جريدة الاسبوع الادبي العدد 1013 تاريخ 2/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

سيرة ـــ نبيل سليمان

تستثمر السيرة الذكريات والاعترافات, وتتوسل سرودَ اليوميات والمذكرات والرسائل, والسيرةُ قاموسياً هي السنّة والطريقة والهيئة والميزة (القاموس المحيط للفيروز آبادي). وهي أيضاً عند العامة: القصة (محيط المحيط للبستاني), كأن يقال: سيرة الظاهر ببيرس, أي: قصته.‏

وقد يكون للوثيقة حضور وفعل في السيرة. لكن الفعل المؤكد فيها هو للتخييل, مهما يُقل في الصدق والاختلاق والتركيب و... وسواء كانت السيرة ذاتية, أم سيرة آخر.‏

أما الرواية, فلأنها ذلك الفن الذي لا يكاد يعين تخومه حتى ينقضها, ولأنها ذلك (الغول) الذي يلتهم من الفنون والمعارف والأساليب ما يلتهم, فقد تستثمر الرواية من سيرة صاحبها أو سواه ما تستثمر, كما قد تستثمر من الوثيقة ما تستثمر. وقد تتوسل سرودَ اليوميات والمذكرات والرسائل, لكن قوام ذلك كله هو التخييل. ومن هنا جرى القول بالسيرة الروائية ـ كما جرى القول منذ فجر السيرة بالسيرة القصصية ـ والرواية السيرية.‏

لكن الرواية بلغت أيضاً أن تروي سيرتها. ومن ذلك أن تروي سيرة كاتبها أو سيرة وعيها لذاتها, (تفكر بنفسها), أو أن تنكتب (تتكون ـ تتخلق) أمام القارئ. ومن ذلك أيضاً أن ترسل قولاً في النقد. وكل ذلك ما عجلت الرواية العربية إليه في مشوارها من الحداثة إلى ما بعد الحداثة, كما نرى بخاصة في المغرب, منذ روايات الميلودي شغموم (الأبله والمنسية وياسمين 1982) و(عين الفرس ـ 1988) وأحمد المديني (وردة للوقت المغربي ـ 1983) ومحمد برادة (لعبة النسيان ـ 1986) وعبد القادر الشاوي (دليل العنفوان ـ 1989), وكذلك في رواية هشام القروي (ن ـ 1983) وفي رواية مؤنس الرزاز (متاهة الأعراب في ناطحات السراب ـ 1986), وصولاً إلى الروايات التي سنرى في القسم الأول من هذا الكتاب, في بلدان عربية شتى.‏

وفيما يؤثر آخرون القول بالميتارواية للتعبير عن هذا اللعب الروائي, آثرتُ القولَ بالسيرة النصية. ذلك أننا بالإضافة إلى ما هو معلوم من السيرة الذاتية ومن الرواية السيرية, نحن هنا أمام نص سيكتب سيرته, أو يكتب منها. وقد يكون لسيرة صاحبه حضور وفعل فيه, لكن الفعل المؤكد فيه هو للتخييل أولاً وأخيراً, وكذلك للسيرة المجتمعية.‏

في السيرة المجتمعية تكتب الرواية ما تكتب من زمنها الروائي الذي قد يسبق زمن الكتابة أو يوازيه. فسواء أكانت الرواية حفراً فيما كان أو فيما يكون, فهي حفر في البنى والعلاقات الاجتماعية التي قد تعني سياسةً واقتصاداً وأخلاقاً و... وفي السيرة النصية, بالتالي, من السيرة المجتمعية, ما فيها. إلا أن الرواية قد تعنى فقط بالسيرة المجتمعية, حيث ينهض بالتخييل مجتمع روائي, يتأسس في مجتمع بعينه أو أكثر, بقدر ما يفارقه, فإذا بشخصية روائية تحب أو تقتل أو تتحزب أو تسجن أو تتعهر أو تتملك أو ترقص, كأنها أنا أو أنت أو هو أو هي, لكنها أيضاً وأيضاً ليست كذلك. وإذا بالفضاء الروائي هو هذا البيت أو الشارع أو المدينة أو القرية أو البحر أو السجن لكنه ليس كذلك. ولعل الرواية التي لا تعيّن مكانها ولا زمانها فيما هو معلوم (قائم أو دائل) تتأسس هنا, وإن يكن من سبب آخر أو أكثر لهذا اللاتعيين, مما رأينا في روايات عبد الرحمن منيف (مدن الملح) وهاني الراهب (التلال) وسواهما, وصولاً إلى ما سنرى في القسم الثاني من هذا الكتاب.‏

إن مثل هذا النظر إلى الرواية, لا يحددها كسيرة نصية وكسيرة مجتمعية. فهو ليس غير مفرد من جمع, يتعلق بمدونة روائية تناديه ويناديها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244