|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الفشل يصنع المشاهير ـــ لطيفة ديب كنت في زيارة صديقتي "ناديا" ولم أكن قد التقيتها منذ مدة طويلة, وفيما راحت كل منا تروي على مسامع الأخرى ما جرى لها طوال تلك المدة, قرع الباب. فقالت صديقتي: ـ أتمنّى أن أخلو بك وقتاً طويلاً, لكني عندما أعلمتني بقدومك إلي كنت قد حدّدت موعداً لبعض الصديقات اللواتي رغبن في زيارتي. ولم أشأ أن أرجئ موعد لقائك. قلت: ـ لابأس. لن يطول غيابي عنك بعد الآن. فقد أُحلت على التقاعد ولم تعد المدرسة تشغل وقتي. ودخلت الزائرات وتعارفنا. ودارت الأحاديث حول مواضيع شتى. وكل بين الزائرات سيدة ظلت صامتة وقد بدت عليها علائم القلق, الأمر الذي لفت انتباهي فسألتها: ـ ما بك يا "هنية؟ لست على ما يرام. قالت وقد ترقرق الدمع في عينيها: ـ إنه ابني, مصدر قلقي. لقد استدعت إدارة المدرسة والده وأطلعته على علاماته السيئة وعدم اهتمامه بالعلم و.... و.... إلى أن ختم المدير كلامه بهذه العبارة "إني أنصحك بتوجيهه إلى العمل الحرفي, فلن يفلح في الدراسة...". قلت: ـ اسمحي لي أن أقطع عليك حديثك لأروي لك ما يهدئ روعك. فقالت: ـ تفضلي فكلي آذان صاغية.. قلت: ـ تعلمين من هو "ألبير إنْشتايْن" وما هي أفضاله على البشرية. لكنك لا تعلمين كيف عاش, فقد كان طوال سنوات الدراسة الثمانية الأولى مصدر قلق لأهله ولمعلميه, إذ كان كسولا, لا يحب العلم, وقد اعتقد والده أن "ألبير" متأخر عقلياً. كان مفتوناً بالموسيقى وبقطعتين مغناطيسيتين كان عمه أهداه إياهما وأراد والده أن يوجهه إلى العمل الحرفي, لكن أمه لم توافق. وظلّت تشجع ابنها ولم تفقد الأمل. وجاء اليوم الذي أصبح فيه "ألبير" طالباً في معهد "اليوليتكنيك" في "زوريخ" حيث أحرز نتائج جيدة في الرياضيات والفيزياء الأمر الذي أحدث انقلاباً في حياة الطالب "الكسول" كما كان يلقبه معلموه, وفي العام 1900, أصبح "إنْشتايْن" أستاذاً للفيزياء وللرياضيات في التعليم الثانوي, ولم يلق نجاحاً في مهنته تلك لأول وهلة. لكنه لم يَيْأس وثابر على البحث والجد إلى أن بلغ عدد مطبوعاته في الفيزياء النظرية حدّاً مذهلاً. وفي ثلاثة من أعماله تلك, صاغ نظريته الشهيرة في النسبيّة, وعندما بلغ عامه الخامس والعشرين, شغل منصباً هاماً في "أكاديمية برلين" وفي "معهد كيزْر غيتيوم" وبعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى, نشر "إنشتاين" نظريات عديدة أذهلت معاونيه. فقد بحث في عدة مواضيع كالنسبيّة, واتساع الكون باستمرار, والمسافة, وسرعة الضوء, والزمن والحجم, والطاقة. وحاز على جائزة "نوبل" في الفيزياء عام 1921 وفي بداية الحرب العالمية الثانية, لازمته فكرة ضايقته جداً وهي احتمال أن يمتلك "هتلر" القنبلة الذرية فوجّه "إنشْتايْن" رسالة إلى الرئيس الأميركي "روزفلت" يحذّر فيها العالم من خطر هذا السلاح وعبثا طالب "إنشتاين" بالتوقف عن الأبحاث في الذرة, فالأضرار التي أحدثها هذا السلاح في "هيروشيما" و"ناكازاكي" جعلت من "إنْشتايْن" داعية سلام. لن أطيل أكثر مما فعلت, لكني أودّ أن أذكر لك أسماء بعض الكسالى الذين أصبحوا من مشاهير العالم: "وينستون تشرشل" مثلا, كان تحصيله بطيئاً... "توماس إديسون", المخترع الأميركي, كان والده يودّ أن يوجّهه إلى العمل في مزرعة... "هانري فورْد" كان شبه أمّيّ عندما غادر المدرسة, وعمره خمس عشرة سنة. "إميل زولا" رسب في امتحان القبول في جامعة "السوربون", كما أنه لم يُقبل في جامعة "مرسيليا". "جمال عبد الناصر", أول رئيس لجمهورية "مصر" العربية, لم ينجح في امتحان القبول بكلية الحقوق فاتجه إلى الكلية الحربية. بعد كل ما ذكرت, أما زلت يائسة من إصلاح ولدك؟ اسمحي لي أن ألفت انتباهك إلى أن ثمة ما يعتمل في نفس ولدك أدّى به إلى ما هو فيه, لكنك تجهلين كنهه, فعليك أولاً أن تحاولي سبر نفسية ابنك من خلال تصرفاته, والأهم من ذلك ألاّ تدعيه ييأس. شجعيه ما استطعت وإياك أن تدعيه يعتقد أنه غير موهوب. بل حاولي إقناعه أن غشاوة تغلق بصيرته ستنقشع يوماً فيتحوّل إنساناً آخر بل ربما فاق زملاءه الذين يظن أنهم أكثر كفاءة منه. وبعد كل ما ذكرت أرجو أن تضاعفي من إظهار المحبة نحوه والاهتمام به. قد أكون أطلت وأزعجت النسوة اللواتي لم يجتمعن للاستماع إلى المواعظ. لكني سعدت إذ رأيت نظرة المرأة الحزينة تتحوّل إلى بريق, وابتسامة شكر ترتسم على شفتيها... |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |