|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
فضاءات للطفولة والحنين ـــ فادية غيبور القلم والورق أمامك، وأنت طفل كبيرٌ يطارد رسوم غيمة خريفية، ويحاول الدخول إلى ذاكرة الزمن القديم، تغمرك أقواس الكآبة والحيرة والحنين، تغمس فرشاة الشوق بصدرك وتعبر بالقلم والورق إلى صباح مشرق، تتعانق على ثغره أشجار صفصاف باسقة على ضفاف نهرٍ هادئ البوح حاني الغناء، وتستعيد تفاصيل ذكرياتٍ بعيدة زمناً لصيقةٍ بمرايا قلبك التي تبدو لك براقة متفجرة الألوان حيناً، ضبابية غامضة في حينٍ آخر، بإمكانك الآن أن تركض وتقفز كطفلٍ صغيرٍ كنته ذات عمرٍ قديم، ولا بأس ببعض الغناء، لا بأس ببعض الصراخ، ثم لا بأس ببعض الراحة التي يحتاجها جسدك الراقص على إيقاع الحنين الذي ينهمر من القلب ضحكاً وصراخاً وبكاء يليق بإنسان يمتلك الإحساس بأبعاد إنسانيته وانتمائه إلى أرض كانت مهداً ومخزناً للثقافة والحضارة. ثمة أبعاد تتلاشى وأخرى تتخلق، ثمة فضاءات وواحات وكثبان ونهر متدفق يشق مجراه في طين أعماقك الأول، يروي ظمأك إلى حلم مدهش يدحرج كراتك البلورية الملونة الصغيرة على الأرض المغسولة بالمطر والغبار، أصوات رفاق طفولتك في أذنيك، هذا الدحل لي، بل لي، بل... وتروح تستعرض الوجوه والأصوات دفعة واحدة، يتدفق نبع دافئ من أعماق صدرك، تشعر بعذوبته، تحاول أن تتذكر.. تتذكر استفاقة الحواري والأزقة، صرير أبواب الدكاكين، والرذاذ المتناثر بين النوافير.. تتذكر غرفة من الحجارة والطين في قرية صغيرة فردت ظلال أشجارها على ضفاف البادية، فقط الحجارة والطين وبعض جذوع الأشجار لسقفٍ ترابيّ زرعت خطاك عليه، أتذكر ذلك التراب الكتيم الذي تمتزج فيه الزرقة والخضرة، أتذكر كيف كان يغطي بحنانه سطوح البيوت القديمة ويبث عليها أعشابه المزهرة، هناك حيث كان كلّ منا ينفرد بنفسه للدراسة أو للتأمل، وملء صدره شعور غامر بأنه أقرب إلى السماء وأكثر قدرة على استيعاب جوهر الحقائق الأولى. ها أنت ترتقي جبال أحزانك الرمادية في المدن الكبيرة، تستحضر الطفولة كلما أمضك الشوق إلى رفاق الحارة وأصدقاء صيد العصافير في البساتين والكروم، تبتسم حين تذكر سقوطك عن شجرة التين العجوز، تتساءل: تراها يبست؟..هل تركت فروعاً صغيرة تستمر من خلالها؟.. هل غرس والدي بديلة بها؟. هو الحنين إلى الأرض والأشجار والسماء والينابيع، هو الحنين إلى قمر يتسلق ذؤابات الأشجار في قمم الجبال ثمَّ ينام على سرير الزرقة متدثراً بالغياب، وهو الحنين إلى زمن الألفة بين وجوه الجيران ورفاق الطفولة، وهو الهاجس المجنون بالعودة إلى أحضان الطبيعة الأم.. والعودة إلى الوطن.. نكابر ثمّ نتعلّق بالكلمات حبال ضوء للخروج من عتمة اليأس إلى نور الأمل، وعلى هامش استراحة صغيرة متواضعة بين الحيرة والحيرة يبحث كلٌّ منا عن طاولة صغيرة يضع على سطحها قلمه وأوراقه ويبدأ رحلة العودة إلى نفسه، إلى الأرض، إلى القرية الصغيرة أو المدينة الكبيرة، نكتب السطر الأول، الثاني و.. وتنهمر الكلمات حبراً دافئاً وحبّاً كبيراً.. نهيئ حقائب السفر، نفتح صدورنا للريح والمطر..وحين نرتقي سلم الطائرة أو نضع أجسادنا على مقعد حافلة متجهة شمالاً ونحن نغني مع فيروز همساً: "راجعين يا هوا ... راجعين". |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |