان الثلاثي في الوقت الحاضر وما بعد ذلك وتلاقي كل تلك الأحداث ومثيلاتها ما بين مصر وسوريا وتلاقي الأديبين الكبيرين في أفق متشابهٍ وبأعمال متقاربة كان للتقاطع والتناص الإبداعي والتجانس بطَرْق الموضوعات ذاتها في الأعمال الروائية المتفوقة تقاطعاً بارزاً ومتميزاً وإبداعياً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244