جريدة الاسبوع الادبي العدد 1014 تاريخ 8/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الثقافة الإمبريالية والاستعمار الصهيوني لفلسطين ـــ محمد سعيد طالب

الدولة الصهيونية في فلسطين ظاهرة كولونيالية كان يجب أن تختفي مع نهاية هذه الظاهرة في العالم في النصف الثاني من القرن الماضي بعد أن تحررت جميع المستعمرات, وحصلت على استقلالها وانضمت إلى عضوية الأمم المتحدة. ولكنها استمرت في فلسطين مع استمرار الظواهر الكولونيالية الأخرى في الوطن العربي, وهي التجزئة والحدود التي رسمها المستعمرون والجغرافيا السياسية التي أوجدوها, والأنظمة السياسية القطرية التي اعترفوا بها دولاً ذات سيادة, للحيلولة دون قيام الدولة العربية الواحدة. وهذا ما يؤكد حقيقة الترابط القائم بين استراتيجيات التجزئة الاستعمارية للوطن العربي والاحتلال الصهيوني لفلسطين, واستراتيجيات الشرق الأوسط الصغير والكبير للعولمة الأمريكية في النظام العالمي الجديد, لدمج الدولة المستعمرة في منظومة دويلات التجزئة القطرية والعرقية والطائفية والإقليمية التي تخطط لها إمبراطورية العولمة الأمريكية في هذين الشرقين الأوسطين. كما يؤكد ذلك على ترابط النضال القومي من أجل الوحدة العربية مع النضال الفلسطيني والعربي من أجل تحرير فلسطين كما أن وجود إسرائيل كدولة احتلال يشكل بالأساس عقبة مانعة سياسية وجغرافية لتكوين الدولة ـ الأمة العربية, بالإضافة إلى ما يشكله هذا الوجود من اعتداء على السيادة القومية, وعلى الديموقراطية وحقوق الإنسان الأساسية بما فيها حق تقرير المصير بحسب الشرعية الدولية.‏

الصهيونية العالمية ظاهرة سياسية قومية استعمارية تعتمد الدين اليهودي والعنصرية والعرقية ومجموعة من الأساطير كما سماها روجيه غارودي كأيديولوجيا سياسية, وتستكملها بمفاهيم الليبرالية والديموقراطية والاشتراكية التعاونية كأدوات لإعادة تكوين وتأهيل مجموعات من القوميات والشعوب كانت قد اعتنقت اليهودية في التاريخ, وعلى مراحل, بعقائدها الاستيطانية والعنصرية الدينية واللغوية لبناء ما تتوهمه أمة يهودية. لقد ظلت هذه الجماعات تعيش على هامش شعوبها, أو في قلبها تتنامى لديها مشاعر الاضطهاد والاستعلاء والعصبية الدينية معزولة في أحياء وقرى تمارس التجارة والحرف الماهرة وكنز الأموال لتديرها كرؤوس أموال ربوية في العصر الإقطاعي والمرحلة السلعية التي سبقت ومهدت لنشوء الرأسمالية كنظام إنتاج عالمي, وكانت عاملاً رئيساً في تأسيسه. وقد يسرت لها الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية لخدمة مصالحها سبل الهجرة إلى فلسطين منذ احتلالها 1917م بموجب وعد بلفور, جاعلة منها قاعدة عسكرية وبشرية, ثم معترفة بها كدولة بالاتفاق مع حليفتها الكبرى الولايات المتحدة الأمريكية 1948م عبر منظمة الأمم المتحدة لتحول دول قيام دولة عربية واحدة, ولتطيل أمد سيطرتها على النفط العربي.‏

إذن لا يمكننا فهم هذه الظاهرة إلا في إطار فهمنا وتفحصنا لتاريخ النهضة الأوربية ونمو وسيادة نمط الإنتاج الرأسمالي في أوربا الغربية وبخاصة في بريطانيا وهولندا منذ القرن السابع عشر وترافقه مع انهيار الدول الإمبراطورية الأوربية والنظام الإقطاعي وبروز الدول الملكية القومية في بريطانيا, أولاً ثم في هولندا, ففرنسا, الذي تزامن مع ثورات الإصلاح الديني في ألمانيا وأوربا الوسطى والبلاد الواطئة وفرنسا وبريطانيا وقيام الكنائس البروتستانتية بزعامة مارتن لوثر وزوينغلي وكالفن التي أعلنت قطيعتها مع كنيسة روما تحت شعارات إصلاح الكنيسة والعقيدة, ولكنها في الجوهر كانت قطيعة مع العقيدة المسيحية كما أسس لها بولس الرسول بالاعتماد على الأناجيل كمرجعية مؤسسة, متجاوزاً التوراة كتاب اليهودية الديني, وقاطعاً مع تعاليمه في المجالين العقائدي والطقسي. لقد أعلن لوثر ومن أيده من رجال الكنائس الإصلاحية العودة إلى التوراة كمرجعية دينية للكنائس الجديدة. مما أعاد لليهودية اعتبارها كثقافة دينية مؤسسة ولتدخل بأساطيرها ورموزها ولغتها في عقائد الكنائس المنشقة.‏

وكان التجار اليهود الذين هاجروا إلى بريطانيا وهولندا بعد سقوط دويلات الطوائف العربية في الأندلس وآخرها غرناطة 1492م بيد الملكين الإسبانيين فرديناند وإيزابيللا, وملاحقة محاكم التفتيش لكل من لا يعتنق المسيحية من العرب المسلمين ومن اليهود ـ قد ساهموا في النهضة الاقتصادية في هولندا وبريطانيا الدولتين الأوربيتين اللتين استقبلتهم ووفرت لهم الأمن ويسرت له سبل العمل, وفي تطوير أسلوب الإنتاج السلعي البسيط إلى الأسلوب الرأسمالي, وعمموا أخلاق الكسب والربا وجمع الثروات, ممهدين لنمو البرجوازية الصناعية التي صنعت تاريخ أوربا الحديث. دخل اليهود من هذه الأبواب الثلاثة: الثقافة الدينية, والتحالف مع الملوك ضد الإقطاعيين, وتنمية ثقافة الرأسمالية والربا والمؤسسات المصرفية التي أنتجت الرأسمالية بكل مظاهرها في أوربا الغربية الاستعمارية, فكانوا جزءاً عضوياً منها. ومن يقرأ تاريخ أوربا الحديث يتعرف على الأدوار المركزية التي لعبتها العائلات الرأسمالية اليهودية المشهورة مثل عائلة روتشيلد في مجريات هذا التاريخ. بالإضافة إلى الدور الطليعي الذي لعبه المثقفون اليهود من النخب المتنوعة المواهب والإمكانيات المتفوقة في مجالات العلم والطب والرياضيات والموسيقى والآداب والفلسفة والفنون والقانون والاقتصاد, وفي تطوير الثقافات القومية والأممية في أوربا وأمريكا. وكانوا من المؤسسين في ميادين العلوم الطبية والفيزيائية والرياضية والمدارس الفلسفية ومدارس علم النفس الحديث والاجتماع والإبستمولوجيا والنظريات السياسية والمذاهب الفكرية. وكانوا بذلك يخدمون قضية الدولة الصهيونية في فلسطين ليس بالعمل الدعائي بل يغرس هذا البعد الثقافي لليهودية الصهيونية بين النخب الحاكمة, وفي الثقافة الشعبية وعلى مستويات متنوعة في المعاهد والأكاديميات والجامعات بما يقدمونه من دراسات, وينشرون من مؤلفات لتثبيت الحقوق السياسية والتاريخية للصهيونية في فلسطين, وإظهاره كمستوى أخلاقي معرفي وتكفيري عما أصاب اليهود من مظالم واضطهاد عبر ما يسمونه بالمنفى ـ الدياسبورا ـ منذ سقوط دويلاتهم في فلسطين على يد الإمبراطورية الرومانية. ويأتي شعار المعاداة للسامية ليبين ما وصلت إليه الصهيونية من قوة في فرض رؤيتها بقوة القانون والأعراف في بلاد عريقة في الديموقراطية في أوربا التي احتضنت الحركة الصهيونية مثل ـ فرنسا وبريطانيا ـ لتضطهد وتحاكم كل من ينتقد أساطيرها وأوهامها حول التاريخ الذي اصطنعته وعممته بالإكراه كتاريخ لشعب لم يكن يوماً شعباً بأية مواصفات كانت (محاكمة المفكر والفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي في باريس لأنه شكك بصحة دعاوى الصهيونية في فلسطين على سبيل المثال). ولتركز فيه على مذابح وكوارث سببتها عن وعي, ثم جعلت تنسبها للشعوب الأخرى, لتطالب بالتعويض المادي والمعنوي لدعم استعمارها وتشريدها للشعب العربي في فلسطين واحتلال أراض عربية أخرى كي تتمكن من جعل المصير العربي كله رهن إرادتها خاضعاً لاستراتيجياتها. متحالفة مع من يملك الهيمنة والسيطرة على العالم, مبدلة هذه الأحلاف لحماية ما تعتبره وعداً إلهياً في أراض لم يكن لها فيها إلا عبور مؤقت كما هو مفهوم من الاسم الذي عرفت فيه في التاريخ ـ العبريون ـ الخابيرو ـ العابرون ـ‏

هذا الجانب الثقافي الاقتصادي المؤسساتي يجب ألا ننساه ونحن نناضل من أجل تحرير فلسطين إلى جانب الأبعاد السياسية الأخرى.‏

في الجانب المقابل نظرت الثقافة الغربية الحديثة (في أوربا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية) إلى القومية العربية التي تأسست على مفاهيم ثقافية إنسانية علمانية, وتجاوزت الإسلام المكون التاريخي الرئيس لشخصيتها في فلسفتها السياسية, على أنها قومية عنصرية عرقية, ووجهت إليها تهم الشوفينية والنازية. في نفس الوقت الذي اعتبرت فيه الصهيونية حركة تحرر وطني لليهود متجاهلة الفرق الجوهري بين قوميتنا وقوميتهم المؤسسة على العنصرية الصهيونية والديانة اليهودية. مؤيدة حق اليهود في استعمار فلسطين والعودة إليها من كل أنحاء العالم على أنها أرضهم الموعودة, وطرد العرب وتشريدهم من أرضهم وبلادهم التي يعيشون فيها منذ آلاف السنين. وذلك لأن الصهيونية الشريك المسكوت عنه في نهوض ونمو الرأسمالية الأوربية, أخذت تبحث عن أرض لاستعمارها في إطار الغزو الاستعماري الأوربي لبلدان العالم القديم, وقررت غزو فلسطين منذ مؤتمر بال 1897م لتنال حصتها من اقتسام العالم القديم وثرواته. وكنتيجة لهذه الثقافة السياسية وأفكار عصر النهضة والقومية والرأسمالية والليبرالية الأوربية, فقد ظل الفكر السياسي الأوربي يدعم الصهيونية على أنها قومية علمانية ديموقراطية, ويوجه التهم والنقد المنهجي غير العلمي بالطبع للقومية العربية على أنها عنصرية وإسلامية وغير علمانية وشوفينية وغير ديموقراطية وتوسعية. وهي مفارقة تبين مدى تأثير الفكر الصهيوني وتغلغله في الفكر السياسي الأوربي وسيطرته على مفاصله الرئيسة والمؤسسة لتياراته الفاعلة. ونحن لا نستطيع التأثير في هذا المجال المغلق والمفتوح في نفس الوقت إلا بانتصار الحداثة الثقافية عندنا والدخول فيها بكل ميادينها كي يحرز فكرنا موقعاً مؤثراً فيها من داخلها, وفي سياقها كمكون من مكوناتها.‏

ومن هنا تأتي أهمية المقاومة المسلحة وثقافة المقاومة التي هي في الجوهر ثقافة الهوية القومية العربية في مواجهة الإمبريالية والاستعمار والصهيونية, ورفض الاستسلام لاستراتيجيات الهيمنة, والقبول بالاحتلال والصلح مع الغزاة. المقاومة المسلحة التي تضع في اعتبارها الأبعاد الحقيقية لثقافة الصهينة في الغرب الأوربي والأمريكي وتوابعه, وتعتبر المعركة الثقافية لا تقل أهمية عن المعركة السياسية والعسكرية في مواجهة الصهيونية ودولتها في فلسطين وحلفائها الإمبرياليين.‏

الفكر القومي العربي الحديث هو طليعة مقاتلة تشق الطريق الثقافي ـ السياسي باحثة عن الحقيقة, لكشف الملابسات والأساطير التي زرعها الفكر الصهيوني في الثقافة العالمية الحديثة لجعل الاحتلال واغتصاب الأرض العربية وتشريد شعبها مبرراً. وهي مهام متواصلة ومتجددة, لا تفيد فيها المقالات الصحفية الإنشائية التحقيرية والهجائية والسجالية, بل لابد هنا من البحث المؤسسي العلمي, ولكن باستراتيجيات مواكبة لتطور وسائل الاتصال والنشر والتمويل.‏

وبالإصرار على مواجهة سياسات الاستسلام والصلح والخضوع لاستراتيجيات الإمبراطورية الأمريكية التي تستهدف تصفية قضية فلسطين وشعبها المشرد وأرضها المحتلة وحذفها من الفكر السياسي المعاصر ومن جدول أعمال الأمم المتحدة كقضية تحرر وطني من الاستعمار. وبالتأكيد على حق المقاومة المسلحة للشعب العربي الفلسطيني, والأمة العربية في مقاومة المشروع الصهيوني الغازي والمحتل للأرض العربية في فلسطين والأقطار العربية الأخرى, واستخدام كل الوسائل المتاحة: السلاح والمال والتكنولوجيات الحديثة, لتحرير الأجزاء المحتلة منها. ورفض اتفاقات ومعاهدات الصلح والتسوية الاستسلامية التي أبرمتها أنظمة الاستبداد والتبعية في الدويلات القطرية العربية الضعيفة والخاضعة لإملاءات الولايات المتحدة الأمريكية والتي تتضمن الاعتراف بالاستعمار الصهيوني لأرض فلسطين, والتخلي عن مقاومة المشروع الصهيوني الذي يستهدف الأمة العربية ككيان وكدولة وكثقافة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244