|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
كتاب.. يستحق التهنئة ـــ حسن حميد ـ 1 ـ بلى, بتُّ على قناعة أن الكتابة عن المرأة الكاتبة صارت تهمةً جاهزة بعد أن قرَّ في الأذهان أن كتابة المرأة تهمةٌ أيضاً, ولكنها تهمة مراوغة بعد أن صار معروفاً على نحو واضح أن المرأة هي التي تكتب كتاباتها؛ أي أنها تكتب الأحداث التي وقعت لها (وإن تخفت وراء شخصية ذكورية أحياناً), وأنها تكتب أحلامها وتشوفاتها إن ركبت مركب الخيال والأمنيات أو عالم الرمز والإيهام: إذن, الكتابة الأنثوية تهمة, والكتابة عن المكتوب الأنثوي تهمة أيضاً, وكل شيء يأتي من لَدُن المرأة قابل للتفسير والتأويل لكي يصير تهمةً. يا إلهي... أيُّ قيد جديد ينتظر المرأة الكاتبة التي تبحث عن حريتها في ساحات الورق المكشوفة؟ ثم أي كفاح ينتظر المرأة كي تخلص نفسها أولاً وبنات جنسها ثانياً من أَسر الأبوية المتسلطة والذكورية المريضة في مجتمع ما زال يعدّ ولادة المرأة هزيمة, وشبابَها عاراً, وزواجها قلقاً, وموتها حالاً لابدّ لها من أن تخلّفَ الكثير من العقابيل والتقولات, ووجودها في المجتمع ناقصاَ أو شبه ناقص. أي الشبابيك تفتحها المرأة لكي تأخذ أوكسجينها الخاص بها؛ وأي الدروب تسلك دون أن تلام, وأيّ الأحاديث تدير دون اتهامات, وأي المطارح تلوذ بها من دون غمز أو لمز؟! يا.. للأسف, المرأة خوفٌ في بيت أهلها, وقلق في بيت زوجها, حديثُها, ومشيتها, وكلامها, وضحكتها.. عورة! كائن لا أدري كيف يقوى على الحضور والوقوف والمجابهة وسط عداء يسوره من جميع الجهات.. كالدائرة! أعرف أن المرأة تحبس صرخة في صدرها عمرها آلاف السنوات؛ لعلها صرخة الجدات, أو جدات الجدات, أو لعلها صرخة الأمهات التي لم تقوَ أي منهن على إطلاقها؛ تلك الصرخة التي تصرخها فوق الورق في وحدتها وهي تجالس نفسها, وماضيها, وراهنها, ومستقبلها؛ إنها كائن من حقه أن يعبر عن مشاعره وهواجسه ومخاوفه تجاه مجتمع أشبه بالغول؛ كائن يصرخ على الورق, ويتألم على الورق, ويتخوّف على الورق, ويبوح على الورق, وينادي بآدميته وحقوقه على الورق؛... قد تبدو الصرخة واضحة وجريئة وحادة.. وهذا أمر طبيعي بعد أعمار وأجيال من الكبت والقيود الطويلة التي عاشتها المرأة في سيرورة تاريخية يسيل منها الخذلان والخجل؛ ليس من أجل أن تفتح دروباً إليها, وإنما من أجل أن تفتح دروباً إلى عالم الذكورة الذي لا يعرف المرأة إلا كائناً بيولوجياً.. لكي تقول لظلامها الذين يضربونها في الظهيرة, ثم يزحفون إليها في العشية... (لا) كبيرة.. حادة, وجريئة! أقول هذا الكلام ليس استهلالاً لهذا الكتاب, وإنما لأقول مشاعري التي أحسبها صرخة أيضاً إذْ ما زالت التهم والأقاويل والتخرصات والتلميحات والإشارات تطارد المرأة في جلّ أعمالها الاجتماعية؛ بل تطاردها أيضاً حين ترمي أنوثتها (قسراً) في البيت وتذهب إلى أمكنة العمل, وذلك يعود ـ للأسف ـ إلى نظرتنا, في الغالب الأعم, التي لم تتجاوز أنوثة المرأة, أو اعتبارها كائناً أنثوياً.. فقط. ـ 2 ـ بين يديّ كتاب لأديبة معروفة هي السيدة منيرة حيدر؛ أديبة دؤوبة على العمل كالنحل, صاحبة نشاط أدبي, وثقافي, واجتماعي نادر المثال, فهي, لمن يعرفها, كائن منذور لا لخدمة نفسها أو بنات جنسها وحسب, وإنما لخدمة الوطن كله, وهي التي تعيش أحداثه ومجرياته وأحواله وتطلعاته لحظة لحظة, ولا أدل على ما أقوله هنا من هذا الكتاب الذي هو وقفات ونظرات تجول بحرص شديد في الشأن الوطني والاجتماعي والقومي والإنساني معاً, وذلك لندرك ما أرّق الكاتبة, وما أقضَّ مضجعها, وما أشغل تفكيرها, وما أوجع قلبها باعتبارها فرداً كامل العضوية؛ كامل الحضور في المجتمع... لا باعتبارها أنثى.. وحسب. إن من يودّ قراءة شيء عن الطلاق, والخيانات الزوجية, والعنوسة, والعاطفة الباردة... لن يجد ما يبتغيه في هذا الكتاب ذلك لأنه غير موجه (أعني الكتاب) أصلاً لمعالجة أمور كهذه تشين المرأة لا تزينها أو تخص المرأة في أمورها وشؤونها الخاصة.. ذلك لأن هذا الكتاب نابع من ذات مهمومة بقضايا المجتمع الكبرى ليصبّ في ذوات مألومة بالجروح والندوب التي تتركها تلك القضايا كالبحث عن مكان يليق بأبناء أمتنا في التراث الحضاري الإنساني, والبحث عن مكانة تليق بالمرأة في المجتمع الإنساني.. تأييداً للشرائع الاجتماعية والسماوية التي حضّت على احترام المرأة وتقديرها جسداً, وفكراً, وروحاً, وحراكاً اجتماعياً. في الكتاب دوائر معرفية شديدة الأهمية تقف الكاتبة عندها وقفةَ العارفة فتجلو موضوعات تاريخية واجتماعية وثقافية وفنية.. غايتها الأهم التوكيدُ على أهمية القيم السامية في حياتنا بعدما اجتاحت المواضعات المادية حياتنا بـ (الاستهلاكية), و(الهشاشة), و(الخفة), و(اللاجدوى) عبر ثقافة تسعى إلى تهميش الجوهري, وإعلاء شأن المنحط والرخوي. والكتاب, بشموله, لا يعبر عن إحساس إنساني مرهف بالقيم النبيلة ودورها في حياة الإنسان وحسب, وإنما يعبر عن ثقافة عميقة للكاتبة تفضي بالقارئ من دائرة معرفية إلى دائرة معرفية أوسع, حتى لا يأتي القارئ على الكتاب إلا وقد تزوّد بمعرفة غنية مستّلة من بطون الكتب حيناً, ومن ألواح التاريخ حيناً آخر, ومن خلاصة الحياة وتجاربها حيناً ثالثاً. ـ 3 ـ بلى, ما أشبه هذا الكتاب في غاياته وسموه, ونبله, ورهافته, ودقة كتابته "بكتابات أساتذتنا الكبار" طه حسين, والعقاد, والمازني, ومحمد كرد علي, وشفيق جبري, والعجيلي, وشاكر مصطفى, وعبد الكريم اليافي, والعروسي المطوي, وأبو القاسم كرو, وسهير القلماوي, وهدى شعراوي, وروز اليوسف... الخ الذين علمتنا كتاباتهم أموراً عديدة لعل في طالعها الابتعاد عن الخاص وهجر الزوايا الضيقة والأمكنة الظليلة... والتوجه نحو المشاريع العامة التي تعني الوطن والإنسانية معاً؛ وقد فعلت الكاتبة منيرة حيدر هذا... باقتدار يستحق التقدير والتهنئة حقاً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |