جريدة الاسبوع الادبي العدد 1013 تاريخ 2/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ما قبل الرحيل ـــ محمد أسامة العبد

السؤال المطروح دائماً هل الكاتب عندما يكتب ينسلخ عن الواقع.. والجواب لا يمكنه أن ينسلخ عن واقعه.. ولكنْ هناك اختلاف في نوع العلاقة هذه, منهم من يقدم صوراً كأنها صور فوتوغرافية وآخرون يحاولون أن يعيدوا تكوين هذا الواقع في مسعى لتقديم رؤية جديدة ومستقبلية. ومنهم من يحمل رؤية حلمية يضع ثقافته وخلاصة تجربته في الحياة. وعبد السلام العجيلي واحد من هؤلاء, وهو نسيج وحده.. فقد أقبل على الكتابة هاوياً وكان نشاطه ثانوياً وليس شاغله الأول بين شواغل في الحياة. وقد عرف العجيلي منذ الأربعينات من القرن العشرين على أنه كاتب قصة. ولغاية 1961 كان له خمس مجموعات قصصية وقصة طويلة وعدد من الروايات.‏

وفي حديث له عن مذهبه في القصة الذي أورده في كتاب نشر له (أشياء شخصية) يقول: "عمدت أن أكتب قصصاً إنسانية, الناس فيها خيرون يبذلون كل مجهودهم لبلوغ طمأنينة النفس, ولكن العالم المحيط بهم يتغلب عليهم وينتهي بمجهودهم إلى العدم وأيضاً كتبت قصصاً قومية يحارب شخوصها من أجل مثلهم العليا وهي مثلي... أنا الشخصية, بكل قواهم ولكنهم لا يبلغون غاياتهم, فأبطال تلك القصص منكوبون دوماً, أو مقتولون, على حبي لهم و تمجيدي إياهم. ويكاد التشاؤم يكون هو الفكرة المهيمنة على قصصي لولا أن صفة مشتركة بين أبطالها ترفعهم إلى أعلى من مرتبة التفاؤل.. هذه الصفة هي لا مبالاتهم بما يصيبهم ما داموا جادين في كفاحهم, هي كبرياؤهم التي لا يؤثر فيها الفشل أو الموت... إنهم يعرفون أن الظروف المحيطة بهم والطبيعة التي يعيشون في حضنها والوجود الذي هو أقوى منهم ولكن ذلك لا يخيفهم, فهم يتحدون كل تلك العوامل بالجهاد في سبيل غاياتهم المثلى".‏

إن هذا الوصف الذي وصف به غالبية أبطال قصصه القصيرة ينطبق على سلوك أبطال رواياته. ويقول عبد السلام العجيلي: حينما كتبت روايتي (باسمة بين الدموع) التي كتبتها في فصول ومتسلسلة لأحد الأصدقاء لمجلته (الأحد) وألزمني بذلك بعقد كتبه لساعته وحملني على أن أوقع عليه, فكان أثري الروائي الأول في بداية صيف سنة 2000 كان أن انعقدت ندوة الرواية السورية المعاصرة (الجذور الثقافية والتقنيات الروائية الجديدة).‏

وكان المرحوم الدكتور عبد السلام العجيلي أحد المشاركين في شهادة الروائي تحت عنوان (الروائي ينقد ذاته) فكنت سجلت وقائع هذه الندوة وسوف أورد النقاط الهامة في هذه الشهادة.‏

أولاً في تحدثه عن الأدب إذ قال: لقد رسخ في اعتقادي منذ بداياتي في هذا الميدان أن واجب الأديب هو أن ينتج أدباً لا أن يتحدث عن أدب أنتجه أو هو في طريق عمله وفي حواراتي المتعددة التي خضت فيها في هذا الموضوع كنت أستشهد دوماً بكلمة قرأتها منسوبة مرة إلا روجيه مارتان دوغار ومرة إلى مارسيل جوهاندو: تقول هذه الكلمة: الأدب لا تتحدثوا عنه بل اصنعوه. والثانية اعترافه على أنه أديب غير متفرغ فيقول: الأدب عندي نشاط هامشي لا أنصرف إليه إلا في فترات ضيقة من الوقت, تتركها لي نشاطاتي الرئيسية الأخرى, عندي أشياء كثيرة أحبها... ويجب أن أبدع فيها أدباً فكيف لي أن أستهلك فترات الوقت الضيقة في كلام عن الأدب بدلاً من إنتاج أدب فيها إنها جناية بحق نفسي وبحق الأدب نفسه, ترونني بوقوفي أمامكم أعترف باقترافي لها ولهذا فإني أنقد ذاتي.‏

ثالثاً: في نقده لذاته في المضمون ويقصد بذلك المضمون بكتابته الرواية ذاتها يقول: لا أكتمكم أني أجد في الرواية كما نكتبها جميعاً نحن الكتّاب العرب فناً دخيلاً علينا. فناً قبسناه من أدب الغرب أو إننا تابعنا في الإنتاج فيه أدباء الغرب. للعرب فنهم الخاص في القصة هو فن الحكاية وهو يأتي عندهم في مكانة تالية لمكانة فنهم الأول الذي هو الشعر. الحكاية من الناحية المبدئية هي رواية واقعة جرت حقاً, أو المفروض أنها جرت حقاً ومسؤولية حقيقة وقوعها تقع على عاتق الراوي لها. أما الرواية فإنها كما نكتبها اليوم عمل متخيل بمعنى أنها عمل يعتمد على التوهج البعيد عما هو واقع. بعداً قليلاً أو كثيراً.‏

ويذكر عبد السلام العجيلي حول اقتباس فن الرواية من الغرب إذ قال من على منبر معهد العالم العربي في باريس: إن موهبتي في الإنتاج الأدبي معترف بها عند الكثيرين. إلا أنني أشعر ببعض الأسى لأن شهوتي قامت في ميدان ليس ميدان قومي الأصيل إني كتبت رواية غربية النموذج لأني أتبع الغرب الغالب في ميادين كثيرة والأدب أحد هذه الميادين. ولو أنني كنت أديباً في زمن غير هذا الزمن وفي ظروف غير هذه الظروف لأنتجت موهبتي أدباً متفوقاً بلا شك, ولكن في ميدان أكثر أصالة بالنسبة لانتمائي القومي.‏

والنقطة الرابعة حول الخيال والواقع إذ يقول: إن في روايتي الأخيرة أرض السياد "الأحداث والأشخاص في هذه الرواية من نسج الخيال وكل تشابه بينهما وبين الواقع هو مجرد مصادفة" رغم هذه الإشارة التي جاءت في مقدمة الرواية إلا أننا نشعر قبل كل شيء أن أرض السياد في قلب بادية الشام. وكما اعتاد العجيلي أن يجسد في معظم أعماله حياة البداوة فهو لا ينكر جذوره البدوية, في هذه الرواية نجد من خلال العنوان (أرض السياد) المكان له أهمية خاصة في هذه الرواية. مما ينقل القارئ إلى بيئتين متناقضتين حضرياً بيئة صحراوية قاسية وبيئة حضارية هي مدينة (حلب) أما لماذا السيّاد؟ يشرح الكاتب تمهيداً لروايته. أن "سياد" جمع غير فصيح لكلمة "سيّد" وهي في عامية وادي الفرات تعني السادة ويسمى بها أبناء أسر تعود بنسبها إلى فاطمة بنت النبي وعلي بن أبي طالب. وإذا قرأنا المادتين "سيد" و"شريف" في الموسوعة الإسلامية تأكدنا من ذلك واكتشفنا أن أصحاب الطرق الصوفية, كثيراً ما يرجعون نسبهم إلى أهل البيت.‏

ولكن ماذا بقي للسياد من مجدهم اليوم؟ هذا السؤال يطرحه بطل الرواية منذ اليوم الأول الذي زار فيه المركز وعرّفه صاحبه الأستاذ صبحي على هؤلاء السياد وروى له قصتهم.‏

أما في البيئة الصحراوية, فيصف الطابع الفلكلوري وصفاً فوتوغرافياً, من خلال بطل الرواية حيث يزور خيام الراقصات النوريات اللواتي يسمونها (الحجيات) هؤلاء موجودات في الحقيقة. ويصف العجيلي هؤلاء الحجيات بعين فوتوغرافية دون أن يقع في الرومانسية فخلال وصف الشخصية المحورية في الرواية يحضر هو ورفاقه إحدى هذه السهرات في البادية ويتعرف ويكتشف حياتها الليلية. حيث الصحراء والليل والموسيقى والراقصات بأثوابهن الزاهية وأصواتهن الحادة و(الشوباش) هذه المفردة تقولها الراقصة حينما تقف أمام الحاضر وهي ترقص ليضع ورقة نقدية يدسها في صدرها. ومن إحدى الشخصيات النسائية في الرواية شخصية الراقصة زينة يقول على لسان أنور الذي قلنا عنه الشخصية المحورية في الرواية (عندما جلست تلك البنت إلى جانبي. بعد أن أنهت وصلتها من الرقص. أحسست بأن رأسي يكاد يتصدع من رائحة العطر الثقيل الذي كان يفوح منها. ما أحسبها أكثرت عليها من هذه الرائحة الباعثة للدوار إلا لتخفي رائحة جسدها الذي ما أظن الماء مسه منذ زمن بعيد. تأكدت من ذلك لما رأيته من سواد تحت أظافرها لم تفلح حمرة الحناء في كفيها في إخفائه عن نظراتي المتفرسة...) نجد من خلال المقبوس الروائي ينزع الروائي نظرة القارئ إلى هذه العناصر الفلكلورية وكأنه يريد إخراجنا من جو السهرة ثم إعادتنا إلى ما يعده واقع بادية الشام, وأيضاً قد بذل قصارى جهده في تحديد عالم روائي ثابت من خلال وصفه لمدينة حلب في الرواية. حيث يكرس صفحات عديدة لأماكن القديمة لمدينة حلب وحاراتها التي تقع جانب قلعتها مثل (حارة الفرافرة بشوارعها الضيقة), حارة السفاحية, سراي إسماعيل باشا, خان البنادقة, تلك الأماكن يتعرف القارئ إليها من خلال وصفها وتحديدها وكأن العجيلي مساح طوبغرافي ويستطيع الرجوع إليه بسهولة, وفي هذه الرواية تعرض إلى وصف مجموعة من العادات تنتسب إلى التراث الثقافي المحلي والعربي وبعض الأماكن الأثرية الحلبية المعروفة وكأنه يريد إقناع القارئ بأن عالمه الروائي يشبه الواقع بل يعكسه وأن العناصر التي تكونه موجودة بحذافيرها في الحقيقة فاكتفى بنقلها في الرواية.‏

وأيضاً في ضوء الرواية كان قد أبرز بعض الملامح السلبية للأشياء من خلال نظرته الانتقادية إلى حاضر العناصر التراثية المذكورة يجعلاننا نعتقد أن وظيفة هذه العناصر لا تنحصر في رسم الواقع أو في التزين التكميلي الذي يعطي النص طابعه التصويري الضروري لإكمال هندسة طابع الديكور في الرواية, والقارئ إن لاحظ في وصفه لهذه العناصر هيئات واقعية إلا أنه يهدف بشكل أساسٍ إلى إظهار فكرة مهمة وهي أن تراث شعوب المنطقة وجذورها الثقافية سائرة إلى التضاؤل أو أنها على الأقل تعيش ظروفاً صعبة بفعل التحولات والتغيرات التي أصابتها على كل المستويات.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244