جريدة الاسبوع الادبي العدد 1014 تاريخ 8/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

كتاب للدكتور عبد الله عثمان أيديولوجيا العولمة ـــ *عثمان الجبالي المثلوثي "تونس"

الأنسنة أو العولمة العالمية نظرية‏

بديلة لطروحات نهاية التاريخ‏

بالرغم من أنّ العولمة ظاهرة قديمة قدم ما خلق الله من قرون إلاّ أنّها لم تُشكّل إرهاصاً للشعوب على اختلاف أجناسها ومشاربها إلاّ منذ سنوات قليلة فقط, وتراوحت الكتابات في العولمة بين منظّر ومروّج لها وبين ناقد ومنتقد ومقاوم لها كظاهرة تعلّقت بكلّ المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية. وفي الوقت الذي تمثّل فيه كلّ النصوص التي كُتبت إضافة معرفية تُفكّك توجهات العقل البشري وتترصّد ما يطرحه من مفاهيم, نجد أنفسنا اليوم على الساحة الثقافية أمام نصّ يتميّز بقيمتين أساسيتين هما الجرأة والموضوعية, هذا النصّ يحمل عنوان "أيديولوجيا العولمة". نصّ قال عنه صاحبه أنّه يسعى "لمعالجة موضوع ساخن يتطوّر بتطوّر مستحدثات الأمور ومجرياتها في العالم" (ص70) ونرى فيه تأسيساً لنظرية موازية إن لم نقل بديلة لما يُطرح من نظريات مثل "نظرية نهاية التاريخ" و"صراع الحضارات" وغيرها من الطروحات التي تفتقر إلى جانب أساسي وهو القيمة, ونعني بها الاستناد إلى الأخلاق, والبعد الإنساني الضروري لكلّ فكر أو مفهوم أو نظرية.‏

فالنظريات اليوم لم تُعد تُقاس بمدى صرامتها كتجربة على عينّة بذاتها ومن ثمّ حريّة تعميمها على كلّ المجتمعات بل بمدى التزامها بالبعد الأخلاقي الإنساني وما يُمكن أن تُفيد به الإنسان لترتقي به أكثر فأكثر مادياً وروحياً.‏

ففي هذا الكتاب يُحاول المؤلّف "إيجاد صيغة علمية.. لإجراء حوار بين الحضارات" (ص7). واضعاً نًصب عينيه "خصوصية الإنسان" وخصوصية الشعوب. ومحاولته هذه هي عبارة عن "عملية حفر (معرفي) يصبو من خلالها إلى استجلاء كُنه الظواهر المصاحبة للعولمة, وإناسة نقدية تنبش آليات عمل العقل البشري" (ص70) وبالرغم من أنّ الموضوع لا يسمح لنا بإجراء استنتاجات مسبقة, إلاّ أنّه يمكن لنا القول أنّ هذا المؤلّف يستمدّ قيمته العلمية من منهجية صارمة اعتمدت تناوب وتداخل التحاليل بين تاريخي, وعلمي, ونقدي كما أنّها تُفنّد ما تستند إليه النظريات الأخرى من ركائز وهمية مثل أسطورة الموضوعية والحيادية (ص11 ـ 12).‏

وأوّل ما يُطالعنا به الكاتب هو موضوعيته في عدم رفض العولمة كظاهرة بل في رفض أدلجتها وتوظيفها لتشريع الهيمنة بكل أشكالها السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية وما تروّج له من ديمقراطية زائفة وحرية خاوية, وما يُصاحبها من انتهاك للخصوصيات, ومحاولة للقضاء على التنوّع, وبالتالي الحياة.‏

ومن أهمّ مواضيع الكتاب: نقد أدلجة العولمة, والنظام العالمي الجديد, ونقد المفهوم الليبرالي للديمقراطية ووسائل ترويجها. إذ إنّه يؤسّس لعولمة مضادة أو أنسنة أهمّ خصائصها هي أنّ: الشرق, لا يجب أن يكون سوقاً استهلاكية ولا مطمورة للغرب يغتصب كنوزها متى شاء وكيف شاء, وأنّ الديمقراطية حقّ وفضاء سياسي وأيديولوجي يسمح بالتنوّع وحتى التباين والتنافس أو التدافع دون صدام أو صراع, وحقّ الشعوب في الحفاظ على تراثها المعرفي والثقافي وأنماط وأساليب عيشها والاستفادة بحريّة دون إكراه من كلّ أشكال التقدّم وأنواعه.‏

وباب رفضه لأدلجة العولمة عمد المؤلّف لسَوْق أهم مظاهر تلك الأدلجة وتحليلها, فبدأ بالاقتصاد كأوّل عقد اجتماعي ساهم في تكوّن المجتمعات, وحلّل ما صاحب ميلاد السوق من أزمات (17) وصراعات بين الدولة والسوق, وأهمّ نتائج ذلك الصراع الأزلي الذي راحت ضحيته شعوب بأكملها وكيف اندثرت بموجب قوانينه إمبراطوريات وقرون كثيرة. وبيّن أن التاريخ في هذا المضمار هو حركة الصراع بين المشاعي والرأسمالي ومدى طول ذراع "التنين" وصلاحياته في إدارة ذك الصراع. كما أوضح أنّ الملكية هي محرّك التاريخ (ص45) وما يُصاحب هذه الحركة من ظواهر أهمّها انقضاء المساواة.‏

وفي باب "العولمة تعويذة النظام العالمي الجديد" (ص71) أوضح الكاتب كيف تتمّ مصادرة حقوق وثروات الجنوب والعالم الثالث عموماً والمؤسسات التي تقوم بتشريع تلك المُصادرة بالتآمر مع السلطة مراكز صنع القرار المحلية والإقليمية والدولية وأهمّها الأمم المتّحدة ومجلس الأمن ومنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي. ومساهمة الشركات متعدّدة الجنسيات في إفقار الشعوب وتجويعها باسم تحرير الاقتصاد وإعادة الهيكلة الاقتصادية والتحديث والميكنة وغيرها من التعويذات آخرها احتكار الملكية الفكرية التي نهبت بها وما تزال ما تراكم من خبرات الشعوب في إدارة اقتصادها واستحوذت عليها وختمتها بما أسمته براءة الاختراع. فقضت على التنوع الحيوي والبيئي.‏

كما تناول بالنقد والتحليل "الخطاب السياسي الغربي" (ص113) ومنه الأطروحات الغربية وخاصة الخطاب الماركسي والفوكويامي ونقاط تقاطعهما وخاصّة في رؤيتها للتاريخ, والديمقراطية الليبرالية التي تحمل في ذاتها بذرة موتها, فما أن نُحاول فرض الديمقراطية حتى تفقد جوهرها وتتوقّف عن كونها ديمقراطية حقيقية, إذ لا يسمح الفكر بديمقراطية قسرية, تُحمل الشعوب على اعتناقها كرهاً. والديمقراطية الليبرالية (الغربية) كساء لثقافة الإمبريالية (ص173) ولكنّها كساء شفّاف يُبدي عورة إمبريالية الثقافة ويفضح خطط الاستعمار الجديد وملامحه.‏

إن القارئ يقف اليوم أمام مؤلّف مادّته دسمة وخطرة بقدر خطورة الوضع الراهن والمرحلة, يطرح مواضيعه بجرأة بقدر ما يحتاجه المثقّف من جرأة لفضح المؤامرات التي تتخفّى وراء شعارات الغرب وبريقه, وينأى بمنهجه عن السائد من خضوع لمقولات الموضوعي والتجريبي والحيادي ويتنزّه عن التواطؤ المعرفي السائد بين أنصار العولمة, ونجده مؤسّساً لقيمة جديدة في البحث هي جرأة الطرح والانحياز بدلاً من الموضوعية والحياد وذلك لما تقتضيه المرحلة من شراسة وجدية في الدفاع عن هويتنا الثقافية مهما كانت ملامحها ومواطن قصورها.‏

وفي الوقت نفسه نهنّئ فيه الدكتور/ عبد الله عثمان عن هذا العمل القيّم والرائع والتحليل وربط عناصر المتلازمات.‏

* راجع: د. عبد الله عثمان, أيديولوجيا العولمة, دار الكتاب الجديد المتحدة, 2002.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244