|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
في ذكرى رحيله جهاد شكري القوتلي ـــ غسان كلاّس
بهذين البيتين من الشعر خاطب شفيق جبري, شاعر الشام,المجاهد شكري القوتلي تخليداً لوقفته الوطنية حيال العدوان الفرنسي في التاسع والعشرين من أيار 1945. فقد حسب الفرنسيون أن القوتلي سوف يستسلم, ولكنه خيّب آمالهم عندما طلب أن يحمل سريره, وهو مريض إلى ساحة الشهداء (المرجة) ليقاسم الشعب مصيره, ويؤدي قسطه من الجهاد. لم يكن هذا الموقف للمجاهد القوتلي وحيداً, وإنما هو واحد في سلسلة مواقف الوطنية والتضحية التي وقفها مدى عمره, وسجلها التاريخ بحروف من نور وضياء.. فقد أقدم, رحمه الله, على محاولة الانتحار وهو في السجن أيام الحكم العثماني, كيلا يرغمه السجانون على البوح بأسماء رفاقه المجاهدين. وهو الذي تنازل عن منصب رئاسة الجمهورية من أجل تحقيق الوحدة مع مصر. وهو الذي أصيب بأزمة قلبية حادة, وارتحل إلى جوار ربه, حين سمع نبأ العدوان الصهيوني في الخامس من حزيران 1967. لقد قاد شكري القوتلي معركة الاستقلال, وأخرج المستعمر الفرنسي من أرض الوطن, وحقق الجلاء الكامل, ورفع راية الحرية لهذا الشعب, الشعب الذي قدّم الأضاحي وجاد بالدماء, وأشعل الثورات, وأقام المظاهرات الصاخبة والإضرابات المتواصلة الطويلة... شكري القوتلي واحد من أبطال العرب المعدودين. واجد من الزعماء القلة الذين وضعوا مصلحة شعوبهم نصب أعينهم, ونسوا مصالحهم الخاصة, بل وضعوها تحت أقدامهم... كانت صفات الزعامة والقيادة ملازمة لشكري القوتلي منذ حداثته, كما يقول عبد الغني العطري في كتابه: عبقريات من بلادي, وهذه الصفات من أبرزها الجرأة والشجاعة وقوة الشخصية, والكرم وبذل المال والجهد. وبهذه الصفات استطاع القوتلي أن يفوز بثقة إخوانه, فجمع كلمتهم, وقضى على أسباب الفرقة بينهم... فكان أخاً صديقاً لرفاق دربه, وقد رفعته مزاياه إلى سدة الزعامة فكان بينهم زعيماً وقائداً... لقد كان من أغنياء الشام المعدودين, ولكنه أنفق كل أمواله على القضية الوطنية, وبات ـ في أواخر حياته, لا يملك إلا ماضيه الناصع في الجهاد والتضحية والإخلاص لأمته ووطنه... وكما يقول الدكتور عبد اللطيف اليونس: من العقوق أن ننكر فضل الأفراد على الأحداث, وأن نغمطهم حقهم, ونبخل عليهم ببعض ما يستحقون من اعتراف بالفضل وتقدير للجميل... يسجل لمركز الوثائق المعاصر (بيروت) إصداره في العام 1970 مجموعة من خطب شكري القوتلي, الذي كان منذ صباه حتى شيخوخته المناضل العنيد في سبيل تحرير البلاد العربية ووحدتها, وفي سبيل استقلال سورية وسيادتها... ويصدّر سهيل العشي كتابه (فجر الاستقلال في سورية) في العام 1999 بالإهداء إلى شكري القوتلي. ويفرد نجاة قصاب حسن في كتابه (صانعو الجلاء في سورية) الصادر في العام نفسه فصلاً كاملاً عن الرئيس القوتلي عند حديثه عن القادة السياسيين, ويقول:... كان في حياته الشخصية إنساناً تغلب عليه البساطة, ويهتم بزراعة أرضه في الغوطة (بالا) وقد سكن في دار مستأجرة مؤلفة من ست غرف... ويوجز قصاب حسن سيرة الرئيس في أمور سبعة, أشرنا إلى بعضها في ثنايا هذا المقال, ونضيف: جهوده الخيّرة في سبيل استقلال البلاد العربية ووحدة كلمتها وإخائها مع سورية بدءاً بلبنان الشقيق والأردن وتونس والجزائر, وكان يقول دوماً: لن يجوع لبنان وفي سورية رغيف خبز واحد. ـ دعمه للجيش السوري, وتأمين الموارد اللازمة لتسليحه وتقويته, إذ إن سورية تسلمت عام 1946 جيشاً مهترئاً دون أسلحة ولا تنظيم وخلال سنتين أصبح الجيش السوري من أقوى جيوش المنطقة.. ـ رفض التوقيع على معاهدة الهدنة المذلة مع العدو الإسرائيلي, كما رفض التوقيع على اتفاقية التابلاين, وعلى اتفاقية النقد مع فرنسا... يقول ناشر كتاب (جهاد شكري القوتلي في سبيل الاستقلال والوحدة) لمؤلفه عبد الله الخاني, الذي شغل فيما شغله من مناصب مدير عام القصر الجمهوري: في تاريخ العرب الحديث رجل واحد ضحى بمنصبه في سبيل ما يؤمن به, لأنه كان منسجماً مع نفسه, ولأن الإخلاص لأمته, ولفكرة الوحدة العربية سجية من سجاياه, فهو الذي تحقق استقلال سورية على يديه, بعد جهاد طويل تعرض خلاله لكل ما يتعرض له المناضلون الشرفاء, وكاد يدفع حياته ثمناً لحرية بلده, الذي بادله الحب والتقدير.. يصدّر الأستاذ الخاني كتابه بالإهداء إلى: من خط بدمه قبل أن يخط بقلمه استقلال سورية بشكل ناجز وناصع, وإلى من قال يوم رفع علم سورية في أول عيد للجلاء (لن يرفع فوق هذا العلم إلا علم الوحدة العربية) وإلى من تنازل عن منصبه طواعية ليقيم أول وحدة فصدق ما عاهد الله عليه ولم يبّدل تبديلاً... في الندوة التي أقامتها مديرية الثقافة بدمشق بعنوان (من ميسلون على الجلاء) تشرفنا بحضور ابنتي المغفور له الرئيس شكري القوتلي وقد تجمهر الحضور حولهما احتفاء بقدومهما, فقلت لابنته الكبرى: أرأيت إلى هذه المحبة التي غمركم بها الناس, فأجابت: كان والدي رحمه الله, يقول دائماً: لقد تركت لكم السمعة العطرة والتاريخ المشرّف... | |||||||||