جريدة الاسبوع الادبي العدد 1014 تاريخ 8/7/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

هل تستعد أمريكا لهجوم على إيران؟ ـــ ميشيل منيّر

في الذكرى الثالثة للغزو الأمريكي للعراق, وعندما أصبحت القوات الأمريكية عاجزة عن تحقيق تقدم, يراقب العالم بقلق إدارة بوش وهي تسعى بثبات إلى افتعال أزمة جديدة مع إيران.‏

ففي خطابه المتلفز في 13 آذار للدفاع عن إدارته للحرب العراقية شن الرئيس جورج دبليو بوش هجوماً على الحكومة الإيرانية بسبب إرسالها المزعوم لمتفجرات إلى المقاومة في العراق. وأعلن أن "هذه الأعمال, إلى جانب تأييد إيران للإرهاب, وسعيها لامتلاك أسلحة نووية, تزيد من عزلة إيران, وستواصل أمريكا حشد العالم لمواجهة هذه التهديدات".‏

وتأييد "الإرهاب" تعني في منطق بوش تأييد إيران للمقاومة الفلسطينية واللبنانية ضد الاحتلال والعدوان الإسرائيليين, وأعلنت إدارة بوش دون تقديم أي دليل وعلى الرغم من النفي الإيراني, أن أية محاولة من إيران لتطوير طاقة نووية سلمية هي خطوة نحو بناء أسلحة نووية.‏

لم يكن تهجم بوش على إيران تأنقاً بيانياً معزولاً, فقد ذكرت صحيفة واشنطن بوست: "مع وصول الخلاف على برنامجها النووي إلى مجلس الأمن اليوم, قفزت إيران إلى مقدمة أجندة الأمن القومي في الولايات المتحدة وتخطط إدارة بوش لحملة ثابتة ضد آيات الله في طهران" (13 آذار).‏

وقالت واشنطن بوست: "إنهم لا يستخدمون مصطلح "تغيير النظام" ولكن تلك هي سياستهم". ونقلت الصحيفة عن ريتشارد هاس, المدير السابق للتخطيط السياسي في وزارة خارجية بوش والذي يرأس الآن مجلس العلاقات الخارجية, الصهريج الفكري القومي في نيويورك, نقلت قوله: "إن اليد العليا للذين يحثون على تغيير النظام وليست للذين يحثون على المزيد من الدبلوماسية".‏

كورس التهديدات‏

وهذا يفسر الكورس الحالي من التهديدات الصادرة عن كبار المسؤولين في إدارة بوش, ففي 7 آذار ألقى نائب الرئيس ديك تشيني خطاباً أمام جماعة اللوبي الصهيوني المتمثل في لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) مهدداً إيران بـ "عواقب ذات شأن" إذا واصلت الإصرار على حقها السيادي في تطوير الطاقة النووية, وحذّر تشيني: "من جانبنا, تحتفظ الولايات المتحدة بكل الخيارات على الطاولة... لن نسمح لإيران بامتلاك أسلحة نووية" (WWW.Tom paine. Com) (انظر "البعث" في 27 نسيان 2006).‏

وفي اليوم نفسه الذي ألقى فيه تشيني خطابه, هدد وزير الدفاع دونالد رامسفيلد إيران في مؤتمر صحفي للبنتاغون: "أنهم يدفعون الناس في العراق حديثاً لعمل أشياء أعتقد أنهم سيستنتجون في المستقبل أنها كانت خطأ في الحكم". وفي الأسبوع نفسه قال السفير الأمريكي في الأمم المتحدة جون بولتون إن إيران تواجه "عواقب ملموسة ومؤلمة". (The Progressive March12).‏

وبعد يومين, أي في 9 آذار, أخبرت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس لجنة في مجلس الشيوخ أن الولايات المتحدة "لا تواجه من بلد بمفرده تحدياً أكبر مما تواجهه من إيران" وأعلنت أن إيران هي "المصرفي المركزي للإرهاب" في الشرق الوسط (WWW.Tom Paine. Com).‏

وفي تحرك منسق مع سيده الإمبريالي الكبير ألقى وزير الخارجية البريطاني السابق جاك سترو خطاباً مهماً قال فيه إن "إيران تسير في الاتجاه الخاطئ" وإن "إيران وشعبها يستحقان أفضل من ذلك" مشيراً إلى الحكومة الإيرانية المنتخبة.‏

الحق في تقرير المصير‏

والدفاع عن النفس‏

تملك إيران بالطبع الحق الكامل في تطوير الطاقة النووية, حتى وفقاً لمعاهدة عدم الانتشار النووي, وصّرح رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي تكراراً أن المفتشين لم يجدوا شيئاً يؤيد مزاعم الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن تطوير أسلحة نووية, وقد سمحت إيران لمفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة بالذهاب إلى كل مكان.‏

وعلاوة على ذلك يملك الإيرانيون, من المنظور السياسي لحق تقرير المصير, الحق بتطوير أية وسيلة للدفاع عن النفس ضد مضطهديهم السابقين. لقد ساد الإمبرياليون البريطانيون وشركة بريتيش بتروليوم في إيران إلى أن طردتهم ثورة قومية في عام 1951 بقيادة محمد مصدق.‏

وأطيح بمصدق في انقلاب نظمته وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الاستخبارات البريطانية إم أي سيكس في عام 1953, ووضع الشاه على العرش, وكان أحد أكثر الحكام وحشية في القرن العشرين, وعندها استولت شركات النفط الأمريكية على الثروات النفطية, واحتاج الأمر إلى ثورة عام 1979 وتضحيات كبيرة من جانب الشعب الإيراني لطرد الشاه ـ الدمية الأمريكية ـ واستعادة السيادة الوطنية.‏

إن المضطهدين السابقين للشعب الإيراني في واشنطن ولندن لديهم أجندة تتجاوز القضية النووية, إنها الأجندة نفسها التي كانت لديهم في العراق: إعادة غزو وإعادة استعمار من أجل الاستيلاء على النفط, يريدون تقويض الاستقلال الوطني الذي حققه الشعب الإيراني بعد نضال شاق, ويسعون إلى تحقيق هذا الهدف بأية وسيلة كانت ـ بالتخريب إذا أمكن وبالهجوم العسكري إذا كان ذلك ضرورياً.‏

مارسوا الضغوط والمناورات لحمل الإمبرياليين الفرنسيين والألمان, ونظام بوتين في روسيا والحكومة الصينية على المشاركة في حملة لعزل إيران, واستخدموا ما تسمى بمفاوضات ثلاثي الاتحاد الأوربي والوكالة الدولية للطاقة الذرية, ويحاولون الآن استخدام مجلس الأمن الدولي لدعم أهدافهم وتهيئة المسرح الدبلوماسي والقانوني لإكراه إيران على الاستسلام أو تواجه عقوبات وعملاً عسكرياً محتملاً.‏

ويعلن جميع اللاعبين في اللعبة الإمبريالية لمحاولة خنق إيران, بالطبع, حبهم للشعب الإيراني, ورغبتهم حل المشكلة بالوسائل السلمية والمفاوضات, ولكن هذا تمويه ليس إلا.‏

لا نعلم بالتأكيد إذا كان البنتاغون سيهاجم إيران إذا رفضت التنازل عن سيادتها, صحيح أن الإمبريالية الأمريكية تعاني من تناقضات ينبغي التعامل معها, ولكن الحركة المناهضة للحرب في العالم تأخذ هذا الخطر على محمل الجد وكذلك يفعل الشعب الإيراني بلا شك.‏

مذكرات دوانينغ ستريت‏

ومن هذه الناحية ينبغي النظر إلى المناورات الحالية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن في ضوء مذكرات دوانينغ ستريت سيئة السمعة المؤرخة في 23 تموز 2002 ـ قبل ثمانية أشهر من الغزو الأمريكي البريطاني للعراق.‏

ونجد عرضاً لهذه المذكرات في مقالة بعنوان: "الإمبريالية" ومذكرة دوانينغ ستريت (جريدة تشرين في 18 كانون الأول 2005), وداونينغ ستريت هو مقر رئيس الوزراء البريطاني, وهذه الوثائق التي تسربت الآن إلى وسائل الإعلام تتعلق باجتماع سري للحكومة عُقد هناك في 23 تموز 2002 حول خطط الولايات المتحدة للهجوم على العراق.‏

قالت إحدى المذكرات: "قدم سي [رئيس المخابرات الخارجية البريطانية] تقريراً عن محادثاته الأخيرة في واشنطن, حدث هناك تغيير ملموس في الموقف, وصار يُنظر الآن إلى العمل العسكري كأمر محتوم أراد بوش إزاحة صدام من خلال عمل عسكري يسوغه دمج تهمتي الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل, ولكن المعلومات الاستخبارتية والحقائق كانت ثابتة لصالح الخيار السياسي".‏

ولكن القضية لم تزعج حكومة حزب العمال, نقلت المذكرة عن وزير الخارجية قوله: "يجب علينا إعداد خطة إنذار من أجل السماح بعودة مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة. وسيساعد هذا أيضاً على التسويغ القانوني لاستخدام القوة".‏

وكان اجتماع سابق لسكرتارية الحكومة لشؤون الدفاع ما وراء البحار في 8 آذار قد استنتج ما يلي: "ستكون هناك حاجة للتسويغ القانوني للغزو... لا يوجد شيء الآن.. وهذا يجعل التحرك بسرعة إلى الغزو صعباً جداً قانونياً, ولذلك علينا التفكير في مقاربة مخرَجة وإقامة تأييد دولي وإنشاء ضغط على صدام وتطوير خطط عسكرية, هناك مدة تقارب الستة أشهر لبدء الهجوم على الأرض".‏

ونقلة سريعة الآن إلى تقرير صحيفة واشنطن بوست في 13 آذار الماضي. إنه يصف توجهاً لـ "تغيير النظام" جديداً وعدوانياً لدى إدارة بوش بالنسبة لإيران:‏

"الآن وقد أصبحت المسألة النووية في مجلس الأمن فإن استراتيجية الولايات المتحدة تقوم على التصعيد التدريجي وليس على فرض الذروة فوراً, ستكون الخطوة الأولى بياناً لرئيس المجلس يعلن أن إيران تنتهك التزامات المعاهدة النووية ويطلب منها وقف تخصيب اليورانيوم, وإذا أخفق ذلك فقد يُطلب من المجلس فرض عقوبات اقتصادية أو تمرير قرار يسمح باستخدام القوة العسكرية لفرض الإذعان, ولا تبدي روسيا والصين, اللتان تملكان حق النقض, رغبة في تأييد أي من التحركين".‏

التخطيط العسكري مستمر‏

لنأخذ بعين الاعتبار أيضاً تقريراً في صحيفة ديلي تلغراف اللندنية بتاريخ 12 شباط يقول: "يضع استراتيجيو البنتاغون خططاً لغارات قصف تدميري مدعومة بهجمات صواريخ باليستية تُطلق من الغواصات ضد مواقع نووية إيرانية... يحدد مخططو القيادة المركزية والقيادة الاستراتيجية الأهداف ويقدّرون شحنات الأسلحة لعملية....‏

"إنهم يقدمون تقاريرهم إلى مكتب دونالدرامسفيلد... كأحدث خطط أمريكا للعمل إذا أخفقت الهجمة الدبلوماسية....".‏

وقال مستشار كبير في البنتاغون: "هذا أكثر من مجرد تخمين معياري لاحتمال عسكري. كان هناك إلحاح أكبر على ذلك في الأشهر الأخيرة".‏

ويجدر التذكير بأن واشنطن ولندن لم تتمكنا من الحصول على تفويض مجلس الأمن لغزو العراق أيضاً, ولكن الغزو تم على كل حال.‏

الهيمنة العالمية‏

والجنون العسكري‏

يشير مراقبون كثيرون إلى الفوارق الكبيرة بين العراق وإيران. قبل كل شيء جيش الولايات المتحدة بات غائصاً في مستنقع في العراق. وثانياً, يزيد عدد سكان إيران ثلاث مرات عن عدد سكان العراق. ولم تضعف إيران, كما حدث للعراق, نتيجة هجوم إمبريالي سابق في عام 1991 و12 سنة من العقوبات والقصف. إن هجوماً على إيران سيقوض تماماً الاحتلال الأمريكي في العراق. وستكون الكراهية لواشنطن كبيرة جداً بحيث يوجد احتمال قوي لثورة إقليمية وحريق عام هائل.‏

وهكذا يبرز سؤال كيف يمكن لإدارة بوش أن تفكر حقاً بشيء ما يبدو مناقضاً لمصالحها الإمبريالية؟‏

وفي هذه النقطة ينبغي فهم أن الذكرى الثالثة للحرب العراقية هي أيضاً الذكرى الثالثة لأزمة بوش. إن محاولته إقامة هيمنة عالمية أمريكية, هدفه المعلن بعد 11 أيلول, قد انهارت على الفور تقريباً بعد الغزو وانفجار مقاومة عاقدة العزم.‏

تنطلق واشنطن في مسعاها نحو الهيمنة العالمية من فرضية أن البنتاغون يمثل قوة لا يمكن إيقافها, ولكن إذا كان احتلال العراق قد فعل شيئاً ما فإنه كشف هشاشة الآلة العسكرية الأمريكية إن القوة الكبرى للبنتاغون قد طُوقت وأُذلت في العمق على يد مقاومة ضعيفة التسليح ولكنها عنيدة ومستمرة منذ ثلاثة أعوام, ولا تظهر التقارير المتتالية تحسناً. ففي كل يوم يتكشف في الحقيقة تدهور ملحوظ.‏

إن هدف جنرالات البنتاغون ومهندسي الهيمنة العالمية هو إرجاع سمعة الجيش الأمريكي إلى مستواها قبل حرب العراق, وهذه ضرورة استراتيجية بعيدة المدى بالنسبة لواشنطن. وقد يختارون المجازفة بزعزعة الاستقرار وبثورات اجتماعية في سبيل تأكيد هيمنة القوة العظمى الوحيدة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي.‏

ويبرز هذا الدافع من الحاجات العامة لشركات النفط والمصارف والشركات عابرة القومية الأمريكية إلى التوسع عبر الكرة الأرضية, ولضمان أسواق جديدة وموارد جديدة وعمال جدد للاستغلال, وللتغلب على الأزمة الدائمة للإمبريالية ونظام الربح, وقد تقود هذه التناقضات إلى مغامرة عسكرية مجنونة أخرى.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244